June

20
2013

2:00 am +04 - 4:00 am +04

المصالحة الوطنية في بلدان الربيع العربي: دروس من بلغاريا، والعراق، والمغرب، وجنوب أفريقيا

Thursday, June 20, 2013

2:00 am - 4:00 am +04

مركز بروكنجز الدوحة، الدوحة، قطر


في 19 يونيو 2013، استضاف مركز بروكنجز الدوحة ندوة سياسات حضرها كل من الحبيب بلكوش، رئيس مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية في المغرب؛ نيكولاي ملادينوف، وزير خارجية جمهورية بلغاريا السابق؛ حسين شعبان، المدير العام للمركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني في بيروت؛ وياسمين سوكا، المديرة التنفيذية لمؤسسة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا. تمحورت الندوة والتي أدارها إبراهيم شرقية، نائب مدير مركز بروكنجز الدوحة، حول التجارب السابقة للمصالحة الوطنية في كل من بلغاريا، والعراق، والمغرب، وجنوب أفريقيا، من خلال تقديم أفضل الممارسات، والنجاحات، والدروس المستقاة علّها تأتي بفائدة لدول الربيع العربي مثل تونس، وليبيا، ومصر، واليمن فيما تعمل على إعداد عقد اجتماعي جديد.

بعد مضي أكثر من عامين على إسقاط أنظمتها، وإذ بالبلدان العربية التي قامت فيها ثورات شعبية تتصارع بعملية المصالحة الوطنية. تحديات كثيرة تواجه هذه البلدان، على رأسها الطريقة الفضلى لإعادة إعمار النظام الداخلي، ومعالجة قضايا العدالة الانتقالية، كذلك تنفيذ الإصلاح المؤسساتي، بالإضافة إلى معالجة المظالم من خلال تقديم التعويضات أو تصليح الأضرار. واستناداً إلى خلفياتهم المتنوعة وخبراتهم في تحقيق المصالحة الوطنية، اتفق جميع الخبراء المتحدثون أنه لا يوجد طريقة واحدة تنطبق على جميع حالات البلدان.

وفي سياق حديثه عن تجربة العراق، وصف حسين شعبان عملية اجتثاث حزب البعث، والتي تقوم على استبعاد أعضاءحزب البعث من الحياة العامة والسياسية، بأنها مضرّة للتقدم والاستقرار في العراق. وأضاف شعبان أن إدراج أعضاء حزب البعث في الحياة السياسية العراقية كان يمكن أن يدعم انتقال البلاد إلى الديمقراطية بشكل أفضل، بالإشارة إلى السياسة المتسرّعة لرئيس سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق بول بريمر باعتبارها “القصاص الوطني” بدلاً من “المصالحة الوطنية”. فما كان من تشكيل مجلس الحكم العراقي الانتقالي في العام 2003، والذي استند على أسس طائفية وعرقية وفقاً لنظام الحصص، إلا أن عمّق الانقسامات في البلاد وأعطى الضوء الأخضر لاستمرار مسلسل العنف. وقال شعبان إنّ ما كان العراق بحاجة له هو حوار وطني فعال، مؤكداً على أهمية هكذا حوار في جميع البلدان التي تتجه نحو المصالحة الوطنية. وأشار شعبان إلى تجربة جنوب أفريقيا كنموذج رئيسي لحوار وطني ناجح. وأضاف أنه لو حدث هكذا حوار في سوريا لكان من الممكن معالجة المظالم سلمياً وتجنب النزاع الأهلي وصراع حالي حصيلته صفر.

وانطلاقاً من تركيز شعبان على الحاجة إلى حوار وطني، أكد نيكولاي ملادينوف على الضرورة الملحة لتفكيك شبكة التبعية التي لا تزال قائمة بعد سقوط أي نظام دكتاتوري. وعلى عكس العراق، لم تعتمد بلغاريا أسلوب اجتثاث حزب البعث. فقد أتاحت الفرصة للشعب للوصول إلى محفوظات الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق ، لكي يتمكنوا من اتخاذ قرارات أكثر استنارة حول المرشحين للمناصب العامة. وقال ملادينوف إنه ثمّة ثمن يُدفع لتفكيك الأجهزة الأمنية للنظام السابق على الفور، لكنه أضاف بأن يصبح الأمر أكثر تكلفة إذا لم يتم بعد وقت قصير من سقوط أي نظام شمولي. وحذّر من ثلاث عواقب: المؤسسات ذات “السقف الزجاجي”، حيث يمكن للبعض أن يصعدوا لسبب غير مفهوم في حين لا يمكن للآخرين؛ النقاش حول ماضي البلاد التي يتم في خلاله التركيز على الإيجابيات في حين يتم التغاضي عن السلبيات؛ وتطور شبكات النظام القديم التي تروج للفساد السياسي والاقتصادي.

ورداً على سؤال حول الدور الذي يلعبه إصلاح قطاع الأمن في المرحلة الانتقالية والمصالحة الوطنية وحول كيفية إجراء هذا الانتقال من دون الوقوع في فراغٍ في السلطة، أكّد ملادينوف أنّه لا بد من توازن حذر الذي يختلف باختلاف البلد. وأضاف أنه في النهاية يجب على أي نهج أن يجعل الأجهزة الأمنية تحت مساءلة قيادة البلاد المدنية. قال إنّه عندما يستعيد الناس حياتهم اليومية عاجلاً أم آجلاً، فهم يتوقعون أن يتم توفير الخدمات مثل مياه الشرب والكهرباء وأن يحصلوا الرعاية الصحية، بالإضافة إلى أمور أخرى. فإذا لم يكن النظام قادراً على تأمين هذه الاحتياجات، سيستمر الغضب الثوري يتأجج في قلوب المواطنين.

من جانبه، قام الحبيب بلكوش بتسليط الضوء على التجربة المغربية مشدداً على فكرة أنه، في أي مصالحة وطنية، يجب أن يكون هناك مشاركة على صعيد الوطن أجمع وترتيب أولويات المصلحة الوطنية. وهذا، برأيه، ما من ينقص في الحالات العربية الراهنة، حيث أتت المصالح قبل الرغبة في إجراء تغييرات فعّالة في البلاد. والجدير بالذكر أنّ التجربة المغربية للمصالحة الوطنية في عام 2004 هي فريدة من نوعها من حيث أنها – والإصلاحات المصاحبة – جرت في خلال النظام نفسه الذي حكم لعقود. وجرت العملية تحت ما أشار إليه بلكوش “بتقاسم السلطة على أساس الإجماع”. وتضمن ذلك سلسلة من عمليات من شأنها معالجة قضايا مثل حقوق المرأة، وعدم المساواة بين الجنسين، وحقوق الإنسان. أدى كل هذا إلى إنشاء دستور جديد كان بمثابة آلية نقل إلى عهد جديد من الديمقراطية بمشاركة أحزاب اليمين واليسار.

طرحت ياسمين سوكا تجربة جنوب أفريقيا وأشارت إلى أنّ التركيز الرئيسي في مرحلة ما بعد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا كان على المصالحة الوطنية وبناء الوحدة الوطنية. وأكدت أنه لا يمكن للأمم تجاهل الماضي، قائلةً، “إن المجتمعات التي لا تواجه ماضيها محكوم عليها تكرار انتهاكات [الماضي]”. ففي جنوب أفريقيا، لجأت الأطراف المختلفة إلى طاولة المفاوضات لمناقشة إمكانية العيش معاً على الرغم من جرائم الماضي واستمرار عدم المساواة. وكان الرئيس الجديد حينها نيلسون مانديلا مصمماً على إقامة المساءلة من دون خلق أعداء جدد لجنوب أفريقيا. وهكذا، أعطي للمخالفين عفو مشروط، ولكن كان هناك أيضاً عملية مكّنت الضحايا من التحدث عن تجاربهم بعد وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة. اعتمدت لجنة الحقيقة والمصالحة التي أنشئت حديثاً برنامج امتدادي مكثّف لعقد جلسات استماع علنية، بما في ذلك شهادات أعضاء سابقين في الجيش والأجهزة الأمنية. وفي النهاية، أصدرت اللجنة تقريراً متوازناً أظهر أنّه على الرغم من أن حركة التحرير قد خاضت حرباً عادلة، إلا أنّها، في بعض الحالات، انتهكت اتفاقية جنيف. فتم الاعتراف بمعانات الضحايا علنياً وقُدمت تعويضات كجزء من المصالحة الوطنية وعملية التوحيد. وحذّرت سوكا من إخفاقات تجارب جنوب أفريقيا وقالت إنّ على الديمقراطيات الناشئة في العالم العربي معالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية خلال انتقالهم، إذا ما أرادت أن تتجنب هذا النوع من التفاوت الاقتصادي الذي لا يزال قائماً في جنوب أفريقيا حتى يومنا هذا.

وفي خلال جلسة الأسئلة والأجوبة التي لحقت الندوة، سأل أحد الموجودون عن كيفية مسامحة المجتمعات للذين ارتكبوا جرائم، ليس بحق الشعب فحسب، بل أيضاً بحق الوطن عندما منعوه من التطور. فأجمع المشاركون على أنّ السؤال الذي يجب على الناس طرحه ليس كيف يمكنهم المسامحة، بل ماذا يتوجب عليهم فعله من أجل وطنهم. هل يريد الشعب أن يبني دولة جديدة، أو أنه يريد أن يعود لأساسات الحقبة السابقة؟ ويطرح هذا السؤال نفسه أمام جميع دول الربيع العربي، كما يجب أن يكون جزءاً من عملية حوار وطني طويلة – وشاقة في بعض الأحيان – من شأنها أن تأتي برؤية وطنية موحدة؛ رؤية تركّز على العدالة الانتقالية لا “العدالة الانتقامية”.

المصالحة الوطنية في بلدان الربيع العربي:دروس من بلغاريا، والعراق، والمغرب، وجنوب أفريقيا

المصالحة الوطنية في بلدان الربيع العربي:دروس من بلغاريا، والعراق، والمغرب، وجنوب أفريقيا