Skip to main content
People walk past a damaged building depicting drawings alluding to the coronavirus and encouraging people to stay at home, in the rebel-held Idlib city, amid concerns about the spread of the coronavirus disease (COVID-19), Syria April 18, 2020. REUTERS/Khalil Ashawi     TPX IMAGES OF THE DAY
مقال

الحاجة إلى تأمين المساعدة الإنسانية في الشرق الأوسط باتت في أوجّها

لقد أضافت جائحة فيروس كورونا المستجدّ نوعاً من الإلحاح لمعالجة ثغرات الحوكمة والأمن في المجتمعات الانتقالية التي مرّت بأزمات سياسية وأمنية، وما زالت تمرّ بها في بعض الحالات. فقد عانت دولٌ مثل العراق حرباً أهلية مرّتين على الأقلّ في العقد المنصرم، فيما يُرجّح أن تغرق دولٌ أخرى مثل سوريا ليبيا واليمن في اضطراب سياسيّ وعنيف لسنوات وسنوات. وقد عقّد فيروس كورونا المستجدّ المحاولات لتوفير الأمن الفعّال والمستدام لأنّه يضيف طبقة أخرى إلى تحدّيات الحوكمة القائمة. في نهاية المطاف، وسّعت أزمة الصحّة العامّة هذه الخلافَ على السلطة والموارد بين المجموعات المسلّحة والحكومات الوطنية التي تتنافس لرسم معالم المشهد السياسي والسيطرة عليه. ويواجه صانعو السياسات تحديات صعبة لوضع استراتيجيات جديدة وتطبيقها لمحاربة هذا المناخ الأمني المتدهور في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

الحرب في الشرق الأوسط

في السنوات الأخيرة، قلّلت القوى العالمية من اتّكالها على القوّات المسلّحة التقليدية، وفضّلت الاعتماد على مزيج من الحرب الهجينة (استخدام مقاتلين محلّيين غير نظاميين والحرب السيبرانية والطائرات المسيّرة وغيرها) وقوّات محلّية. فقدرةُ هذه الأخيرة على المحاربة بالنيابة عن القوى الخارجية أو بالتشارك معها ورغبتُها في ذلك تجعلانها بديلاً نافعاً عن الاتكال على القوّات التقليدية ذات الحساسية السياسية الأكبر. وفي السنوات الأخيرة، عملت الولايات المتّحدة والدول الأوروبية الحليفة لها بشكل متزايد مع هذه الجهات الفاعلة، وفعلت ذلك بالتزامن أحياناً. ففي العراق، اعتمدت على القوّات المسلّحة العراقية ووحدات الشرطة العسكرية وعلى القبائل العربية السنّية في شمال العراق والمحاربين الشيعيين غير النظاميين والبشمركة الأكراد. وفي سوريا، دعم الغرب المجموعات المتمرّدة العربية والقبائل التي حاربت نظام الأسد واعتمد عليها، فضلاً عن المحاربين الأكراد في وحدات حماية الشعب. وفي ليبيا، تدعم الدول الأوروبية فعلياً الجهتَين المتعارضتين في النزاع الناشئ بين حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتّحدة ومقرّها طرابلس والجيش الوطني الليبي التابع للمشير حفتر.

التكلفة البشرية

لا يمكن الاستخفاف بالتكلفة البشريّة للصراعات الحالية والمستقبليّة. فقد أدّت الحرب في سوريا إلى نزوح نصف سكّانها، أي أكثر من 12 مليون نسمة، داخلياً وخارجياً على حدّ سواء. ونزح الملايين في العراق واليمن. وفي ليبيا، نزح مئات الآلاف من الأشخاص. والأرقام مخيفة: قرابة 13,5 مليون شخص في سوريا بحاجة إلى مساعدة إنسانية و21,1 مليون شخص في اليمن و2,4 مليون في ليبيا و8,2 في العراق. وقد هملت عدّة دول في المنطقة الرعايةَ الصحّية العامة لسنوات. بالتالي، يمكن أن تتداعى أنظمتها الطبّية تحت وزر الزيادة السريعة في حالات فيروس كورونا المستجدّ. وفي مناطق الصراعات مثل ليبيا وسوريا واليمن، استهدفت الفصائل المتحاربة وجهاتُها الراعية الخارجية المستشفيات ومنشآت الرعاية الصحّية مباشرة. وقد خّفضت الأمم المتّحدة من موظّفيها وأبقت على الأساسيين منهم وأوقفت عمليات الإجلاء المحدودة العدد أصلاً للمدنيين المصابين بأمراض مزمنة بسبب الحظر على الرحلات الجوّية في اليمن وإلى خارجها. ومنعت المجموعات المسلّحة في اليمن استعمال الإجراءات البيومترية لتسجيل متلقّي المساعدات، وذلك ظاهرياً لأسباب صحّية. ويعرقل هذا الأمر المساعدة الخارجية لشعوب محاصَرة بشدّة.

وتقدّر الأمم المتّحدة أنّ الجائحة ستوقع 8,3 مليون شخص إضافي في حالة الفقر، ممّا يعني أنّه سيتمّ تصنيف 101 مليون شخص على الأقلّ فقراء و52 مليوناً ناقصي التغذية في المنطقة العربية. لكنّ الجائحة سبق أن أدّت إلى تداعيات فورية للمجموعات والمجتمعات الهشّة. فقد ازداد العنف الجنساني في مخيّمات اللاجئين والنازحين الداخليين. وفي أواسط مارس، توقّفت تركيا عن السماح للمرضى الذين يحتاجون إلى علاج طبّي بالدخول إليها من شمال غرب سوريا، وذلك جزئياً استجابةً لفيروس كورونا المستجدّ. الأمر الذي جعل مئات الأشخاص الذين يعانون أمراضاً معقّدة كالسرطان يكافحون للعثور على مساعدة طبّية. وقد قال مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ومنظّمة الصحّة العالمية إنّ متطلّبات الحجر والقيود على التنقّل تعرقل قدرة عمّال الإغاثة على الذهاب إلى سوريا.

التحديات

يكمن التحدي الأوّل الذي يواجهه صانعو السياسات في أرجاء العالم في تطوير استجابة تعالج هذا المناخ الأمني المتدهور. وينبغي أن تركّز الاستراتيجيات الأمنية على التهديدات الإنسانية الحادّة المرتبطة بأزمة الصحّة العامة غير المسبوقة هذه. لكن ينبغي أيضاً أن تعوّل على الإجراءات والاستراتيجيات الراهنة القائمة المصمّمة لمعالجة أوجه التقصير في الحوكمة. ومن الأمثلة على ذلك تعزيزُ المصالحة بين الفصائل المتنافسة ودعمُ المجتمع المدني وتمكينُ الإعلام المحلّي، وهو أمر غاية في الأهمّية للحرص على الشفافية ونشر المعلومات الحرّ حول تداعيات الأزمات مثل أزمة فيروس كورونا المستجدّ. وسيحدّ هذا الأمر من قدرة الجائحة على الظهور مجدداً ويخفّف من تداعياتها الطويلة الأمد على تحديات الحوكمة الراهنة.

ويكمن التحدّي الثاني في أنّه ينبغي على صانعي السياسات مواجهة الطريقة التي يتمّ فيها تطبيق هذه الاستراتيجية في منطقة تُبيّن الدراسات أنّ الصراعات ستزيد فيها في المستقبل. فقد بيّنت الدراسات أنّه من بين الدول الـ105 التي عانت حرباً أهلية بين العامَين 1945 و2013 في العالم، شهد أكثر من نصفها (59 دولة) عودة إلى صراع عنيف، لا بل إلى أكثر من صراع في بعض الحالات، بعد أن تمّ إرساء السلام. وتبيّن دراسة أجراها نموذج التوجّهات المستقبلية الدولية في جامعة دنفر، وهو محاكاة إحصائية لمؤشّرات التنمية البشرية والاجتماعية، أنّه فيما كانت عدّة دول تعاني صراعاً مسلّحاً قبل الجائحة، يرجّح أن تندلع صراعات جديدة في 13 دولة إضافية حتى نهاية العام 2022، وهذه زيادة نسبتها 56 في المئة مقارنة بالتوقّعات التي سبقت الجائحة. وتنصّ هذه الدراسة أيضاً على أنّها تتوقّع الآن أن تشهد 35 دولة اضطرابات بين العامَين 2020 و2022، وهو العدد الأعلى في أيّ مرحلة من المراحل في السنوات الثلاثين الأخيرة.

الخطوات المستقبلية

تشير هذه التحديات والأزمات المتعددّة، عند جمعها معاً، إلى أنّ التداعيات الإنسانية والأمنية التي يشكّلها فيروس كورونا المستجدّ يمكن أن تكون أكبر بكثير من التكاليف البشرية المهولة التي خلّفتها الصراعات الإقليمية حتى الآن. بالتالي، ينبغي إجراء إعادة تقييم للطريقة التي ينظر فيها صانعو السياسات إلى المسائل المعقّدة والمتداخلة ويعالجونها. فينبغي منح الأولوية للاستراتيجيات التي تركّز على هشاشة المجتمعات الضعيفة في خضمّ الجائحة. ومع أنّ صانعي السياسات لن يتمكّوا من معالجة المسائل العالقة منذ زمن التي يمكن أن تشكّل مسائل بين الأجيال والتي ترتبط بدور الدولة والجهات الفاعلة من غير الدولة ومسؤولياتها ومساءلتها، من الممكن تطوير قدرة استجابة محلّية أكبر للتحديات الطارئة، مثل فيروس كورونا المستجدّ، بدون أن تُميّز هذه القدرة على أساس الأيديولوجية أو المعتقد أو الثقافة. وينبغي أنّ تشمل تأمين الإمدادات الطبّية الحيوية وعمّال الرعاية الصحّية لدعم السكّان المحلّيين، فضلاً عن التشجيع على إبرام اتفاقات طويلة الأمد بين الفصائل المتحاربة تضمن أن تصل هذه الإمدادات إلى الناس الذين يحتاجون إليها بدون أيّ عرقلة. وبإمكان هذه الاستجابة لإدارة الأزمات أن تؤمّن فرصة للحثّ على تعاون لم يكن ليحدث لولا هذه الاستجابة وأن تساعد على تأسيس على الأقلّ بعض المكوّنات الأساسية الازمة لسلام مستدام.

Get daily updates from Brookings