Skip to main content
Israel's Prime Minister Benjamin Netanyahu hugs U.S. President Donald Trump as they talk during meetings at the White House in Washington, U.S., March 25, 2019. REUTERS/Carlos Barria - RC15FD644460
Order from Chaos

سوء تقدير الولايات المتحدة في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية

أبيّن في كتابي الجديد أنّه لطالما “أساء المسؤولون الأمريكيون التقدير” في موضوعَين مهمَّين في مجال الدبلوماسية: القوّة والسياسة. فكما يعي معظم الدبلوماسيين أو المفاوضين، يعتمد نجاح أيّ عملية سلام على الديناميات خارج قاعة المفاوضات بقدر ما يعتمد على ما يجري داخلها.

أوّلاً، لا شكّ في أنّ الطرف الأقوى يتمتّع بنفوذ أكبر وخيارات أكثر من الطرف الأضعف. لكن في الوقت نفسه، يدرك الكثيرون أيضاً أنّ المفاوضات لا تجري بين قائدَين أو وفدَين يجلسان إلى طاولة المفاوضات فحسب، إذ تجلب أيضاً كلُّ جهة معها إلى طاولة المفاوضات خطاباتها الوطنية ورأيها العام ومعارضتها السياسية وغيرها من القيود الداخلية. بالتالي، لا بد من أن يتعامل الوسيط الفعّال مع جميع هذه العوامل لتحديد كيفية ابتكار محفّزات ومثبّطات للأطراف المتعارضة. لكن ليست هذه هي الطريقة التي اعتمدتها الوساطة الامريكية في السياق الإسرائيلي الفلسطيني.

فمنذ بدء عملية أوسلو للسلام في العام 1993، مالت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تجاهل التفاوت الهائل في القوى بين الجانبَين أو التقليل من أهمّيته. ففي النهاية، ليست العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين علاقة صراع فحسب، بل هي أيضاً احتلال تتحكّم من خلاله إسرائيل بشكل مباشر بأرواح الملايين من الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه، بالكاد أولى المسؤولون الأمريكيون اهتماماً للقيود الداخلية أو هواجس القادة الفلسطينيين، في تناقض مع الاهتمام الكبير الذي يظهرونه لحاجات القادة الإسرائيليين السياسية المحلّية، وغالباً ما يتيحون لهؤلاء التهرّبَ من موجباتهم في عملية السلام، مثل تجميد المستوطنات الإسرائيلية، لعدم إثارة غضب تحالفاتهم الحاكِمة.

من أين يأتي سوء تقدير الولايات المتحدة؟

يتمخّض سوء التقدير هذا بمكوّنَيه الاثنين عن افتراضَين معيبَين شكّلا لفترة طويلة أساس عملية السلام بقيادة أمريكية.

في المقام الأوّل، برز اعتقادٌ بأنّ القادة الإسرائيليين سيُظهرون استعداداً أكبر “للمخاطرة من أجل السلام” في حال شعروا أنّهم بأمان من الناحيتَين السياسية والعسكرية. في الوقت عينه، اعتبر الكثير من صانعي السياسات في البيت الأبيض والكونغرس على حدّ سواء أنّ السلام سيتطلّب أيضاً تحويلَ جوانب من السياسة الفلسطينية ليغدو الطرف الفلسطيني شريكَ سلام مناسباً. وقد أتى هذا الاعتقادان بدورهما نتيجة العلاقات الوطيدة للغاية بين الولايات المتحدة وإسرائيل والنفوذ الشاسع الذي يتمتع به اللوبي الداعم لإسرائيل. باختصار، كان من الأسهل للمسؤولين الأمريكيين وأقلّ كلفة لهم من الناحية السياسية التركيز على أمور مثل إصلاح السياسة الفلسطينية وتحسين الأمن الإسرائيلي بدلاً من الضغط على القادة الإسرائيليين حيال مسائل مثل المستوطنات الإسرائيلية أو احترام الحقوق الفلسطينية.

كيف تمثّل سوء التقدير هذا على أرض الواقع؟

عبر التخفيف من الضغط على الطرف الأقوى وزيادة الضغط على الطرف الأضعف، عكست واشنطن فعلياً نموذجَ الوساطة الطبيعي، مساعدةً على تعزيز الوضع الراهن ومفاقمةً حدّة الصراع حتّى في أغلب الأحيان. وبدا ذلك واضحاً بعد فشل قمّة كامب ديفيد في يوليو 2000 واندلاع الثورة الفلسطينية المعروفة بانتفاضة الأقصى. وعلى الرغم من أنّ الجهتَين كلتَيهما ساهمتا في فشل المفاوضات بالإضافة إلى تصعيد العنف، اختار كلينتون أن يلقي اللوم على عرفات والفلسطينيين حصراً. أمّا أسباب هذا الخيار فليس من الصعب تخيّلها. فنظراً إلى أنّ علاقة مميّزة تجمع بين القادة الأمريكيين والإسرائيليين الذين يشكّلون الجهتَين الفاعلتَين الأقوى، تحلّت هاتان الجهتان بالقدرة والحافز لتحميل الفلسطينيين أكبر قدر ممكن من تكاليف الفشل. غير أنّ تصرّف كلينتون هذا أدّى إلى تضييق الفسحة السياسية المُتاحة للتوصّل إلى اتفاقية في خلال ما تبقّى من ولايته وإلى تأكيد ما قيل إنّه ليس لإسرائيل “شريك” للسلام، وقد ساعد هذا كلّه على زيادة العنف في الأشهر والسنوات التي تلت.

 وفي عهد جورج بوش الابن، تمّ التشديد على أنّ تعنّت عرفات والنزعة القتالية الفلسطينية هما الدافعان الأساسيان للصراع، بدلاً من الاحتلال الإسرائيلي المستمرّ. وعلى الرغم من أنّ بوش كان أوّل رئيس أمريكي يدعم رسمياً قيام دولة فلسطينية، أدّى تحالفه مع أرئيل شارون بعد 11 سبتمبر في خضمّ موجة من الهجمات الإرهابية قام بها المحاربون الفلسطينيون إلى منح شارون حرّيةَ تصرّف نسبية في محاولاته لقمع الانتفاضة مع تدميره بشكل منظّم المؤسّسات الفلسطينية الحاكِمة والأمنية في الوقت عينه.

ولعلّ أكثر تعبير صارخ عن سوء التقدير هذا برز في مؤتمر أنابوليس للسلام الذي دعا إليه الرئيس بوش بعد أن استولت حركة حماس على قطاع غزة وتحرّكت قوّات السلطة الفلسطينية في يونيو 2007. ففيما رأى معظم الفلسطينيين العاديين الانقسامَ الداخلي كنكسة للمشروع الوطني، رآه المسؤولون الأمريكيون كفرصة للسير قدماً بعملية السلام من دون نفوذ حماس التهديدي. لكنّ هذا الأمر كان وهماً، إذ انهارت محادثات أنابوليس التي دامت عاماً كاملاً عندما اندلع القتال بين إسرائيل وحماس في ديسمبر 2008. ومنذ تلك الفترة، حثّ العزلُ المفروض على غزة والانقسامُ الفلسطيني المستمرّ بلا هوادة على العنف وجمّدا السياسة الداخلية الفلسطينية وأحبطا مفاوضات السلام.

في النهاية، لم يشجّع غيابُ الضغط القادةَ الإسرائيليين على “المخاطرة من أجل السلام”، بل أراحهم من هذه الحاجة إلى المخاطرة وساعد في الوقت عينه على تأمين الأموال اللازمة لتكاليف الاحتلال السياسية والاقتصادية والعسكرية حتى. كذلك، لم تفضِ محاولات واشنطن إلى تهميش السياسة الفلسطينية أو إعادة هندستها إلى تحويل الفلسطينيين إلى شركاء مفاوضين فعّالين، بل ساعدت على إضعاف القادة والمؤسّسات السياسية الفلسطينيين مع تأجيج العنف وعدم الاستقرار.

ما وضع سوء التقدير هذا في عهد إدارة ترامب؟

تشكّل إدارة ترامب في عدّة نواحٍ التعبير الأنقى لسوء التقدير هذا. فمن جهة، تتماهى الإدارة تماهياً تاماً ليس مع إسرائيل فحسب، بل مع العناصر الأقصى والأكثر تطرفاً في السياسة الإسرائيلية أيضاً. من جهة أخرى، تغضّ الطرف بالكامل ليس لسياسة فلسطين أو تاريخها فحسب، بل حتّى للتمثيل الفلسطيني أيضاً. في الواقع، يمكن القول إنّ الدور الأمريكي قد تحوّل في عهد ترامب من وسيطٍ غير فعّال للسلام إلى مُفسدٍ له.

وقد أدّى قرار الرئيس ترامب في ديسمبر 2017 بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل إلى “نزع المسألة عن الطاولة” بحسب قوله، مما يُنبئ الفلسطينيين أنّهم سيخسرون إن انخرطوا في عملية سلام بقيادة ترامب أكثر منه إن تفادوها. وعلاوة على التخلّي عن هدف إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة، يبدو أنّ ترامب ينوي التخلّص من معادلة “الأرض مقابل السلام” التي شكّلت أساس عملية السلام طوال أكثر من نصف قرن، وبرز ذلك من خلال قراره الأخير بالاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان. بالفعل، يوحي خطاب الإدارة الأمريكية، الذي انشطب فيه تعبير “الأراضي المحتلة” من المصطلحات الرسمية المستخدمة، بأنّها جاهزة للقبول بالسيطرة الإسرائيلية الدائمة على خمسة ملايين فلسطيني يقيمون في الضفة الغربي وقطاع غزة.

أخيراً، مع إلغاء الرئيس ترامب تقريباً كل أشكال المساعدات الاقتصادية والإنسانية للشعب الفلسطيني، ترسّخ الاعتقاد أنّ إدارته لا تنشد حلّاً سلمياً للصراع، بل اتفاقاً نهائياً يرتكز على الهزيمة الفلسطينية والانتصار الإسرائيلي.

A how-to guide for managing the end of the post-Cold War era. Read all the Order from Chaos content »

Get daily updates from Brookings