Commentary

هل صوّت الإسرائيليون لإنهاء حلّ الدولتَين؟

Supporters of Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu's Likud party react to exit polls in Israel's parliamentary election at the party headquarters in Tel Aviv, Israel April 10, 2019. REUTERS/Ronen Zvulun - RC1E78CE7370

لقد صوّت الإسرائيليون مؤخراً في ما يمكن اعتباره من عدّة نواحٍ انتخابات ديمقراطية حماسية. وبالفعل، بإمكان الأمريكيين أن يتعلّموا الكثير من إسرائيل في ما يخصّ الديمقراطية، فالإسرائيليون مسجّلون تلقائياً للتصويت، ويحظون بيوم عطلة للتصويت، ويحصلون على نقل مجاني بين المدن للتصويت إذا احتاجوا إلى ذلك.

هذه هي الأخبار السارّة، وحبّذا لو لدينا كلّ هذه التسهيلات هنا في الولايات المتحدة. لكن لا يخلو الأمر من الأخبار السيئة أيضاً. فكما يقول المثل، الأمور السيئة غالباً ما تأتي ثلاثاً، وقد صحّ المثل في هذه الحالة.

أوّلاً، الطريقة التي أُجريت فيها الحملة: لقد اعتمد بنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ زمن طويل، الذي يجهد للبقاء في السلطة من أجل تفادي عقوبات لاتهامات مختلفة وشيكة موجّهة ضدّه، حملةً تجاوزت الكثير من الخطوط الحمراء التي أبعدت حتّى داعميه التقليديين في الولايات المتحدة، مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك). فلم يُنشئ نتانياهو فحسب تحالفاً بين حزب الليكود الذي يترأّسه وتحالفٍ يتضمّن حزب أوتزما يهوديت العنصري المتطرّف الذي يستمد الإلهام من المجموعات الإرهابية، بل أعلن أيضاً أنّ هذا التحالفَ هو الحليف الأقرب لحزب الليكود، مُقيماً اتفاقية تشاطر للأصوات مع هذا الحزب لتشاطر الأصوات الفائضة. وعلى الرغم من أنّ حزب أوتزما يهوديت لن يحصل فعلياً على مقعد في الكنيست، إلّا إذا استقال بعض أعضاء الحلف من الكنيست، من المرجّح أن يشكّل التحالف اليميني المتطرّف في حزب تكوما وحزب البيت اليهودي جزءاً أساسياً من حكومة نتانياهو.

ثانياً، وكأنّ ذلك لم يكن سيّئاً بما يكفي، أعلن نتانياهو أيضاً فعلياً نهاية حلّ الدولتَين الذي شكّل أساس عملية أوسلو للسلام المدعومة من الولايات المتحدة في خلال ربع القرن الماضي، إذ قال: “على جميع المستوطنات، من دون استثناء، المتكتّلة منها وغير المتكتّل، أن تبقى خاضعة للسيادة الإسرائيلية”. وعلى الرغم من أنّ هذا الإعلان قد لا يكون سوى شعار في الحملة، علينا أن نفهم جميعاً أنّ السيادة الإسرائيلية على جميع المستوطنات الإسرائيلية ستجعل من إمكانية إنشاء دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً.

ثالثاً، حتّى وإن عجز نتانياهو عن تأليف حكومة ائتلاف في إسرائيل، لم يقل أيٌّ من معارضيه الأساسيين إنّهم سيحدّون من التوسّع المستمرّ للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، التي تشكّل تهديداً متنامياً لاحتمالات إحلال سلام إسرائيلي فلسطيني. وحتّى من دون عمليات ضمّ في هذا العام، يزيد نموّ المستوطنات من احتمال حدوث ذلك. فمنذ التوقيع على اتفاقية أوسلو في حديقة البيت الأبيض في العام 1993، تضاعف عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفّة الغربية أكثر من ثلاث مرات، من 116 ألفاً إلى أكثر من 413 ألفاً في العام 2017. علاوة على ذلك، كما صرّح وزير الخارجية الأمريكية جون كيري في نهاية ولايته، ضمّت هذه الزيادة “100 ألف مستوطن فقط منذ العام 2009 عندما استلم الرئيس أوباما الحكم”. وأضاف كيري قائلاً: “يعيش قرابة 90 ألف مستوطن شرق الجدار الفاصل الذي بنته إسرائيل بنفسها، في وسط ما من المفترض، بحسب أي تعريف منطقي، أن يصبح الدولة الفلسطينية المستقبلية. وقد ازداد عدد سكان هذه المستوطنات البعيدة 20 ألف مستوطن فقط منذ العام 2009”. بعبارة أخرى، تتزايد صعوبة الانفصال، واحتمال إجراء عمليات ضمّ، يوماً بعد يوم.

بالفعل، في قلب خطاب اليمين في الحملة الانتخابية واقعُ أنّ عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية يشارف حالياً على بلوغ مرحلة حرجة يصعب من بعدها إخلاؤهم لإفساح المجال لبناء دولة فلسطينية. وعندما يقتنع الإسرائيليون والفلسطينيون بأنّه، بحسب ما يقول نتانياهو، “لن يتمّ استئصال أيّ مستوطن من جذوره”، ستتداعى احتمالات بناء دولة فلسطينية. وسيعني ذلك أنّ اليهود والفلسطينيين سيعيشون في مجتمعات محاذية في الضفة الغربية تحت سيطرة إسرائيل وسيتمتع اليهود بحقّ التصويت في الانتخابات الإسرائيلية على عكس الفلسطينيين. وبغضّ النظر عن التعبير الذي يودّ المرء استخدامه لوصف هذا الوضع، فهو غير مقبول على الإطلاق في القرن الواحد والعشرين. ويجدر بالأمريكيين أن يُجمعوا كلّهم على أنّ هذا الوضع لا يتوافق البتّة مع القيم الأمريكية أيضاً. ولا يشكّل ذلك سيناريو بعيد المنال. فنحن بالفعل على حافة مرحلة، مع انهيار حلّ الدولتَين، سيحتاج فيها الفلسطينيون في الضفة الغربية إلى تمديد جنسيتهم وإلى الحصول على حقّ التصويت في إسرائيل، مع تسجيل تلقائي ويوم عطلة ونقل بين المدن! وبصفتنا أمريكيين تعلّمنا العيش مع بعضنا في انصهار، وإن كان غير مثالي، بأيّ صفة يحقّ لنا أن نعترض؟ وكما كتب صانع السلام دنيس روس، في نهاية المطاف لن يعترض الأمريكيون.

ولا تزال بعض اللحظات الوجيزة متاحة لتفادي ما يبدو يوماً بعد يوم أنّه نتيجة محتومة. وهنا يكمن دور الولايات المتحدة. فإذا تمتعنا بالرؤية والشجاعة، بإمكاننا أن نعلن اليوم وبجراءة عن التزامٍ بحلّ الدولتَين على أساس حدود العام 1967 مع تبادل أراضٍ موازية في الحجم وأنّ القدس ستشكّل مدينة متشاطرة وأنّ المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية لن تتوسّع بعد الآن وأنّ المستوطنين الإسرائيليين في الجهة الفلسطينية من الجدار سيحتاجون قريباً إلى المغادرة لإفساح المجال لبناء دولة فلسطينية.

لكن طبعاً، لن يقوم الرئيس ترامب بهذه الخطوة، لا بل سبق أن قال إنّ نتائج الانتخابات الإسرائيلية تشير إلى “فرصة أفضل لإحلال السلام”. فهو بالتالي يتحرّك في الاتجاه المعاكس. فقد اعترف بارتباط القدس بإسرائيل من دون الاعتراف أيضاً بارتباطها بفلسطين. وأقفل المكتب الفلسطيني في واشنطن والسفارة الأمريكية في القدس التي كانت تنخرط معهما. واعترف بضمّ هضبة الجولان السورية إلى إسرائيل، باعثاً بذلك إشارة إلى الإسرائيليين والفلسطينيين بأنّ الولايات المتحدة تستطيع أن تعترف بضمّ بعض الأجزاء من الضفة الغربية أو حتّى الضفة بأسرها إلى إسرائيل.

وهنا نعود ليس إلى الانتخابات الإسرائيلية فحسب بل إلى الانتخابات الأمريكية أيضاً. ففي حال ألّف نتانياهو حكومة وضمّ حتّى أجزاء من الضفة الغربية، الأمر الوحيد الذي سيتمكّن من إعادة إحياء حلّ الدولتَين هو انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة في العام 2020. وعلى هذا الرئيس أن يعلن بحزم عن التنفيذ السريع لحلّ الدولتَين، تعيش بموجبه دولة إسرائيل ودولة فلسطين المبنية حديثاً جنباً إلى جنب بسلام وأمن وازدهار وكرامة، وعليه أن يضع هذا الحلّ في طليعة الأولويات. لكن حتّى إن لم يتمّ ضمّ كامل الضفة الغربية أو جزء منها قريباً جداً، فالوقت ليس حليف أولئك الذين يحلمون بحلّ الدولتَين، بل إنما هو العدوّ، عدوّ لا يمكن مواجهته إلّا من خلال مقاربة جريئة تعمل بشكل عنيد وملموس لتطبيق فعلي وسريع لحلّ الدولتَين. ويبدو أنّ بعض الديمقراطيين، المرشّحين للرئاسة وغيرهم، قد فهموا على الأقلّ جزءاً من الرسالة. فلنأمل إذاً ألّا تأتي الانتخابات في العام 2020 متأخّرة لتعيد إحياء حلّ الدولتَين.

Author