Skip to main content
Russian President Vladimir Putin (C), Defence Minister Sergei Shoigu (R) and Syrian President Bashar al-Assad visit the Hmeymim air base in Latakia Province, Syria December 11, 2017.  Sputnik/Mikhail Klimentyev
مقال

من أستانة إلى سوتشي: كيف سمح تخفيف التوتر للأسد بالعودة إلى الحرب

ملاحظة المحرر:

تم نشر هذا المقال باللغة الانكليزية في موقع ميدل أيست آي.

كما أشار الكثير من الخبراء، بدلَ أن تؤدّي عملية أستانة المدعومة من روسيا إلى إحلال السلام، قدّمت للحكومة السورية الفرصة لإعادة هندسة الصراع وإعادة هيكلته بشكل يصبّ في صالحها.

فمن أكثر ما استفادت منه روسيا والحكومة السورية في خلال عملية أستانة هو إنهاء الربط بين وقْف الأعمال العدائية، أو تخفيف التوتر، والعملية السياسية في سوريا. غير أنّ هذه النتيجة لم تقتصر على أستانة فحسب، بل امتدّت إلى المحادثات الحالية في جنيف أيضاً.

ففي خلال محادثات أستانة، اعتُبرت مسألة مناطق تخفيف التوتر في سوريا صفقةً محسومة، لذلك لم يُعَد إدراجها على جدول أعمال جنيف. ونتيجةً لذلك، أُلغيت إمكانية معالجة مسألة تخفيف التوتّر كجزء من المسألة السياسية الأكبر لمستقبل البلاد.

إعادة تصعيد الصراع

فيما سمح تخفيفُ التوتر للمعارضة بتنفّس الصعداء قليلاً، استغلّت الحكومة الفرصة والوقت لتُراجع استراتيجياتها وأولوياتها في الحرب الأهلية السورية، ممّا سمح لها بزيادة الحدّة في تصدّيها لتنظيم داعش في شرق سوريا من دون القلق حيال نشاطات المعارضة في الغرب.

فقد جمّدت روسيا والحكومة السورية الأعمال العسكرية على الجبهتَين الغربية والشمالية الغربية نتيجةً لاتفاقيات تخفيف التوتر التي أُبرمت في أستانة، وذلك بهدف تعزيز فعاليّة العمليات على الحدود العراقية السورية والتمكّن من التركيز على الجبهة الشرقية.

واعتَبرت الحكومة هذه المسألة مسألةً ملحّة، والداعي الأوّل لذلك أنّها أرادت أن تحافظ على أمن جزء من الحدود السورية العراقية على الأقلّ.

وقد انتاب إيران ودمشق قلقٌ شديد حيال تقدّم القوات السورية الديمقراطية، التي تدعمها الولايات المتحدة والتي أسّستها وحدات حماية الشعب التابعة لحزب العمّال الكردستاني، في شرق سوريا عموماً وعلى طول الحدود العراقية السورية خصوصاً. فإيران تريد أن تبقي على ممرّ بَرّي من أراضيها إلى البحر المتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان.

وعقب انتصارات الحكومة السورية في شرق البلاد نتيجة إعلان مناطق تخفيف التوتر التي حدّت بشكل كبير من درجة العنف في هذه المناطق عقب توقيع الاتفاقية، أعادت توجيه قدراتها العسكرية نحو المعارضة.

وعلى مدى الشهرَين أو الثلاثة المنصرمة، زادت الحكومة السورية وروسيا بشكل كبير من مستويات العنف في مناطق تخفيف التوتر. ونحن نشهد بذلك إعادة تصعيد للصراع في ما يُسمّى بمناطق تخفيف التوتر.

بمعنى آخر، وفي التفاتة إلى أحداث الماضي، يبدو أنّ اتفاقية مناطق تخفيف التوتر أتاحت للحكومة فرصةً حقيقية لتعزيز وضعها السياسي والعسكري في شرق سوريا. وقد سمحت الاتفاقية للرئيس بشّار الأسد بتعديل شروط المرحلة الجديدة من الصراع.

جنيف وسوتشي

يبدو أنّ عملية سوتشي ستؤدّي الغاية عينها، فهي تقطع الرابط بين العملية السياسية والمرحلة الانتقالية السياسية. وفي جميع الأحوال، أدّت عمليّتا أستانة وسوتشي إلى تفريغ عملية جنيف وتعزيز قوّة الحكومة.

ومن خلال هذه المحادثات، يبدو أنّ روسيا قد حوّلت الملفّات التي كان ينبغي أن تُناقَش في جنيف الواحد تلو الآخر إلى أستانة وسوتشي. وقد كان من المفترض عادةً أن تركّز المحادثات بين الأطراف السوريين على “السلال الأربع” في جنيف، ألا وهي إنشاء حكومة انتقالية غير طائفية ذات مصداقية، ووضع دستور مستقبلي، وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة وحرّة في ظرف سنة ونصف السنة، وشنّ حرب موحّدة ضدّ الإرهاب في سوريا واتّخاذ تدابير لبناء الثقة.

ويمكننا قراءة هذا الملفّ الأخير كعنوان عريض لمسألة تخفيف التوتر، أي وقف الأعمال العدائية، والإفراج عن السجناء، ونزع العقبات المعرقِلة للمساعدات الإنسانية، ومواضيع مماثلة تبرز تحت هذا العنوان.

ومن خلال عملية أستانة، أزاحت روسيا بالإجمال ملفّ تخفيف التوتر عن طاولة النقاش في عملية جنيف، فيما تطرّقت في عملية سوتشي إلى مسألتَي وضع الدستور الجديد وإجراء الانتخابات. وكما ذُكر سابقاً، تمّ على أرض الواقع إبطال مسألة المرحلة الانتقالية السياسية من خلال حكومة انتقالية غير طائفية ذات مصداقية، وألغي التداول بها على طاولة النقاش.

وفي المرحلة الحالية، يتشابه نوعاً ما مضمونُ عمليّتَي جنيف وسوتشي. وتشغل مسألتا الدستور والانتخابات جدولَ أعمال العمليتين، حتّى وإن اعتبر المزيد والمزيد من المراقبين أنّ هاتَين المسألتَين لن تقدّما أيّ نتائج فعلية. غير أنّ القاسم المشترك بين العمليتين هو غياب التركيز الواقعي على العملية السياسية.

فقد اتّخذت الآن العملية السياسية في سوريا شكلاً يحول دون الوصول إلى مرحلة انتقالية سياسية ويتوقّع بصورة أساسية إحداث بعض التغييرات فحسب على دستور العام 2012 لنظام الأسد.

فقد عرض الوفد الداعم للحكومة السورية خطوطَه الحمراء بوضوح عند ذهابه إلى محادثات سوتشي: ستتمّ المحافظة على روح الدستور القديم وهيكليته الأساسية.

ورفض الوفد أيّ نقاش في دستور جديد وفي جيش البلاد أو أجهزتها الأمنية وفي تغيير الرئيس. ومع شروط مسبقة من هذا النوع، انخفض بشكل كبير عددُ المسائل الحقيقية التي يمكن طرحها على طاولة النقاش.

حديث فارغ

على الرغم من النقاش في جنيف حول دستور مستقبلي، لا يتمّ التداول إلّا بموضوع الدستور القديم في سوريا. وذلك يفسّر أيضاً سبب انتقال الحديث من صياغة دستور جديد إلى اعتماد إصلاح دستوري.

ومع كلّ يوم يمرّ، تتزايد نقاط الشبه بين العمليات التي هدفت، تحت إشراف الأمم المتحدة، إلى حلّ الأزمة السورية وتلك التي نفّذتها القيادة الروسية. ولا يعني ذلك أنّ عملية جنيف قد وصلت إلى نهايتها، بل أنّ المبادئ التي أجربت على أساسها محادثات جنيف قد تغيّرت إلى حدّ كثير.

ومع هذه التغيّرات، باتت تُعتبر عمليةُ الأمم المتحدة أكثر من أيّ وقت بلا معنى ولا طائل. وفي حال لم تخضع عملية الأمم المتحدة إلى تقوية وإعادة تفكير وإعادة هيكلة جذرية، لن تكون سوى تكرارٍ للعملية الروسية ونتائجها.

بالتالي يبدو أنّ رؤية روسيا لسوريا ستكتسب شرعية بمساعدة العملية التي تشرف عليها الأمم المتحدة. وتُظهر هذه الصورة كم أنّ الحديث عن عهد جديد لسوريا حديثٌ فارغٌ فعلياً. وليس متوقعاً لسوريا سوى تفعيل النظام والعهد القديمَين وإعادة اعتمادهما.

وبالنسبة إلى السوريين، يعني ذلك الاستمرار في عيش تجربة سياسية مؤلمة ودموية ناجمة عن مشهد سياسي مألوف للغاية.

Get daily updates from Brookings