Commentary

Op-ed

لماذا التحالف بين تركيا وحكومة إقليم كردستان فعال في الوقت الراهن؟

Turkish Prime Minister Tayyip Erdogan (R) and Kurdistan Region President Masoud Barzani shake hands before their meeting in Istanbul April 19, 2012. REUTERS/Stringer/Pool
Editor's note:

ملاحظة المحرر: يقول رانج علاءالدين أنه وعلى الرغم من العلاقات المتوترة بين تركيا والأكراد تاريخياً، كانت هناك جهود مشتركة بين الطرفين للحد من نفوذ إيران في العراق. هذه المقالة نشرت في موقع قناة الجزيرة باللغة الإنجليزية وتم ترجمتها إلى اللغة العربية.

لم تكن علاقة تركيا مع أكراد العراق خالية من المشاكل. رفضت أنقرة منذ وقت ليس ببعيد، التعامل مع حكومة إقليم كردستان وعارضت جهودها لتعزيز سيطرتها في المناطق الغنية بالنفط المتنازع عليها مثل كركوك.

هذا وقد عقّد حزب العمال الكردستاني جهود حكومة إقليم كردستان الرامية لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع جاراتها التي حاربت جميعها التمردات الكردية داخل أراضيها على مرّ التاريخ.

لا شكّ في أنّ الأزمان قد تغيّرت. إذ جرت بعض الزيارات والتبادلات بين مسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين التركي وحكومة إقليم كردستان، كما زادت نسبة التجارة التي شهدت اكتساح الشركات التركية لسوق إقليم كردستان، بالإضافة إلى بناء خط الأنابيب الذي يتيح لحكومة إقليم كردستان تصدير نفطها وغازها بشكل مستقل إلى الأسواق الدولية.

إنّ التحول في سياسة تركيا الخارجية تجاه أربيل يحدث رغم المخاوف بشأن تمرد حزب العمال الكردستاني ومصالح تركيا الاقتصادية والسياسية الكبرى في بغداد. فهو استجابة لغياب الاستقرار العنيف في العراق وتنامي النفوذ الايراني.

ورغم أن تركيا لديها علاقات سياسية واقتصادية كبيرة مع بقية العراق، قد تظن أنقرة – من بين مدن أخرى في العالم العربي والإسلامي – أنّ المؤسسة الحاكمة الشيعية في بغداد قد دخلت في فلك النفوذ الإيراني، وإنّ إيران قد واصلت توسيع نفوذها في البلاد خلال الحملة ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام.

في الواقع، قد تكون تركيا تراهن على تعاونها مع حكومة إقليم كردستان بسبب الشكوك والتحديات التي قد تلحق خلال فترة ما بعد داعش، في العراق وسوريا على حد سواء.

إنّ الهياكل السياسية والإدارية التي تنشأ بعد هزيمة داعش في نهاية المطاف مهمة جداً بالنسبة لتركيا ومنافسيها الجيوسياسيين كما هي بالنسبة للجهات الفاعلة السياسية في العراق نفسه.

من شأن إقامة علاقات وثيقة مع كردستان العراق تقوم على مصالح أمنية واقتصادية واستراتيجية متبادلة بعد عملية الموصل أن تمكّن تركيا من المحافظة على حماية ضد النفوذ الإيراني.

إن تعدي الميليشيات الشيعية على تلعفر – التي تضم تركمان شيعة طردتهم داعش عندما استولت على شمال العراق في العام 2014 – تقرّبها أكثر من المناطق المتنازع عليها والمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية مثل سنجار، حيث يتمتّع حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني بوجود مهم.

يترتب على ذلك تداعيات على مصالح تركيا الأمنية على المدى الطويل. سيأجّج وجود الميليشيات الشيعية بالقرب من مناطق مثل سنجار التوترات بين الميليشيات وحكومة إقليم كردستان وسيشد عزيمة حزب العمال الكردستاني، الذي حاول وضع سنجار تحت سيطرته الإدارية وعلماً بأن مقاتلي الحزب في سنجار يتلقون الدعم المالي من بغداد.

وتخشى أنقرة من أن تصبح هذا التحالفات والهياكل الأمنية التي ظهرت مؤخراً أقوى، بخاصة بسبب العلاقة القوية بين حزب العمال الكردستاني والميليشيات الشيعية وإيران.

وبالتالي، حافظت تركيا على وجود قواتها في شمال العراق، رغم تهديدات من بغداد والميليشيات الشيعية.

بالإضافة إلى ذلك، وبعيداً عن حكومة إقليم كردستان، يقوّض حزب العمال الكردستاني حلفاء آخرين لأنقرة في العراق، مثل محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، علماً أنّ عناصر ميليشياته البالغ عددهم 6,500 عنصر تلقوا تدريبهم من أنقرة.

ماذا يستفيد أكراد العراق من ذلك؟

لطالما صُوّر النفوذ التركي في كردستان العراق بشكل كبير على أنه مشروع مشترك بين تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني يهدف إلى الحفاظ على مركز الحزب الديمقراطي الكردستاني على أنه الحزب المهيمن هناك، على حساب منافسه الرئيسي، حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي تربطه علاقات وثيقة بحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب ومجموعات تميل إلى حزب العمال الكردستاني في سوريا.

بيد أنّ الوضع معقّد أكثر من ذلك بكثير. هناك اعتقاد عام بأن العلاقة القوية لتي تربط تركيا بحكومة إقليم كردستان لم تظهر إلا في الآونة الأخيرة، إلا أنّها في الواقع بدأت تتعزز في تسعينيات القرن الماضي.

أدت تركيا دوراً مهما في التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية التي أعقبت حرب الخليج الأولى. وساهم إنشاء منطقة حظر الطيران المدعومة من الغرب ومنطقة الحكم الذاتي الكردية في خلق المساحة للعلاقات التجارية، حتى لو بقيت العلاقات السياسية، والعلنية متوترة ومقيدة.

إنّ التعاون السياسي الذي نراه اليوم بين أنقرة وحكومة إقليم كردستان هو امتداد لهذه العلاقات. على عكس ما يشاع، عمل كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في الماضي إلى جانب تركيا ضد حزب العمال الكردستاني، الذي تتعارض نظرته للقومية الكردية ذات التوجه الماركسي مع نظرتهما الاجتماعية الديمقراطية ورؤيتهما الليبرالية.

في تسعينيات القرن الماضي، هاجم مؤسس الاتحاد الوطني الكردستاني والرئيس العراقي السابق، جلال طالباني، هاجم حزب العمال الكردستاني “لسعيه إلى إجهاض تجربتنا الديمقراطية وإزالة برلماننا”.

ومؤخراً في العام 2009، طلب طالباني من المجموعة مغادرة كردستان العراق. وكان بحوزة كل من بارزاني وطالباني جواز سفر تركي، مما يخولهما السفر بحرية خارج العراق وتركيا، حتى وأنه سُمح لهما بإقامة تمثيل رسمي في أنقرة.

وخلال العامين الماضيين، ساهمت تداعيات الصراع السوري في تعقيد علاقات تركيا مع أكراد المنطقة، ليس فقط بسبب مواجهتها مع حزب العمال الكردستاني في الداخل، بل أيضاً صعود حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا.

لقد عمّق الصراع السوري مشاعر القومية الكردية ووفر الفرصة لحكم ذاتي كردي أكبر في جميع أنحاء المنطقة. وهذا ما صعّب جهود حكومة إقليم كردستان لتحقيق التوازن بين المشاعر الكردية المحلية واعتمادهم على أنقرة.

ولكن، لا تزال تركيا حليف أكراد العراق الموثوق الوحيد. وفي منطقة لم يعد بإمكانها الاعتماد على التزام الولايات المتحدة الأمريكية، قد تكون تركيا الخيار الأقل سوءاً أمام حكومة إقليم كردستان.

البعد الإيراني

تتمتع إيران أيضاً بعلاقات وثيقة مع الأكراد، كما وفّرت لهم على مرّ التاريخ قاعدة لمحاربة نظام البعث السابق، بيد أنها لا يمكنها أن تقدم ما تستطيع تركيا تقديمه.

لقد قوّضت أطماعها النووية، ودعمها مجموعات حددت على أنها منظمات إرهابية، ودعمها ميليشيات شيعية معادية للأكراد (التي اشتبكت مع قوات البشمركة) وخطاب قادتها المعادي للغرب، مكانتها الدولية، كما وتجعلها حليفاً أضعف اقتصادياً لا يمكن الاعتماد عليه ولا يمكن التنبؤ بأعماله.

من شأن شراكتها تركيا – وهي قوة عسكرية عظمى، وعضو في حلف الناتو وحليف غربي تاريخياً يتمتّع باقتصاد مرن – أن توفّر لإقليم كردستان منطقة “عازلة” خاصة بها ضد الهياكل الأمنية في العراق وباقي دول المنطقة.

إنّ الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية التي تهدد إقليم كردستان في البيئة السياسية والأمنية الحالية ستفكّر مرتين قبل أن تتحدى مصالح تركيا الأمنية في العراق، وحتى الآن، تتداخل تلك المصالح مع مصالح حكومة إقليم كردستان.

ستستفيد حكومة إقليم كردستان أيضاً من زيادة الاستثمارات الأجنبية والخبرة التكنولوجية والانفتاح على الأسواق الأوروبية. ومن شأن التفاعل المستمر أن يساهم أيضاً في تخفيف حدة التوتر في تركيا مع مجموعات كردية أخرى في المنطقة، وربما في استئناف عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني.

Author