Skip to main content
مقال

أسعار النفط المنفلتة: هل تعتبر منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط جاهزة؟

ملاحظة للمحرر: هذه هي النتيجة الأولى في سلسلة من التحليلات بعنوان :”الغذاء والوقود والتمويل، كيف سينجح الشرق الأوسط في تجنب الأزمة الاقتصادية العالمية؟”عن طريق مبادرة الشباب للشرق الأوسط الخاصة بتأثير التباطؤ الاقتصادي العالمي على دول الشرق الأوسط. بينما من المتوقع أن يحافظ الشرق الأوسط على مرحلة من النمو الاقتصادي القوي، فإننا سنستكشف تأثير التغييرات التي طرأت على أسعار المنتجات الأولية والأزمة المالية الطاحنة وأثرها على الدول المصدّرة للنفط أو غيرها من الدول الأخرى. والسؤال هنا هو هل الإصلاحات طويلة المدى ستجعل الشرق الأوسط بالملايين من المواطنين قادرًا على المنافسة في الاقتصاد العالمي الذي أضحى غير مؤكد ومتقلب؟

لقد أثرت الاضطرابات في الأسواق المالية العالمية على غيرها من أسواق النفط والسلع الأولية. حيث هبطت أسعار النفط إلى قرابة النصف مقارنة بما كانت عليه في أوجها في يوليو 2007 ومن المتوقع أن تواصل هبوطها على أساس أن الأزمة المالية تؤدي إلى تراجع اقتصاديات الدول الغربية الكبرى. وبالحكم على الكبوات التي طالت أسواق المال الرئيسة في المنطقة ـــ بعد هبوطها بنسبة تتراوح بين 30 إلى 50 في المائة هذا العام ــــ فإن الازدهار الاقتصادي الحالي قد انتهى بالفعل. وإذا هبطت أسعار النفط إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل، فإن ذلك سيؤدي إلى أزمة مالية أوسع مع ارتفاع في معدلات البطالة بالإضافة إلى تهديد التوازن السياسي الهش داخل المنطقة اليوم.

وقد حدثت هذه النتائج آخر مرة عند هبوط السعر المرتفع داخل البورصات في عام 1986: الركود في الاقتصاد الغربي. في آب / أغسطس 1986 ، انخفضت الأسعار إلى نحو 10 دولارات للبرميل الواحد، ووصلت اقتصاديات الدول الغنية للنفط من الشرق الأوسط إلى حالة طويلة من الركود ، مع ارتفاع مستويات الاستياء الشعبي ضد حكومات المنطقة. وأضحى التحول في مصادر الثروات في الدول المصدرة للنفط يميل إلى أن يكون له تأثير في المجال السياسي أكثر من أي مجال آخر لأنه يثير تساؤلات حول كيفية إدارة التدفق الكبير للثروة الذي يسبق حالة التقلص. ما الدروس المستفادة من انهيار أسعار النفط في الثمانينيات بالنسبة للحكومات في المنطقة اليوم؟

هل أدت حالة التباطؤ العالمي إلى هبوط أسعار النفط؟

هل من الممكن أن يحدث انهيار كبير في الأسعار، في ضوء كل الحديث عن النقص في الطاقة العالمية؟ تشير الأسس الاقتصادية لسوق النفط إلى أنه ليس ممكنًا فحسب، بل من المحتمل جدا حدوث مثل هذا الأمر، فبفضل عدم مرونة العرض والطلب قد تنتج تغيرات كبيرة في الأسعار استجابة لتغييرات صغيرة في ميزان العرض والطلب، بالإضافة إلى أن الركود في الاقتصاديات الغربية مقترن منذ عدة سنوات بقيمة الاستثمار في المعدات التي توفر الطاقة في جميع أنحاء العالم وسوف يستمر انخفاض الطلب على النفط في الأشهر المقبلة، على الرغم من هبوط الأسعار واستمرار النمو في الهند والصين.

ولمنع حدوث وفرة في السوق العالمية ، ودعم أسعار النفط ، سوف تتدخل أوبك للتحكم في انخفاضات الإنتاج. واجتماعهم الطارئ في وقت لاحق من هذا الشهر قد ينجح في وضع مجموعة جديدة من الحصص المنخفضة ولكن ، إذا كان الماضي خير دليل على المستقبل، فتحديد الحصص هو شيء، وإنفاذها شيء آخر، وكما يتقلص الطلب، فإن جميع الدول المنتجة للنفط تميل للتعويض عن انخفاض السعر عن طريق زيادة الإنتاج، ولم تلق مناشدة أوبك لأعضائها للامتثال لنظام الحصص إلا عدم الاستجابة كما أن الأسعار ستبقى في وسط دوامة اللوم مع توجيه أصابع الاتهام إليها ، أما في السوق العادية ، فانخفاض الأسعار في حد ذاته من شأنه تجديد الطلب، والحد من العرض، والقضاء على الإغراق، ولكن سوق النفط ليست سوقًا عادية : فالطلب غير مستجيب في المدى القصير لأنه مرتبط بالاستثمار الثابت في المعدات، أما العرض فليس فقط غير مرن ولكنه قد يكون أيضًا متقهقرًا. [1]

وإذا كانت هذه الأحداث تجري وفق التصور الذي تم وضعه في الثمانينيات، فالمملكة العربية السعودية قريبًا سيكون من المتوقع أن تتدخل وتتخذ من جانب واحد موقف التخفيضات في الإنتاج. غير أنه يبدو من المعقول بالنسبة لهم القيام بذلك لأنه، حتى الآن، يفترض أن تكون المملكة قد استُنزفت كثيرا من ضخ النفط للحفاظ على الأسعار من الارتفاع أكثر من اللازم، وهذا سيكون وقتا مناسبا للتراجع، ولكن خبرتهم في الثمانينيات تبين غير ذلك، ثم تحولت التداعيات الصغيرة إلي تداعيات كبيرة لأن أوبك وغيرها من الدول الأعضاء عرضت تخفيضات تؤدي إلى الهبوط بصادرات النفط السعودية الباهظة إلى النصف، مع تحويل الحساب الجاري من فائض 25 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1980 إلى عجز قدره 15 ٪ في عام 1984، وبعد التهديدات المتكررة، في آب / أغسطس 1986 لجأت المملكة العربية السعودية إلى سياسة “أسعار العائد الصافي” حيث تقدم للعملاء أقل الأسعار، وفي غضون أسبوع، انخفض سعر النفط العالمي إلى 10 دولارات للبرميل الواحد، وكان ذلك درسًا قاسيًا لمنطقة الشرق الأوسط، وهذه المرة ربما لا تنتظر المملكة العربية السعودية طويلاً للدفاع عن حصتها في السوق، الأمر الذي يعني أن تمنع اضطرابات غير متوقعة في الإمدادات والأسعار والتي قد تقع عاجلا وليس آجلا.

إدارة الانتكاسات في أسعار النفط وفي التوقعات المرتقبة:

لا يوجد ما يشير إلى أن صانعي السياسة في الدول الغنية بالنفط من الخليج الفارسي قد قاموا بوضع خطط لعودة أسعار النفط إلى مستويات دون 50 دولارا للبرميل الواحد. فهي ليست وحدها في الاعتقاد بأن “النفط الرخيص” ما هو إلا حقبة ماضية. فالنفقات الحكومية في إيران، والكويت، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة زادت في المتوسط بنسبة من 15 إلى 20 ٪ سنويًا من حيث القيمة الحقيقية في السنوات الأخيرة،

ولكن على الرغم من ارتفاع النفقات والتوقعات باستمرار ارتفاع أسعار النفط، فإن حجم الزيادة في عائدات النفط أدى إلى أن تتمتع هذه البلدان بفوائض تجارية كبيرة وتراكم المدخرات بشكل كبير، وهذه المدخرات من شانها تخفيف هبوط أسعار النفط لكنها لن تكون كافية لمنع الانكماش الاقتصادي، وتتمتع المملكة العربية السعودية بفائض تجاري بلغ نحو 25 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأربع الأخيرة، والتي استخدمته لتأسيس صندوق سيادي كبير. وإيران بفائضها الأكثر تواضعًا بنحو 10 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي ساعدت على بناء صندوق استقرار النفط ،ولكنه صغير جدا ( أي ما يعادل أقل من ستة أشهر من الواردات) لتسهيل النفقات على المدى المتوسط، وفي العام الماضي، بلغ فائض كل من الكويت والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة معًا أكثر من 200 مليار دولار ولكن بمعدل ارتفاع النفقات، فإن هذه الفوائض سوف تختفي في غضون عام أو عامين.

وبالنسبة لهذه الحكومات، فالضغط لتقليص النفقات يتم بالفعل، وبالتالي فمن غير المحتمل إمكانية درء التباطؤ الاقتصادي أو حتى الكساد بالاستعانة بهذه المدخرات الخارجية. وفي فترة الثمانينيات، أفسحت الفوائض المالية بالقدر نفسه المجال أمام العجز في سنوات قليلة. وبمجرد ما أن بدأ سوق النفط في التراجع في عام 1983، شرعت المملكة العربية السعودية في إدارة العجز في الحساب الجاري من كل عام لمدة 12 سنة، وجلبت نسبة الانخفاض في سوق النفط حالة من الركود الاقتصادي ليس فقط في الدول الغنية بالنفط، وإنما في المنطقة ككل، وبين عامي 1983 و1987، انخفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد (ما يعادل القوة الشرائية في عام 2000 دولار) بواقع 20 ٪ في المملكة العربية السعودية، و17 ٪ في إيران، و32 ٪ في دولة الإمارات العربية المتحدة، أما الكويت وحدها فتمكنت من إبقاء التراجع إلى أقل من 2 في المائة.

وبالنسبة لهذه البلدان، فإن الهبوط باقتصادياتها بشكل هادئ قد يكون أسهل بكثير من إدارة تخفيض حجم التوقعات من دون رد فعل سياسي، وقدم قادة المنطقة تحذيرًا ضئيلا إلى مواطنيهم بشأن الانتهاء من الطفرة النفطية، وحتى بعد بداية اشتعال الأزمة المالية، تم الإعلان عن مشاريع ضخمة في دول مجلس التعاون الخليجي وكأنها تتحدي حقيقة أن التباطؤ الاقتصادي العالمي قد يؤثر في اقتصاديات المنطقة. أما في إيران، حيث كان المؤيدون السياسيون الشعبيون يتنعمون بمزايا الطفرة النفطية في السنوات الأخيرة، فقد ساهمت رغبة حكومة أحمدي نجاد للإنفاق الاجتماعي في مضاعفة معدل التضخم في عام واحد فقط، كما رفعت التوقعات لتشير إلى أنه حتى على مستوى مستقر للنفقات لا بد أن نصاب بخيبة الأمل، وفي عام 2008، عندما كان يتعين على الحكومة الإضافة إلى صندوق تثبيت الأسعار، فقد قامت بأكبر عملية انسحاب. ومؤخرا في إيران، حذر محافظ البنك المركزي أنه في حال عدم رجوع أسعار النفط إلى ما كانت عليه، فإن عائدات النفط ستهبط بما يعادل 54 مليار دولار وهو أكثر من نصف مستواها الحالي.

ولا يزال المستثمرون من القطاع الخاص والمواطنون العاديون في المنطقة معلقين على التوقعات غير الواقعية حول مستقبل اقتصاديات المنطقة. ولسوء حظ القادة السياسيين في المنطقة، لا يمكن لأحد إلقاء اللوم على القطاع الخاص لفشله في توقع الانخفاض وذلك في حالة عدم تحقق هذه التكهنات: ولذا سيلقي المواطنون اللوم على الحكومة لفشلها في إدارة الاقتصاد.

والتحديات التي تواجه الحكومات هي الآن أكثر صعوبة من تلك التي واجهتها بعد انتهاء الطفرة النفطية في الثمانينيات، وتبدو المنطقة سياسيًا أكثر تقلبًا، وعلى الرغم من أن النمو الاقتصادي الأخير خلق تحسنًا كبيرًا في مستوى المعيشة والبنية التحتية، إلا أنه لم يولد ما يكفي من فرص العمل الجيدة، وخاصة بالنسبة للشباب، وفي دول مجلس التعاون الخليجي، خلقت أسواق العمالة المزدوجة الملايين من فرص العمل للعمال الأجانب ، ولكن قطاعات كبيرة من الشباب المحلي ما زالوا عاطلين عن العمل، وغيرهم يقضون سنوات عديدة في انتظار وظائف حكومية بأجور باهظة أو وظائف القطاع الخاص، ومع ضغط النفقات الحكومية فإنه من المرجح أن تطول فترة انتظار هؤلاء الشباب أكثر من المتوقع، أما في البلدان التي لديها أكبر عدد من السكان الشباب أي المملكة العربية السعودية وإيران فإن بطالة الشباب أضحت تتجاوز نسبة 25 ٪. والتحدي وخاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية قد أصبح شاقًا ومجهدًا: وبينما تتجه مشكلة الشباب في إيران إلى التناقص إلا أن المشكلة نفسها في المملكة العربية السعودية في حالة من النمو.

أما النقطة المضيئة الوحيدة في كل هذه الأحداث المريرة فهي أن الظروف القاسية تجعل قضية الإصلاح السياسي أكثر إقناعا. ولدى البلدان الغنية بالنفط قائمة من الخيارات السياسية المعروضة عليها، بما فيها إعادة توجيه التعليم بعيدا عن مجرد السعي نحو الدرجات الرسمية إلى اكتساب المهارات، وتحويل البحث عن وظائف حكومية إلى البحث عن وظائف في القطاع العام أو القطاع الخاص، ومنح مساحة أكبر للشباب في تشكيل مصيره. [2] ومع اقتراب وليمة النفط من الانتهاء، فقد حان الوقت لوضع حوافز للشباب في المنطقة ليصبحوا منتجي الطبقة الوسطى للغد.
1] [لمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع، راجع تحليل كروجزمان في http://krugman.blogs.nytimes.com/2008/07/19/oil-outlook/ وhttp://web.mit.edu/krugman/www/opec.html.

[2] ولمناقشة تلك السياسات راجع: Djavad Salehi-Isfahani and Navtej Dhillon : “شباب الانتقالية المتعثرة في الشرق الأوسط : إطار لسياسة الإصلاح” ورقة عمل مبادرة شباب الشرق الأوسط. (أكتوبر 2008).

Get daily updates from Brookings