Commentary

لماذا تحتاج خطّة ترامب للسلام في الشرق الأوسط إلى الكونغرس؟

White House adviser Jared Kushner attends a plenary session at the Middle East summit in Warsaw, Poland, February 14, 2019. Agencja Gazeta/Slawomir Kaminski via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. POLAND OUT. NO COMMERCIAL OR EDITORIAL SALES IN POLAND. - RC1F9B11F600

في الأيّام الأخيرة، كشف صُهر الرئيس ترامب وكبيرُ مستشاريه جاريد كوشنر بعض النواحي المهمّة من خطّة البيت الأبيض التي طال انتظارها لإحلال السلام الإسرائيلي الفلسطيني التي يقول كوشنر وغيره من المسؤولين الكبار في الإدارة الأمريكية إنّهم سيطلقونها في وقتٍ ما بعد الانتخابات في إسرائيل في 9 أبريل. لو كنّا في أزمان عادية، لتصدّرت هذه الأخبار عناوين الصحف. غير أنّ الولايات المتحدة منشغلة للغاية حالياً بتحقيق ميولر وبإعلان الرئيس حالة طوارئ وطنية من أجل تمويل جداره الحدودي إلى حدّ يصعب على تلك البلاد العثور على مساحة كافية لمناقشة أيّ أمر آخر.

ويُقال إنّ الخطّة ترتكز على أربعة مبادئ، هي الحرّية والاحترام والأمن والفرص، مع هدف أساسي ألا وهو “تطوير البنية التحتية” من أجل “نموّ هائل في… الضفة الغربية وغزّة”.

لكن أفيد أنّ قيمة هذه الاستثمارات تبلغ عشرات مليارات الدولارات، وهو مبلغ كبير، ولا سيّما بالنسبة إلى إدارةٍ خفّضت مختلف المساعدات الأمريكية، خصوصاً تلك المُقدّمة إلى الفلسطينيين. ولا شكّ في أنّ هذا ما دفع كوشنر وغيره من مسؤولي الإدارة الكبار إلى القيام بجولة حالياً في الدول الخليجية العربية: ليس لمجرّد “مشاطرة… بعض التفاصيل… ولا سيّما من الناحية الاقتصادية” مع القادة في المنطقة، كما وصف كوشنر، بل من أجل الطلب منهم تسديد كلفة معظم المترتّبات المالية، إن لم يكن كلّها.

وهذه الرغبة في تحويل الأعباء المالية إلى الحلفاء موضوع متكررٌ في إدارة ترامب، التي اعتمدت منهجية مماثلة في ظروف تتراوح من الحملة المعادية لتنظيم داعش في سوريا إلى الجدار الحدودي المقترَح بين الولايات المتحدة والمكسيك. لكن غالباً ما تبيّن أنّ هذه الرغبة خيالٌ أكثر منها واقع. فحتّى عندما يُبدي الحلفاء استعداداً لتقديم مساهمة كبيرة، يودّون بشكل عام أن تخاطر الولايات المتحدة وتستثمر أيضاً. وفي حال رفضت الولايات المتحدة ذلك، تخسر جزءاً كبيراً من نفوذها حيال كيفية تطبيق السياسة المطروحة.

لهذا السبب، إذا أرادت إدارة ترامب أن تكلّل خطّتها لإحلال السلام بالنجاح، سيتعيّن عليها أن تقدّم نوعاً من المساعدة الأجنبية المباشرة للفلسطينيين. لكن في الوقت الحاضر ستجد أنّ القول أسهل من الفعل على الأرجح، إذ يقيّد تشريعان صادران حديثاً، هما قانون تايلور فورس وقانون مكافحة الإرهاب (ATCA) – إلى حدّ كبير قدرةَ الرئيس على تنفيذ خطّته.

فيحظّر قانونُ تايلور فورس الصادر في مارس 2018 على الولايات المتحدة منحَ أيّ مساعدة أجنبية للسلطة الفلسطينية بموجب سلطات صندوق الدعم الاقتصادي (ESF)، وهي سلطة يتمّ اللجوء إليها من أجل مجموعة متنوّعة من برامج المساعدة الأجنبية، إلّا إذا أوقفت السلطة الفلسطينية المدفوعات لعائلات الفلسطينيين المتورّطين في هجمات إرهابية ضدّ إسرائيل. وحتّى الآن، رفضت السلطة الفلسطينية أنّ تخطو هذه الخطوة، فبقي هذا القيد مفروضاً. غير أنّ بعض المساعدات الأجنبية المرتكزة على صندوق الدعم الاقتصادي مستثناة من هذا التقييد، بما فيها الأموال المستخدمة لدعم المشاريع المتعلّقة بالتخلّص من مياه الصرف وتلقيح الأطفال وشبكة مستشفيات القدس الشرقية.

أما قانون مكافحة الإرهاب، الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر 2018، فهو ذو مفعول مقيِّد أكثر. فهو يضع أيّ كيان يقبل بالحصول على مساعدة أجنبية بموجب صندوق الدعم الاقتصادي أو بموجب شكلَين آخرَين من السلطات المساعِدة المعنية بالأمن (السلطات المعنية بشؤون المخدّرات وإنفاذ القوانين الدولية أي INCLE والسلطات المعنية بشؤون منع انتشار الأسلحة ومكافحة الإرهاب وإزالة الألغام وغيرها من البرامج ذات الصلة أي NADR) ضمن صلاحية المحاكم الأمريكية بناء على ادّعاءات مدنية مختلفة مرتبطة بالإرهاب. وبالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، تبيّن أنّ التعرّض المالي المحتمل الناتج عن هذا النوع من المقاضاة مكلفٌ جداً لتقبل به (ففي حالة واحدة فقط مثلاً، سبق أن أدينت بغرامة تفوق 650 مليون دولار أمريكي). بدلاً من ذلك، رفضت السلطة الفلسطينية أنواع المساعدة الأجنبية الثلاثة كلّها، ووصل بها الأمر إلى الطلب من الكيانات الخاصة في الضفة الغربية القيامَ بالأمر عينه خوفاً من أن تكون أفعالها كافية لتفعيل تطبيق قانون مكافحة الإرهاب. وبما أنّ هذه هي السلطات الأساسية الثلاثة المستخدمة لتقديم المساعدة الأجنبية الثنائية إلى الفلسطينيين، أنهى ذلك فعلياً المساعدة الأجنبية الأمريكية للضفة الغربية. نتيجةً لذلك، أنهت الولايات المتحدة مؤخراً بعثة وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة هناك.

وفي الوقت الحالي، لا تعني هذه القيود كثيراً لإدارة ترامب، التي بدأت بالتخفيض بشدّة من مستويات المساعدة الأجنبية الأمريكية للفلسطينيين قبل أن يدخل قانون مكافحة الإرهاب حيّز التنفيذ حتّى. لكن مع اقتران هذه التدابير بخطوات مثل إقفال مكتب الفلسطينيين في واشنطن والقنصلية الأمريكية في القدس، يبدو أنّ الهدف منها الضغط على الفلسطينيين ليعودوا إلى طاولة المفاوضات ويوافقوا على خطّة إدارة ترامب للسلام. لكن في حال أبدت القيادة الفلسطينية في نهاية المطاف استعداداً للمشاركة، سيتعيّن على إدارة ترامب أن تقدّم محفّزات للدفع باتفاقية السلام إلى الأمام. وإذا لم يغيّر الكونغرس هذَين القانونين، من المرجّح ألّا تتمكّن إدارة ترامب من استخدام المساعدة الأجنبية الأمريكية لهذه الغاية.

إذاً كيف يجدر بالبيت الأبيض والكونغرس أن يتحضّرا لإمكانية أن تمضي المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية قُدماً؟ أمامهما خياران لا يستبعد أحدهما الآخر.

أوّلاً، بإمكان الكونغرس أن يعدّل قانونَي مكافحة الإرهاب وتايلور فورس لمنح الرئيس سلطة إزالة القيود المفروضة على بعضٍ من أنواع المساعدات الأجنبية. فذلك يُبقي على القوانين، غير أنّه يتيح للولايات المتحدة المتابعةَ في منح الفلسطينيين بعضاً من أنواع المساعدة الأجنبية على الأقلّ. وبالطبع، يجدر أن تكون سلطة إزالة القيود هذه واسعة بما يكفي لتسمح لإدارة ترامب بتحفيز الفلسطينيين كما ينبغي ومضاهاة المساهمات التي يقدّمها الحلفاء. لهذا السبب، يتعيّن عليها على الأرجح أن تتخطّى تمويل السلطات المعنية بشؤون المخدّرات وإنفاذ القوانين الدولية – وهي محطّ تركيز جهود الإصلاح الحالية، بسبب دورها في دعم المساعدة الأمنية الإسرائيلية الفلسطينية – وتتوسّع لتشمل تمويل صندوق الدعم الاقتصادي، بما أنّه من الممكن استخدامه لتقديم مجموعة أكثر تنوّعاً من المساعدة.

ثانياً، بإمكان الكونغرس أن يبدأ من جديد ويضع آلية قانونية جديدة تستطيع من خلالها الولايات المتحدة أن تساعد السلطة الفلسطينية من دون اللجوء إلى صندوق الدعم الاقتصادي والسلطات المعنية بشؤون المخدّرات وإنفاذ القوانين الدولية والسلطات المعنية بشؤون منع انتشار الأسلحة ومكافحة الإرهاب وإزالة الألغام وغيرها من البرامج ذات الصلة. ففي العام الماضي، قدّم تحالفٌ من المشرّعين الديمقراطيين والجمهوريين آليةً من هذا النوع على شكل صندوق الشراكة الفلسطينية كانت لتجمع رأسمالاً أوّلياً أمريكياً كبيراً مع مساهمات خارجية من أجل تقديم تمويل يتيح دعم نموّ الاقتصاد الفلسطيني وغايات أخرى، وكلّ ذلك من دون الاعتماد على سلطات المساعدة الأجنبية الأمريكية التي تفعّل قانون مكافحة الإرهاب. بالتالي، قد يكون وضع آلية مشابهة هذا العام خطوةً حكيمة.

ولا تزال تفاصيل خطّة البيت الأبيض للسلام غير معروفة. لكن إن تمّ إطلاقها، ستحتاج الولايات المتحدة إلى وسيلة للمساهمة في الجهود المبذولة لتعزيز الاقتصاد الفلسطيني، من بين غايات أخرى. وسواء أأحبّ الكونغرس إدارة ترامب أم كرهها، يتعيّن عليه أن يعمل معها من أجل وضع آلية من هذا النوع لكي تحظى الجهود الأمريكية الساعية إلى إحلال السلام على الأقلّ بفرصة للنجاح – وإن لم يكن ذلك في عهد إدارة ترامب، ففي عهد إدارة مستقبلية إذاً.

Authors