Skip to main content
Lebanese Prime Minister Saad al-Hariri shakes hands with Saudi Arabia's King Salman in Riyadh, Saudi Arabia, November 11, 2017. Courtesy of Saudi Royal Court/Handout
مقال

لبنان، الهدف الآتي لأهواء المملكة العربية السعودية

ملاحظة المحرر:

تم نشر هذا المقال باللغة الانكليزية في جريدة ذا غلوب آند ميل.

مع دعوة المواطنين السعوديين إلى مغادرة لبنان فوراً، يبدو أنّ وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان عازمٌ على أن يقود المملكة العربية السعودية نحو صراعٍ آخر في المنطقة من دون استراتيجية خروج واضحة. وتتوسّع شهرة الأمير السعودي بسرعة لسياساته الاقتصادية التطلّعية الحالمة وأيضاً لسياسته الخارجية الطائشة وميله لبدء خلافات لا يمكنه إنهاءها. وغدا لبنان الساحة التالية لأهواء ولي العهد، واللبنانيون هم مَن سيدفع الثمن.

تشير كلّ الأدلّة إلى أنّ المملكة وضعت نصب عينيها تركيزَ السلطة في يد ابن الاثنين والثلاثين عاماً الذي سيصبح ملكاً متى فارق والده المريض الحياة. وقد أمر وليّ العهد بإجراءات قمعية بحقّ مئتَي شخصٍ اتُّهموا بفساد هائل قدره مئة مليار دولار أمريكي، فتمّ إلقاء القبض على شخصيات بارزة من العائلة المالكة وأصحاب محطّات إعلامية مهمّين ورجال أعمال معروفين. وبرزت شكوك حيال اعتبار هذه الإجراءات حملة لقمع الفساد فعلاً، لكن مع ذلك، لمحمّد بن سلمان شعبية كبيرة في صفوف الشباب السعودي الذي ملّ سياسات تفصل ما بين الجنسين وقلّة الأنشطة الترفيهية المشروعة واقتصاداً خانقاً مبنياً على المحسوبية والرعاية. إذ يزداد عدد الشباب الذي يحصّل تعليماً في بعض أفضل الجامعات في الغرب، وكان نصف هؤلاء الخرّيجين في العام الماضي من الإناث، وهم يريدون إصلاحاً داخلياً ومجتمعاً عصرياً بأسرع وقت.

المؤلف

وبفضل الدعم المحلّي، وفّى محمّد بن سلمان بوعده بزعزعة تشبّت المؤسسة الدينية الراسخ بتفسير الإسلام بشكل منحرف في المملكة. لكن لسوء الحظّ، هنا نصل إلى نهاية الأخبار السارّة، فقد بيّن ولي العهد أنّ الأولويّة في سياسته الخارجية هي للهيمنة على المنطقة، ويبدو أنّ لبنان الدولة التالية التي ستعاني عواقب ذلك.

تُعدّ المملكة العربية السعودية أحد أكبر شراة الأسلحة في العالم، والشاري الأول للأسلحة الكندية مع مشتريات فاقت قيمتها 142 مليون دولار في العام 2016. وتواجه حاليّاً المملكة عدّة خصوم في الوقت عينه لفرض سيطرتها على المنطقة. فقد أشعل وليّ العهد الطائش فتيلَ الحرب الأهلية الناشبة منذ حوالي ثلاثة أعوام في اليمن بين الحكومة المدعومة من السعودية والمقاتلين الحوثيين المدعومين من إيران، فتسبّب بدمار فظيع في أكثر البلدان فقراً في المنطقة وأسفر عن مقتل أكثر من 5 آلاف مدنيٍّ منذ العام 2015. ومع أنّ الحوثيين ليسوا بأبرياء، يبقى الواقع أنّ القصف الجوي السعودي عامل أساسي في سقوط الضحايا اليمنيين الذين شكّل الأطفال نسبة 20 في المئة منهم.

وقد استعان محمّد بن سلمان بخزينة المملكة التي تبلغ نصف تريليون دولار لتسليح بلاده بالأسلحة الأبهظ ثمناً والأكثر تطوراً. بيد أنّ الطيارين السعوديين، بتدريبهم الرديء وحماسهم القومي المفرط، يخطئون بشكل فاضح أهدافهم في اليمن ويسبّبون أضراراً إنسانيّة جمّة. وقلّةٌ هم المحلّلون العسكريون الذين يرون في الأفق نجاحاً للسعوديين في اليمن، ولا يبدو أنّ في جعبة الأمير استراتيجية خروج واضحة، ولا سيما أنه قد فاقم التهديد الحوثي في المملكة. مع ذلك، يبدو أنّ ولي العهد قد وضع أيضاً نصب عينيه محاربة إيران في لبنان بالكاد آخذاً أيّ اعتبارات للوضع على المدى الطويل.

ويأتي دعم إيران للمقاتلين الحوثيين بهدف عرقلة جهود المملكة السعودية في المنطقة، لكنّ دعمها لحزب الله في لبنان يُعدّ استراتيجية حيويّة لإحداث توازن ضدّ الإسرائيليين. في غضون ذلك، توحي مقاربة “جزّ العشب” الإسرائيلية الهادفة إلى احتواء حزب الله من خلال حروب دوريّة للحدّ من قدراته العسكرية بأنّ الوقت قد حان لتشعل إسرائيل صراعاً مع لبنان. ولا شكّ في أنّ بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي ذا الوضع المتقلقل سياسياً، يرغب كثيراً في أن ينشأ صراع ليحشد شعبه ويصرف الانتباه عن اتّهامات الفساد المقلقة الموجّهة إليه وإلى زوجته، وما من شكّ أنّ إسرائيل تحثّ السعوديين على مواجهة حزب الله وإيران بقوّة.

والمشكلة الأكبر هي ردّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ففيما كانت إدارة الرئيس أوباما لتميل إلى تهدئة حدّة التوتّرات في المنطقة، يلجأ ترامب إلى موقع تويتر ليغرّد ويحرّض وليّ العهد. فعلى الأرجح يحبّذ ترامب والإسرائيليون أن يرَوا محمّد بن سلمان يواجه وكلاء إيران في لبنان، معلّلين الأمر بالرغبة في بلوغ التوافق الإقليمي وفي المخاوف من الطموحات الإيرانية المتزايدة. ويمكن اعتبار أيضاً دعم محمّد بن سلمان لاستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، إن لم يكن فعليّاً وراءها، محاولةً للتأثير في حكومة لبنان للتخلّص من حزب الله.

بيد أنّ وليّ العهد لا يستوعب أنّ لبنان لا يسترضي حزب الله، لكنّ ذكريات الحرب الأهليّة التي دامت خمسة عشر عاماً لا تزال تقضّ مضجع اللبنانيين. غير أنه لسوء الحظّ، قد تصبح هذه الذكريات واقعاً قريباً، فيقع المدنيون اللبنانيون ضحية محاولات المملكة فرض سلطتها على هذه الدولة الساحلية مع تحويل الملايين من اللبنانيين الذين يعيشون ويعملون في الخليج إلى بيدق آخر في مخطّطاتها. فمن دون الأموال التي يورّدها الشتات إلى لبنان ومن دون الأموال التي تضخّها المملكة في البنك المركزي، قد ينهار اقتصاد لبنان ويتسبّب بمزيد من الاضطراب في دولة غير مستقرّة أصلاً.

وفيما تزيد المملكة من محاولاتها لإبراز قوّتها في المنطقة من خلال وضع لبنان نصب عينيها، سيدفع اللبنانيون الثمن في نهاية المطاف. وفيما يقود وليّ العهد مملكته تحو مجتمع أكثر حداثة، يبدو واضحاً أنّ تعطّشه للحرب والصراع الإقليمي شديد ويأتي على حساب اليمنيين، ويأتي الآن على حساب اللبنانيين أيضاً.

Get daily updates from Brookings