Research

كيف أَحبطت (على الأرجح) عمليةُ السلام حلَّ الدولتَين

A demonstrator waves a Palestinian flag during clashes with Israeli troops at a protest against U.S. President Donald Trump's decision on Jerusalem, near the border with Israel in the southern Gaza Strip March 16, 2018. REUTERS/Ibraheem Abu Mustafa - RC1D250522B0

لعلّ مقاربة ترامب للصراع الإسرائيلي الفلسطيني قد أقنعت أخيراً القادةَ الفلسطينيين بأنّهم سيخسرون أكثر إن بقوَا في عملية سلام تسيطر عليها الولايات المتحدة.

لقد شكّل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر الماضي بالاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، مطيحاً بسبعين عاماً من السياسة الأمريكية والتوافق الدولي، نقطةَ تحوّل في عملية السلام التي ترعاها الولايات المتحدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فلطالما اعتُبِرت القدسُ الأساسَ لتسوية سلام نهائية، نظراً إلى أنّها تُعَدّ إحدى مسائل الصراع الأكثر تعقيداً ورمزاً دينياً وسياسياً مهمّاً للمليارات حول العالم. وقد لاقى إعلان ترامب ثناءَ الجانب الإسرائيلي وابتهاجه وغضبَ القادة الفلسطينيين واستنكارهم، فأعلنوا أنّهم سيمتنعون عن المشاركة في عملية سلام برعاية أمريكية. ردّاً على ذلك، اقتطعت الإدارة الأمريكية حوالي 80 في المئة من مساعداتها للاجئين الفلسطينيين، ووعدت بإجراء المزيد من التخفيضات في المساعدات إذا رفض الفلسطينيون العودة إلى عملية السلام. في غضون ذلك، اجتمع الجزء الأكبر من المجتمع الدولي، بما فيه معظم الدول الأوروبية وحلفاء واشنطن العرب، ضدّ إعلان ترامب حول القدس. أمّا الإدارة الأمريكية، فرفضت من جهتها الاتّهامات بأنّ نقل العاصمة قد هَدَفَ إلى تحديد وضع القدس مسبقاً، مشدّدةً على أنّه “اعترافٌ بالواقع” لا أكثر.

غير أنّ إعلان ترامب حول القدس لم يكن “مقاربةً جديدة” لحلّ الصراع كما ادّعت الإدارة، بل هو ذروة تدهور السياسة الأمريكية المستمرّ وتراجع فعالية الوساطة الأمريكية في خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة. وقد يبدو قرارُ الاعتراف بالقدس محاولةً لحلّ التناقضات الكثيرة الكامنة في عملية السلام، ليس من خلال إعادة المعايير المقبولة دولياً التي ترتكز عليها أو من خلال جعل الفرص بين الجهتَين متكافئةً، بل عبر إعادة كتابة قواعد اللعبة الدبلوماسية. وفيما كانت فرص عقْد اتفاقية سلام بوساطة أمريكية ضئيلةً جداً أساساً، لربّما أقنعت أخيراً مقاربةُ ترامب للصراع القادةَ الفلسطينيين بأنهمّ قد يخسرون أكثر إن بقوا مشاركين في عمليةِ سلام تسيطر عليها الولايات المتحدة بدلاً من الانسحاب منها. غير أنّ الاحتمالات المتضائلة للوصول إلى حلّ الدولتَين لا تأتي من دون كلفة على الولايات المتحدة.

القوّة والسياسة

طوال عقود اعتبر العالمُ الولايات المتحدة على أنّها الجهة الفاعلة الوحيدة القادرة على إبرام اتفاقية سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد صحّ ذلك على الرغم من الصلات الوثيقة الفريدة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل والنفوذ الهائل للوبي الداعم لإسرائيل على صانعي القرارات الأمريكيين، ولا سيّما على الكونغرس. فقد قال آرون ديفيد ميلر، المفاوض المخضرم في عملية السلام: “قد لا تكون الولايات المتحدة وسيطاً صادقاً لكن بإمكانها أن تكون وسيطاً فعّالاً”. غير أنّ هذا الاقتراح افترض أنّ إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يحظى في الواقع بأولويّة كبيرة لدى الولايات المتحدة، هذا إن لم تعتبره مصلحةَ “حيوية” من مصالح الأمن القومي كما ادّعت عدّة إدارات. والأهمّ من ذلك هو أنّ الاقتراح افترض أنّ الرؤساء الأمريكيين كانوا مستعدّين لتخطّي قيود السياسة المحلّية و”العلاقة الخاصّة” أقلّه في ما يخصّ المسائل واللحظات الأهمّ. وسبق أن كان هذان الافتراضان موضعاً للشكّ قبل انتخاب دونالد ترامب، وقد باتا في طريق الزوال منذ وصوله إلى البيت الأبيض.

منذ أوائل تسعينيّات القرن الماضي، جرت عملية السلام بقيادة أمريكية على افتراضَين أساسيَّين: أوّلاً، أنّه يمكن التوصّل إلى تسوية سلام معقولة من دون معالجة الاختلال الشاسع في القوى بين إسرائيل والفلسطينيين. وثانياً، أنّه يمكن (إن لم يكن مُستحباً) إخضاع السياسة الفلسطينية الداخلية للحاجات المُتصوَّرة لعملية السلام. ولم تكن إسرائيل مجرّدَ طرف في صراع بل سلطة احتلال حكمت الملايين من الفلسطينيين الذين كانت تتفاوض معهم. لكن في خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، ازداد تردّد الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين على الحكم في الاستعانة بسطوتهم الكبيرة على إسرائيل للسير قدماً بعمليّة السلام، مع العمل بنشاط على تفادي هذا النوع من الضغط من الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات. وقد ارتكز ذلك على اعتقادٍ بأنّ القادة الإسرائيليين سيكونون على استعداد أكبر “للمخاطرة من أجل السلام” إذا شعروا بالأمان سياسياً وعسكرياً. ولم يقتنع كلّ الرؤساء بهذا المنطق، لكنّ معظمهم التزم به، سواء أعن قناعة أم باعتباره المسار السياسي الذي يواجه المقاومة الأقلّ.

وفيما اعتُبِرت علاقة إسرائيل المُميّزة بالولايات المتحدة بمنأى عن تقلّبات عملية السلام بالإجمال، بقي التزام واشنطن بالقادة الفلسطينيين معتمداً بشدّة على إسرائيل وعملية السلام على حدّ سواء. ولا يُعزى الأمر فحسب إلى أنّ المسؤولين الأمريكيين يديرون ببساطة “أذناً صمّاء” للسياسة المحلّية الفلسطينية، فعدد كبير من صانعي السياسات في البيت الأبيض والكونغرس يطلب تغيير بعض نواحي السياسة الفلسطينية لتحويل الفريق الفلسطيني إلى شريك سلام ملائم. ونظراً إلى اعتماد السلطة الفلسطينية بشكل كبير على المساعدات الخارجية وحسن النيّة الإسرائيلية من أجل بقائها، أُخضِع القادة الفلسطينيون لمجموعة من الشروط والقيود التي جُعِلَ عددٌ منها قوانين أمريكية والتي تتعلّق بأدائهم الأمني وحوكمتهم الداخلية وأنشطتهم الدبلوماسية.

بعبارة أخرى، لم تركّز الوساطة الأمريكية على تغيير ديناميات السياسة والقوى الأساسية التي تُبقي الصراع مُستمراً، بما فيها الواقع الأساسي الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي العسكري، بل على طمأنة إسرائيل في المقام الأوّل وإصلاح الفلسطينيين في المقام الثاني. لكن بإزالة الضغط عن الطرف الأقوى وزيادته على الطرف الأضعف، عكست واشنطن فعلياً الدور التقليدي الذي يؤدّيه وسيط ما. ولم يكن ذلك ترتيباً محصوراً بجهة واحدة. فكجزء من الصفقة المعقودة في أوسلو، وافقت القيادة الفلسطينية، بزعامة كلّ من ياسر عرفات ومحمود عبّاس، على التخلّي عن بعضٍ من سيطرتها على سياستها الداخلية وصناعة القرار على أمل أن “تخلّص” الولايات المتحدة في نهاية المطاف إسرائيلَ. غير أنّ هذا الخلاص لم يحدثْ. ففيما كان الرؤساء الأمريكيون في بعض الأحيان على استعداد لاستخدام سطوتهم على إسرائيل أو لحثّ القادة الفلسطينيين على السير قدماً بعملية السلام، ولا سيّما في ذروة اتّفاقية أوسلو في أواخر تسعينيات القرن الماضي، شكّلت تلك الأوقات الاستثناءَ لا القاعدة.

ثمن الفشل: كلينتون وبوش

لم تأخذ الأمور هذا المنحى نتيجةَ خبث أو جهل، بل جرّاء حساب سياسي بسيط. فما دام القادة الأمريكيون والإسرائيليون الجهتَين الفاعلتَين الأقويَين المرتبطتَين بعلاقة خاصّة، امتلكوا المحفِّز والأسباب الكافية على حدّ سواء لكي ينقلوا ما أمكن من المخاطر والتكاليف السياسية على عاتق الفلسطينيين، ولا سيّما عندما ساءت الأمور. ولفترة، بدا أنّ رهان الفلسطينيين على الخلاص الأمريكي يأتي ثماره. فقد خالف كلينتون عدداً من المحرّمات، مستضيفاً ياسر عرفات في البيت الأبيض أكثر من عشر مرّات ومستخدماً قوّته الناعمة لدعم عرفات مع الضغط ببراعة على حكومة بنيامين نتنياهو المتشدّدة في المقابل. في النهاية، اقترب كلينتون من إبرام اتّفاقية سلام إسرائيلية فلسطينية أكثر من أيّ رئيس سبقه أو خلفه. لكنّه كان أوّل مَن ضرب بالمبادئ الأساسية التي تمتّن عملية السلام بشكل كبير، بما فيها قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي ثبّت فكرة “الأرض مقابل السلام” وقدسية حدود العام 1967، من خلال تقديم موافقة ضمنية على بناء مستوطنات إسرائيلية عبر إعفاءات بحجّة “النموّ الطبيعي” في القدس الشرقية وبغيرها من الحجج.

غير أنّ مساهمة كلينتون الأبرز أتت في الأشهر الأخيرة من رئاسته بعد فشل قمّة كامب ديفيد واندلاع انتفاضة الأقصى. فقد أساء القادةُ الثلاثة كلّهم التصرفَ والحسابَ في خلال كامب ديفيد وبعده. لكنّ قرار كلينتون بإلقاء اللوم لفَشَل المفاوضات وتصاعد العنف على عرفات والفلسطينيين فحسب أتى على حساب الأهداف الأمريكية الأوسع المتمحورة حول الاستقرار والدبلوماسية، مع أنه كان القرار المناسب سياسياً. وبالإضافة إلى تقليص المساحة السياسية لعقد اتّفاق في الوقت المتبقّي من ولاية كلينتون، ساعد القرار على تعزيز توجّه “الاستغناء عن الشريك” الذي اعتمده لاحقاً رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون وعلى تأجيج العنف في الأشهر والسنوات اللاحقة.

وعلى الرغم من أنّ وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية هي السائدة، لم يكن كامب ديفيد عبارة عن لقاء “إما تنجح فيه عملية السلام أم تفشل إلى الأبد” أو قمّةٍ طُرح فيها “عرضٌ سخيّ”، بل كان بداية عملية تَعلُّم لكلينتون والفريق الأمريكي شكّلت قاعدةً لمفاوضات أكثر جدّية في الأشهر اللاحقة. علاوة على ذلك، لم يكن اقتراح باراك أوباما على قدر المطالب الفلسطينية مع أنّه يُعَدّ غير مسبوق من منظور إسرائيلي بلا شكّ. وتمحور الاقتراح حول قيام دولة فلسطينية على ما بين 80 و90 في المئة من الضفّة الغربية مع استقلالية محدودة في القدس الشرقية العربية. ولا يُعزى السبب في أنّ التقدّم الأكبر أتى بعد كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة إلى قدرة عرفات على الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لكسب المزيد من التنازلات من خلال العنف، كما قال بعضهم، بل نتيجة الدروس الكبيرة التي تعلّمتها واشنطن (وإسرائيل) حول المتطلّبات الأساسية لعقْد اتّفاقية سلام معقولة. وقد ذكّر مفاوضٌ أمريكي قائلاً: “على الرغم من الأوهام التي ظهرت منذ ذلك الحين، لم تكن حساباتنا قريبة من الهدف إطلاقاً”.

في غضون ذلك، جعل العنفُ المتصاعد وارتفاع عدد قتلى الانتفاضة محادثات السلام الجارية أكثر إلحاحاً وصعّب احتمال نجاحها. نتيجةً لذلك، بحلول الوقت الذي قدّم فيه الأمريكيون اقتراح سلام جدّياً في أواخر ديسمبر، كانت البيئة السياسية أقلّ استجابة لصناعة سلام. وعلى عكس كامب ديفيد، اعتُبرت “معايير” كلينتون لاتّفاقية سلام ذات وضع نهائي تتأسّس بموجبها دولةٌ فلسطينية في غزّة وقرابة 95 في المئة من الضفّة الغربية مع سيادة فلسطينية على معظم القدس الشرقية “صحيحةً إلى حدّ ما”. وعلى الرغم من أنّ القائدَين أظهرا استعداداً للعمل وفق معايير كلينتون مع التعبير عن تحفّظاتهما إزاء نواحٍ معيّنة من الاقتراح، اعتُبر ردُّ باراك أوباما “نَعَماً” واضحةً وردُّ عرفات على أنّه “أشبه بالرفض”.

وفي عهد جورج بوش الابن، تمّ التركيز على اعتبار تعنّت عرفات والنزعة القتالية لدى الفلسطينيين هما الدافعَين الأساسيَّين للصراع بدلاً من احتلال إسرائيل المستمرّ. ومع أنّ بوش يُعَدّ الرئيس الأمريكي الأوّل الذي دعم رسمياً قيام دولة فلسطينية، أطلق تحالفُه مع أرييل شارون بعد اعتداءات 11 أيلول الإرهابية وسْط موجة من الهجمات الإرهابية التي قام بها المقاتلون الفلسطينيون يدَ شارون لكي يسحق الانتفاضة ويدمّر بشكل مُمنهج المؤسّسات الفلسطينية الحاكمة والأمنية في الوقت عينه. ولم تؤدِّ ذروة الانتفاضة وانتخاب محمود عبّاس عقب وفاة عرفات في العام 2005 إلى إعادة إحياء العمليّة الدبلوماسية. عوضاً عن ذلك، تخلّت إدارة بوش عن مخطّطها للسلام، أي خارطة الطريق المدعومة دولياً، لمصلحة أحاديةٍ إسرائيلية في غزّة والأماكن الأخرى، وقدّمت “ضمانات” لإسرائيل بشأن مصير التجمّعات الاستيطانية الإسرائيلية في الضفّة الغربية وبشأن اللاجئين الفلسطينيين وغيرها من المسائل. وقد ساعد فشل الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من غزّة في العام 2005، الذي أدّى إلى إقفال حدودها، على تمهيد الطريق أمام الفوز المفاجئ لحركة حماس في الانتخابات في يناير 2006.

وفيما أدّى انتخابُ ما يُسمّى “منظّمة إرهابية أجنبية” لترْأسَ السلطة الفلسطينية إلى بروز تحدّيات سياسية وقانونية خطيرة لإسرائيل والولايات المتحدة والجهات المانحة الدولية، قدّم أيضاً فرصةً لتشجيع اعتدال حركة حماس وتطوّرها السياسي. غير أنّ الرفض الأمريكي والإسرائيلي للتفكير في أيّ سيناريو يختلف عن خلْع الحركة من الحكومة، بغضّ النظر عن تفرّعاتها القانونية والسياسية، لم يعطِ حماس أيَّ محفِّز للاستجابة ودفع بعبّاس إلى خيار مستحيل بين الانعزال الدولي الكامل من جهة وإلغاء نتائج انتخابات ديمقراطية، وحرب أهلية على الأرجح من جهة أخرى. وعلى غرار أيّ غرض هشّ يتعرّض لضغط متزايد، انقصف ظهر السلطة الفلسطينية. وانتهى القتال المفتوح بين الفصيلَين الفلسطينيَّين باستيلاء حماس القسري على غزّة وطرد قوّات حركة فتح التابعة لعبّاس في يونيو 2007.

وفيما اعتَبر الفلسطينيون العاديون الانقسامَ ضربةً للمشروع الوطني، تلقّفه المسؤولون الأمريكيون على أنّه فرصة للتقدّم في عمليّة السلام مع عبّاس من دون تأثيرات حماس السلبية، التي يُفترَض الآن أنّها محاصرة في غزّة بفعل المقاطعة دولية والحصار الإسرائيلي. بيد أنّ الأحداث اتّخذت مساراً مغايراً جداً. فبعد أن انطلقت في مدينة أنابوليس الأمريكية في نوفمبر 2007 عمليّة مفاوضات مفصّلة للغاية امتدّت على مدار سنة، تداعت النقاشات عندما اندلع القتال بين إسرائيل وحماس في أواخر ديسمبر 2008. وقد كان هذا القتال الأوّلَ من سلسلة من الحروب الدموية التي مرّت بها غزّة في العقد اللاحق. واستنتج رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والذي كان بصفته مبعوثَ المجموعة الرباعية في العام 2007 داعماً لمقاربة إدارة بوش، قائلاً: “كان حريّاً بنا أن نحاول التحاور مع حماس منذ البداية ونغيّر مواقفها”.

أوباما: لا سلام ولا عمليّة سلام

لم تكن عمليّةُ السلام التي ورثها باراك أوباما واعدةً على الإطلاق. فقد شكّلت عودة بنيامين نتنياهو إلى السلطة في العام 2009 تحوّلاً بارزاً إلى اليمين في السياسة الإسرائيلية ونعمةً لحركة المستوطنين التي باتت مُمثَّلة الآن في الحكومة الإسرائيلية. أما في الجهة المقابلة فبرزت قيادةٌ فلسطينية ضعيفةٌ متضعضعة الأداء تزداد شرذمتها وعدم فعاليتها وابتعادها عن حياة الناس العاديين، شأنها شأن عمليّة السلام. وقد بقي الانقسام الداخلي الفلسطيني وانعزال حركة حماس وغزّة المستمرّ مصدراً ثابتاً لعدم الاستقرار. وأدّى تزايد المستوطنات الكثيف في خلال السنوات السابقة، بمؤازرة عدد من الإعفاءات والضمانات التي قدّمتها الولايات المتحدة من أجل “النموّ الطبيعي”، والتجمّعات الاستيطانية والقدس الشرقية إلى تضاعف عدد المستوطنين في الأراضي المحتلّة منذ العام 1993.

وكان أوباما في وضع يخوّله أن يوقف هذه التوجّهات، وقد مال، أقلّه في البداية، إلى القيام بذلك، مشدّداً على تجميد كامل لبناء مستوطنات إسرائيلية واصفاً الأمر بـ”غير شرعي” وملمّحاً حتّى إلى تحوّل محتمل نحو غزّة. لكن أمام مقاومة الكونغرس وحكومة نتنياهو العنيدتَين، عدَلت الإدارة عن نواياها وركّزت طاقاتها على استئناف المفاوضات. وحتّى محاولة أوباما إعادةَ تأكيد “حدود العام 1967، مع تبادلات يتمّ الاتفاق عليها” كأساس لتلك المفاوضات، تماماً كما فعل الرؤساء السابقين له بمَن فيهم جورج بوش الابن، قد تسبّبت بعاصفة من الاستنكارات من الجمهوريين في الكونغرس لأنّها “خيانة” لإسرائيل.

ولم تكن مساهمة أوباما هامدة. فعلى عكس طريقة التعامل مع المستوطنات الإسرائيلية، كرّست الإدارة وقتاً وموارد كثيرة لإحباط محاولات عبّاس بالاعتراف بدولة فلسطينية في الأمم المتحدة في العامَين 2011 و2012. وعلى الرغم من أنّ الاعتراف بقيام دولة فلسطينية مسألة رمزية بالإجمال، سيفتح هذا الاعتراف في الأمم المتحدة البابَ للفلسطينيين للانضمام إلى الكثير من الهيئات الدولية الأخرى، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، مطلقاً مخاوف من احتمال محاكمة الجنود والجنرالات الإسرائيليين على معاملتهم للفلسطينيين. وعلى الرغم من أنّ إدارة أوباما أعادت التأكيد على حلّ الدولتَين، جاء ردّها شبيهاً بردّ إسرائيل، فندّدت بالخطوة معتبرة إيّاها محاولة “لإلغاء شرعية” إسرائيل. وفيما أوقف الكونغرس المساعدات المقدّمة للسلطة الفلسطينية، أعلنت وزارة الخارجية عن “مسار واسع النطاق وحثيث لكلّ عاصمة في العالم، وأنّ لهذه المسألة أولويةً بين المسائل المُدرجة على جدول أعمال كلّ اجتماع يقوم به وزير الخارجية مع كلّ قائد في العالم”.

وبحلول العام 2013، كانت عملية السلام قد توقّفت فعلياً، أقلّه كوسيلة لحلّ الصراع أو إدارته. وأنهت استقالةُ رئيس الوزراء سلام فيّاض مشروعَه الشهير ببناء دولة فلسطينية في الضفة الغربية الذي أعتبره الأمريكيون والأوروبيون، والإسرائيليون حتّى، نجاحاً باهراً. وقد نُسِبت إلى إصلاحات فيّاض، التي عُرفت “بالفيّاضية”، استعادةُ القانون والنظام الأساسيَّين وتراجع مستوى الفساد، بالإضافة إلى تسجيل أدنى عدد من الهجمات ضدّ الإسرائيليين. لكن لا نجاح إصلاحات فيّاض ولا التحسين في الأمن تمكّنا من إنشاء تحرّك نحو قيام دولة فلسطينية أو إنهاء الاحتلال. عوضاً عن ذلك، فرض الكونغرس عقوبات جديدة على السلطة الفلسطينية. وردّاً على حملة التدويل التي قام بها عبّاس، سنّ الكونغرس قانونَين جديدَين ربط بموجبهما قدرة منظّمة التحرير الفلسطينية على العمل في الولايات المتحدة بشرط تأكيد الرئيس على عدم انضمام الفلسطينيين إلى أيّ وكالة أخرى تابعة للأمم المتحدة أو قيامهم “بأيّ تحرّك” ضدّ إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية. وبذلك، ربطت هذه الخطوة صراحةً مستقبل مكتب المنظّمة في واشنطن بإصرار رئاسي على أن يخوض الفلسطينيون “محادثات سلام جدّية” مع إسرائيل.

وقد أدّى انهيارُ دورة ثانية من المفاوضات في العام 2014، مَتْبوعة بحرب أخرى في غزّة وعنف متجدّد في القدس الشرقية، إلى تسليط الضوء على الفشل المزدوج لعملية السلام التي لم تملك القدرة على حلّ الصراع ولا الوسائل لإدارته. ولم يكن من باب الصدفة أنّ المَوقعَين الأكثر عرضة للعنف يقعان خارج نطاق السلطة الفلسطينية وعملية السلام. لكن على الرغم من تحذيرات إدارة أوباما بأنّ “نافذة حلّ الدولتَين على وشك الإقفال”، تابعت الإدارة بتفادي المخاطرة. وفي الأشهر الأخيرة من ولاية الإدارة، تزايدت التخمينات بأنّ أوباما قد يطرح “معايير” خاصّة به حول مسائل الصراع الأساسية، بما فيها القدس التي أخذ مصيرها يتقرّر بسرعة جرّاء الوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض، أو قد يتّخذ خطوة جذرية أكثر عبر الاعتراف بدولة فلسطينية. لكن مع بدء العدّ العكسي واقتراب استلام ترامب الرئاسة، اختار أوباما مجدداً عدم المغامرة، مقرراً الامتناع عن التصويت على قرار يعارض المستوطنات في مجلس الأمن.

وفتح الخمود الذي اتّسمت به ولاية أوباما منفذاً لإدارة ترامب التي كانت أقلّ حياء في ترجيح كفّة الميزان لصالح إسرائيل وأكثرَ صراحةً في محاولاتها تغيير القواعد التي تسري بموجبها عمليّة السلام. وتنذر مقاربة ترامب للصراع بتغيّر في السياسة الأمريكية من تضارب المواقف إلى اللامبالاة. وعلى الرغم من تشديد ترامب الدائم على رغبته في إبرام “الاتفاقية الأهمّ”، قال إنّ الولايات المتحدة ستدعم حلّ الدولتَين “إذا وافق عليه الطرفان”، لكنّه رفض الالتزام بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي أو بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة كأهداف صريحة لعمليّة السلام مثلما فعل الرؤساء الأمريكيون الثلاثة قبله. علاوة على ذلك، باعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل، لم يتنازل عن جزء مهمّ من السطوة الأمريكية على إسرائيل فحسب، بل أزال أحد المحفّزات القليلة المتبقّية لدى السلطة الفلسطينية للمشاركة في عمليّة سلام برعاية أمريكية أيضاً. بذلك، أجبرت الإدارةُ الأمريكية الفلسطينيين على اتّخاذ قرار آخر بين احتمالَين خاسرَين: فإن تابعوا في عمليّة سلام “لا تشمل” القدس ولا تطرح خيار الحصول على سيادة حقيقية سيقضي ذلك على الأرجح على ما تبقّى لعبّاس من شرعية محلّية، وإن تابعوا بمقاطعة الولايات المتحدة، سيتيح ذلك لإدارة ترامب لفرض المزيد من الإجراءات العقابية.

دولةٌ أم اثنتان؟

نظراً إلى أنّ الفلسطينيين يشكّلون الحلقة الأضعف في السلسلة السياسية، لعلّه كان لا مفرّ من أن يتحمّلوا عبء الفشل المستمرّ لعمليّة السلام، علماً أنّ التداعيات لم تكن أقلّ ضرراً بسببها. وتسلّط معضلةُ عبّاس الضوءَ على الخطأ الفادح في تعامل الولايات المتحدة مع عمليّة السلام على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية. فقد نجحت ترسانة “العصيّ” المتزايدة لدى واشنطن في جعل القادة الفلسطينيين أكثر طواعية لكنّها جعلتهم أضعف من أن يكونوا شركاء فعّالين في المفاوضات. وبدل تسهيل السلام، ساهمت عمليّة السلام في إضعاف القادة والمؤسّسات السياسية الفلسطينيين، فيما عزّزت عدم الاستقرار والعنف. ولم يجعل مخزون “الجزر” الذي يبدو أنّه لا ينضب القادةَ الإسرائيليين أكثر قبولاً بالمساومة ولم يشجّعهم على “المخاطرة من أجل السلام”، بل ساعد على دفع تكاليف الاحتلال السياسية والاقتصادية وغيرها. وفي غياب الضغط المجدي، لم يكن لدى القادة الإسرائيليين أيّ محفّز لاتّخاذ القرارات الصعبة وغير المرغوبة سياسياً التي يتطلّبها حلُّ الدولتَين، مثل إخلاء المستوطنات اليهودية أو نقل الأرض إلى السيادة الفلسطينية أو تقسيم القدس. وحتى لو تمكّن المسؤولون الأمريكيون بطريقة ما من إقناع عبّاس بالعودة إلى التفاوض (أو إجباره على ذلك)، سيكون ضعيفاً جدّاً للموافقة على اتفاقية سلام فكيف بالحري لتنفيذها. لذا، عملياً، لا وجود لعمليّة سلام برعاية أمريكية بعد الآن.

وتبقى مسألة حلّ الدولتَين وما إذا كانت القيادة السياسية الفلسطينية الحالية قادرة على الصمود في غياب هذا الحلّ وما قد يحلّ محلّهما أسئلةً بلا جواب. فوضع قيادة عبّاس المتقلقل والغموض في شأن خلَفه والتهديد بالمزيد من التقليصات في المساعدات تُبرز الاحتمال الواقعي جداً بأن تنهار السلطة الفلسطينية. ويمثّل هلاك السلطة الفلسطينية الضربةَ الأوضح، والأفتك على الأغلب، لهدف حلّ الدولتَين. فبالنسبة إلى الكثيرين، ولا سيّما لدى اليمين الإسرائيلي والأمريكي، قد تبدو تلك التداعيات نتائجَ مقبولةً لا بل مرحّباً بها كلفتها قليلة على إسرائيل والولايات المتحدة. وقد سبق أن أزال الحزب الجمهوري، الذي يسيطر حالياً على الكونغرس والبيت الأبيض على حدّ سواء، الإشارات إلى عبارة حلّ الدولتَين من مبادئه العامة للعام 2016، وهو “يرفض الفكرة الخاطئة بأنّ إسرائيل دولة احتلال”. وبحدّ أدنى، يبدو أنّ التطوّرات الأخيرة في المنطقة تبرّر استخفاف الإدارة بالمسألة. ففي النهاية، لا يبدو أنّ المسألة الفلسطينية تحظى بعد الآن بأولويّة لدى حلفاء واشنطن في المنطقة. ويبدو أنّ الصراع يشكّل عائقاً أمام الروابط الأمنية والاقتصادية بين إسرائيل والكثير من البلدان العربية المجاورة لها. لكن نظراً إلى تاريخ الصراع الممتدّ على مدى قرن، ما من سبب للاعتقاد بأنّ الأمور ستبقى على حالها إلى أجل غير مسمّى.

في الواقع، قد يكون لسقوط حلّ الدولتَين تداعياتٌ بالغة الأثر، وليس على الفلسطينيين فحسب. فقد ساعدت اتّفاقية أوسلو على الإبقاء على الوضع الراهن المبهم الذي فيه لا دولة واحدة ولا دولتين. لكن من دون احتمال قيام دولة مستقلّة، سيتحوّل حتماً تركيزُ التطلّعات السياسية الفلسطينية إلى المطالبة بالمساواة في حقوق المواطنة لجميع الذين يعيشون حالياً في ظلّ الحكم الإسرائيلي. وقد سبق أن بدأ هذا التحوّل في صفوف الفلسطينيين الأكثر شباباً الذين يعتبر الكثير منهم أنّ مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها هي الوسيلة الأضمن للحصول على حقوقهم.

ويشكّل احتمال تحكّم إسرائيل إلى أجل غير محدّد بالملايين من الفلسطينيين الذين لا دولة لهم وحرمانها إيّاهم من الحصول على الجنسية وغيرها من الحقوق الأساسية معضلةً للسياسيين الأمريكيين أيضاً، ولا سيّما في الأوساط الليبرالية، التي عادة ما دعمت إسرائيل بقوّة لكن بدأت تتراجع في دعمها. فقد حذّر رئيس الخارجية السابق جون كيري، وهو داعمٌ قويّ لإسرائيل، أنّه من دون حلّ الدولتَين تخاطر إسرائيل بأن تصبح “دولة فصل عنصري”. ولخّص كيري في خطابه الوداعي المعضلةَ التي تواجه البلدَين: “كيف توفّق إسرائيل بين احتلالها الدائم ومُثلها الديمقراطية؟ وكيف تتابع الولايات المتحدة بالدفاع عن ذلك وتستمرّ في احترام مثلها الديمقراطية؟ لم يُجب أحد بشكل وافٍ عن هذه الأسئلة لأن لا أجوبة لها”. وقد لا يعطي الاستقطاب المتزايد في الخطاب الأمريكي حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أجوبة جاهزة، لكن بإمكانه أن يشكّل أساساً لنقاش محموم طال انتظاره.