Skip to main content
The Gulf Cooperation Council (GCC) logo is seen during a meeting in Manama, Bahrain April 7, 2016. To match GULF-HEZBOLLAH/LEBANON REUTERS/Jonathan Ernst -
مقال

ماذا يقول خبراء مركز بروكنجز الدوحة في الذكرى السنوية الثانية للأزمة الخليجية؟

, , , , , , , , و
ملاحظة المحرر:

في 5 يونيو 2017، قطعت كلٌّ من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والبحرين علاقاتها مع قطر وأطلقت حصاراً كانت له تداعياتٌ إقليمية ودولية. وفي الذكرى السنوية الأولى، نشر مركز بروكنجز الدوحة مقالةً لخّصت آراء خبرائه حول الأزمة. وبمناسبة حلول السنة الثانية، يبدي هؤلاء الخبراء مرّة أخرى رأيهم حيال الأبعاد المختلفة لهذه الأزمة المستمرّة. 

عمر حسن عبد الرحمنزميل زائرمركز بروكنجز الدوحة

بالنسبة إلى منطقة تفتقر أصلاً إلى المؤسّسات التعاونية الفعّالة، كان الحصار على قطر مؤذياً للغاية. فطوال سنتين توقف مجلس التعاون الخليجي عن العمل كهيئة موحّدة، أقلّه على المستوى السياسي. وقد وصل الشرخ إلى المستوى الشعبي، مع التفاف شعوب كلّ بلد حول قرارات قادتها. بيد أنّ الشرخ الخليجي لم يتمّ احتواؤه مؤسساتياً أيضاً في مجلس التعاون الخليجي، بل انتشر إلى الجامعة العربية ومنظمة الدول المصدرة للنفط (الأوبك) التي انسحبت منها قطر العام الماضي.

ومع أنّ أيّاً من هاتين المؤسستين لم تشكّل مثالاً يحتذى به في الفعالية، فقد أعاقهما الشرخُ الخليجي أكثر فأكثر في وقت تواجه فيه المنطقة اضطرابات كبيرة، مع مخاوف أمنية متصاعدة في الخليج العربي بالتحديد، لأنّ خطر اندلاع حرب مع إيران في ازدياد. وتحتاج مطالب المنطقة إلى المزيد من الوحدة وبناء المؤسسات وليس إلى التصدّع والسياسات التقسيمية. 

نهى أبو الدهب زميلةالسياسة الخارجية، مركز بروكنجز الدوحة

ما زالت التوتّرات بين دول مجلس التعاون الخليجي تؤثّر في المنطقة. فقد سبق أن زادت هذه التوتّرات الشكوك حيال العملية الانتقالية السودانية ويمكنها أن تطال العملية الانتقالية الجزائرية أيضاً. وعقّدت كذلك حلاً للصراعات في ليبيا واليمن. وتبقى الأزمة الخليجية التي باتت اليوم في عامها الثالث جزءاً من صورة أكبر تضمّ تاريخاً محتدماً يسبق الحصار الذي فُرِض على قطر في يونيو 2017. وقد فاقمت هذه الاختلافات المديدة غير المحلولة بين الدول الأربعة المُحاصِرة وقطر التطلعات الثورية المضادّة لدى جهات فاعلة قوية شأن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر.

بالتالي، تتخطّى الطفرة المقلقة في القمع الداخلي الآن الحدود من خلال عمليتَي مراقبة وترهيب عبر وطنية مكثّفتَين. وتشكّل ممارسة الاحتجاز والتعذيب والقتل المطبّقة على المنشقّين والصحافيين والمحترفين الآخرين من كامل الطيف السياسي، بمن فيهم الصحافي السعودي المعروف جمال خاشقجي، مثالاً على التداعيات التي تخلّفها التوترات الإقليمية المتصاعدة، من ضمنها الأزمة الخليجية. 

وبعد قرابة العقد على الثورات العربية، ما زالت الكفاحات المحلية ضدّ قوى قمعية مختلفة مستمرّة. ومع أفضلية الإدراك المتأخّر، أمام المتظاهرين في الجزائر والسودان مهمّةٌ ضخمة: التخلّص من جهاز الدولة الذي قمعهم لعقود، مع الحرص على ألا تختطف الأزمات الخارجية، بما فيها الأزمة الخليجية، مطالباتهم بالحرّية والعدالة الاجتماعية. 

زاك فيرتينزميل زائرمركز بروكنجز الدوحة

منذ العام 2017، يتمّ تصدير الأزمة الخليجية إلى القرن الأفريقي حيث تسعى الدول الخليجية وتركيا إلى زيادة نفوذها وقدرة وصولها. وفيما يمنح الانخراط الجديد في القرن الأفريقي فرصاً محتملة بالتكاملَين السياسي والاقتصادي على سواحل البحر الأحمر، هو يشكّل مخاطر أيضاً، ولا سيما على ضوء عسْكرة الديناميات الأمنية الخارجية. 

وكانت لتجلّي المنافسة الخليجية تداعياتٌ ملموسة في كلّ من الصومال وجيبوتي وإثيوبيا وأريتريا، ومؤخراً في السودان. وقد سعى سابقاً نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى موازنة العلاقات مع الجهتَين المتناحرتَين كلتَيهما، فتعاوَن مع التحالف الإماراتي السعودي في اليمن، فيما طوّر شراكات جديدة في الوقت عينه مع قطر وتركيا. لكنّ إسقاط البشير في أبريل 2019 خلّف فراغاً سياسياً في الخرطوم. وفيما ستكون الموارد والدعم من الخليج وتركيا ضرورية للحرص على نجاح عملية الانتقال السياسي في السودان، من الضروري ألا تستبدل الأجندات الأجنبية المطالب الشعبية التي ينادي بها الشارع وتطلّعاتهم التي قُمعت لسنوات للوصول إلى إصلاح ديمقراطي.

علي فتح الله نجاد زميل زائرمركز بروكنجز الدوحة 

تشكّل التوتّرات المتزايدة بين إيران والولايات المتحدة في مايو 2019، التي تسبق الذكرى السنوية الثانية لفرض الحصار على قطر، تذكيراً لافتاً بالتوازن الدقيق التي تجد فيه الدولة نفسها، وسْط ما يبدو أنّها جيوسياسات دائمة التقلّب لمنطقة الخليج العربي الأوسع. وفي سياق العداوة الإيرانية الأمريكية، موقف الدوحة فريد بحقّ، أو متناقض بشكل فريد في الظروف الجيوسياسية الراهنة، لأنّ لها علاقات جيدة مع كلتا الدولتين. فمن جهة، ومع أن قطر تتشاطر أكبر حقل غاز في العالم مع إيران، أفضى الحصار إلى ما أُمِل بتفاديه، أي توثيق العلاقات القطرية الإيرانية. ومن جهة أخرى، تأوي قطر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، وهذا عنصر ضامن أيضاً ضدّ أي اجتياح يقوم به الحلف السعودي الإماراتي أو أي ابتزاز إيراني محتمل. 

وتجد قطر نفسها في عين الإعصار. ومع ذلك، يمكن أن يسمح لها هذا الموقف الضعيف أن تؤدّي دور الوسيط في تهدئة الخلافات الأمريكية الإيرانية. وفيما تعجز قطر عن عزل نفسها عن هذا الانقسام الإقليمي، لعلّها قادرة على تأدية دور فاعل في التخفيف منه. 

ياسمينة أبو الزهور- زميلة زائرةمركز بروكنجز الدوحة

مع مرور سنتين على الأزمة الخليجية، يبقى موقف المغرب موقفاً محايداً. وعلى الرغم من إصرار البلاد على أنّ العلاقات قوية مع الجهتين، يبدو أنّ التوتّرات تزداد بين المغرب والتكتّل الإماراتي السعودي.

وتبرهن عدّة أحداث على الفتور في العلاقات، إذ سَحَب المغرب الدعم العسكري للتحالف بقيادة السعودية في اليمن، ولم يلتقِ الملك محمد السادس بِوَلي العهد محمد بن سلمان في خلال الجولة التي قام بها عقب قضية خاشقجي، وقالت عدّة مصادر إنّ السفير المغربي لدى المملكة العربية السعودية قد استُدعي مؤقتاً إلى بلاده. من ناحية أخرى، لم تدعم المملكة العربية السعودية ملفّ المغرب لاستضافة كأس العالم لكرة القدم في العام 2026 وألغى الملك سلمان رحلته السنوية إلى طنجة وبثّ التلفزيون السعودي برنامجاً وثائقياً يشكّك في سيادة المغرب على الصحراء الغربية وسحبت الإمارات العربية المتحدة سفيرها من المغرب مؤخّراً.

ولقد حافظ المغرب على علاقات دبلوماسية قوية مع قطر في خلال هذه الفترة. ويتطلّع كلا البلدين إلى زيادة تعاونيهما الاقتصادي والسياسي. وبالإضافة إلى إيران وتركيا، أرسل المغرب المؤن إلى قطر بعد الحصار. وعلى عكس التحالف السعودي، دعمت قطر ملفّ المغرب لاستضافة كأس العالم ولم تشكّك مطلقًا في سيادته على الصحراء الغربية. وفي المستقبل، سيتابع المغرب محاولته المحافظة على علاقات طيبة مع الجهتَين المتخاصمتين في الأزمة الخليجية. لكنّ المغرب أوضح أنّه لن يعرّض علاقته مع قطر للخطر لإرضاء التكتل السعودي الإماراتي. 

نادر قبانيمدير الأبحاثمركز بروكنجز الدوحة، زميل أولبرنامج الاقتصاد العالمي والتنمية

مع دخول الأزمة الخليجية عامها الثالث، تتّضح ثلاثة أمور. أولاً، تمكّنت قطر حتى الآن من تخطّي مطبّ المقاطعة بسلام، سياسياً واقتصادياً على حدّ سواء. وبرهنت على أنّها قادرة على الصمود والازدهار لوحدها. ومن المتوقّع أن يسجّل معدل النمو الاقتصادي في قطر في خلال العامين 2018 و2019 نسبة متينة تبلغ 2,4 في المئة، وهي النسبة الأعلى بين دول مجلس التعاون الخليجي. 

ثانياً، لا مؤشر أنّ الإمارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية، الدولتين اللتين تقودان الحصار، ستنشدان مصالحة قريباً. ويتابع كلا البلدين بانتهاج سياسة خارجية تدخّلية في اليمن وليبيا والسودان وغيرها من دول المنطقة. وفي هذا السياق، ستتابعان بمعارضة السياسة الخارجية المستقلة التي تتبعها قطر وبالضغط على جارتهما لقبول طموحهما لكسب الهيمنة الإقليمية. 

ثالثاً، مع أنّ قطر وجارتيها يمكنها الاستمرار بالازدهار، عرقل الحصارُ التجارةَ والاستثمارات والسفر بين تلك الدول. علاوة على ذلك، أعطى الحصار إشارات إلى باقي العالم بعدم استقرار المنطقة سياسياً أو اقتصادياً. فتبعاً لدراسة لصندوق النقد الدولي، كان الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة في العام 2017 في أدنى مستوياته منذ أكثر من عقد من الزمن. ومع أنّ قطر وجارتيها جاهزة لتحمّل مواجه مطوّلة، عليها أن تتصالح في نهاية المطاف. وكلّما انتهت الأزمة الخليجية أبكر يكون ذلك أفضل للجميع.

رانج علاء الدينزميل زائرمركز بروكنجز الدوحة

تشكّل الأزمة الخليجية خيرَ مثال على مرونة الدول الصغيرة وقدرتها في وجه قوى خارجية عدائية. فبعد مرور سنتين على الأزمة، ما زالت قطر جهة فاعلة جيوستراتيجية وقوّة اقتصادية، إقليمياً ودولياً. وعندما اندلعت الأزمة، شكّلت تركياً جدار حماية لقطر، فأصبحت منذ ذلك الحين حليفها الأهمّ في المنطقة بعدما حال تدخّل أنقرة دون شنّ عمليةً عسكرية محتملة من قِبَل الدول المحاصِرة. وعلى غرار تركيا، أصبحت إيران أيضاً متحالفة بشكل أوثق مع قطر وغدت شريكاً تجارياً بديلاً مهماً لحاجات قطر اليومية. ففي غضون أسابيع ليس إلا، أصبحت الأزمة فرصة لإبراز القوّة القطرية، إذ مكّنتها من إطلاق قوّة ناعمة موسّعة وفعّالة أكثر في أرجاء العالم، لا بل حتّى حرّكت في نفوس القطريين شعوراً أقوى بالقومية والانتماء.

لكنّ الامتحان الحقيقي لعلاقات قطر الخارجية وعلاقاتها الجيوسياسية لم يحن بعد. فالأزمة الخليجية أمارة للشكوك والبلبلة والمغامرة في نظام إقليمي ما زال قيد التحديد، وهو نظام ما زال محلّ اختلافات سياسية وعنفية. وقد تموضعت قطر في موقع الجهة الفاعلة المحايدة في الصراع والتوتّرات بين الولايات المتحدة وإيران، مثلاً، ويدعم مسؤولوها قيام أمن إقليمي يرتكز على التوافق. بيد أنّ تحالفات قطر بعد الأزمة الخليجية يمكنها أن تقوّض هذا الخطاب والسياسة وتزيد الصعوبة على قطر لتحافظ على استراتيجية التوازن السليمة التي تنتهجها.

غالب دالايزميل غير مقيممركز بروكنجز الدوحة

ما زال الحلّ للأزمة الخليجية، في ذكراها السنوية الثانية، بعيد المنال بقدر ما كان بعيداً أوّل ما اندلعت التوتّرات. وفي هذه الفترة، حافظت تركيا على الخطوط العريضة لسياستها. إذ لم ترَ الأزمة كقضيّة ثنائية بين قطر والدول الخليجية العربية المجاورة لها، بل وضعت الصراع ضمن طيف زمني وجغرافي محدّد. فاعتبرت الصراع امتداداً للخلافات التي برزت في فترة الربيع العربي وتجلياً لعملية البحث عن نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط.

ونظراً إلى مواقف قطر وتركيا المتشابهة حيال الربيع العربي والإسلام السياسي، ارتأت تركيا أنّ أيّ نظام إقليمي يريده التكتل المناهض لقطر سيتضمّن حكماً تحالفات مناهضة لتركيا أيضاً. وشكّلت قائمة المطالب الثلاثة عشر التي قدّمتها الدول المحاصِرة إلى قطر، وفيها طلبت من الدوحة إغلاق القاعدة العسكرية التركية، تأكيداً أكبر على تفكير تركيا. زد على ذلك أنّ الخطاب السياسي الذي يعتمده المسؤولون الإماراتيون مؤخراً، وفيه يشجبون “تدخّل” الدول غير العربية في الشؤون العربية، يؤكّد مخاوف تركيا أكثر فأكثر.

عادل عبد الغفارزميلالسياسة الخارجية، مركز بروكنجز الدوحة

كان من التداعيات الفرعية المؤسفة التي ولّدتها الأزمة الخليجية التدهورُ في العلاقات بين الناس. فأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت مسرحاً لتبادل الشتائم والإهانات، سواء بواسطة المواطنين أنفسهم أم باستخدام جيوش من الروبوطات لخوض حرب معلوماتية. وتصدّعت العلاقات بعيداً عن الإنترنت أيضاً. ففي منطقة تسمو فيها العلاقات القبلية على الحدود الوطنية، قسّم الحصار العائلات وسبّب توترات لدى عائلات أخرى. أما الرياضة، فعوضاً عن استخدامها للجمع بين الناس، أصبحت تستخدم كسلاح. وتمّ تسييس الحجّ، الذي يشكّل رمزاً كبيراً للوحدة بين المسلمين.

بالإجمال، تحطّم وهم العائلة الموحدة في مجلس التعاون الخليجي. وكانت الروابط اللغوية والعائلية والدينية والثقافية في قلب النسيج الاجتماعي في المنطقة. وحتى لو حُلّت الأزمة على مستوى القيادات، من المرجّح أن تبقى تداعياتها محسوسة على مستوى الشعوب، مع عداوات مستمرّة لعقود وعقود.

Get daily updates from Brookings