Commentary

اقتراح ترامب الاقتصادي فرصةٌ متخفيّة

A boy rides on a motorbike as he drives past Palestinian flags at Burj al-Barajneh refugee camp in Beirut, Lebanon, June 24, 2019.  REUTERS/Aziz Taher - RC1896B964D0

لقد منحت إدارة ترامب القيادة الفلسطينية فرصة نادرة. ففي التحضيرات المؤدّية إلى ورشة “السلام من أجل الازدهار” التي أقيمت في البحرين يومي 25 و26 يونيو، طرح البيت الأبيض اقتراحه للتنمية الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة حيث يحظى الفلسطينيون بحكم ذاتي محدود. ويتميّز المستند، المؤلّف من 40 صفحة مع ملحقٍ بقائمة بالمشاريع، بالكثير من التطلّعات والقليل من التفاصيل وانفصال كامل عن الواقع على الأرض. لكنّه في المقابل يقدّم فرصة لإثبات صحّة ادّعاءات الفلسطينيين بأنّ الإدارة الأمريكية عازمة على انتزاع حقوقهم السياسية والسير في وجهة جديدة عبر اقتراح بديلهم الواقعي المقبول الخاص بهم.

ولدى الفلسطينيين جميع التبريرات للتشكيك في إدارة ترامب. فعلى مدى السنتين ونصف السنة الماضية، اتّخذ البيت الأبيض سلسلة من الخطوات التي تهدف مباشرة إلى إضعاف المؤسّسات الفلسطينية والضغط على القيادة الفلسطينية. فعلاوة على وقف تمويل السلطة الفلسطينية، أوقفت الإدارة تمويل المشاريع التنموية والإنسانية في الوقت ذاته الذي ألحّت فيه على الحاجة إلى تنمية اقتصادية وحلول إنسانية. وابتعد الفريق المسؤول عن الوصول إلى خطّة سلام، أي كبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشنر والسفير الأمريكي في إسرائيل دافيد فريدمان ومبعوث الشرق الأوسط جايسون غرينبلات، عن عقودٍ من السياسات الأمريكية حيال وضع الأراضي المحتلة، من بينها القدس الشرقية ومرتفعات الجولان، وهدف الوصول إلى حلّ الدولتَين.

وفي خضمّ الكثير من التشكيك حيال ما يعرف بـ”صفقة القرن” التي طرحها ترامب، فضلاً عن الاضطراب في السياسة الإسرائيلية، قرّر الفريق بقيادة كوشنر وضع المكوّن السياسي في خطتهم جانباً حتّى وقت آخر وطرح القسم الاقتصادي بشكل مستقلّ. وفيما يُعتبر الفصل بين الاقتصاد والسياسة بحدّ ذاته عملاً مريباً، زادت هذه الخطوة من شكوك الفلسطينيين في أنّ نوايا إدارة ترامب عاطلة حيال مستقبلهم السياسي.

وبالفعل وبشكل فاضح، لا ذكر أبداً للكيان الوطني الفلسطيني في المستند. ولا تظهر كلمة “دولة” سوى في عبارة “الدول المجاورة”، وحتى كلمة “وطني” لا تظهر سوى مرّة واحدة لوصف مصر ولبنان والأردن. وفيما قد لا يرغب كوشنر أن يحكم مسبقاً على النتيجة السياسة، يبيّن هذا الأمر المدى الذي وصلت إليه الإدارة لحذف كلّ ما له علاقة بالسياسة من المستند. ولا تهدف التنمية الاقتصادية المقترحة سوى الوصول إلى “مجتمع حيوي”، مجتمع على ما يبدو أنّه خالٍ من التطلّعات الوطنية.

فعلاوة على افتقار المستند إلى مستقبل سياسي، هو يفتقر إلى حاضر سياسي حتّى، وكأنّ التنمية الاقتصادية ستجري في فراغ. مثلاً، ما من أيّ ذكر للاحتلال العسكري الإسرائيلي، ولا أيّ إشارة مباشرة للسلطة الفلسطينية أو حماس. ولا تُذكر إسرائيل سوى كجزء من الدول المجاورة، على الرغم من أنّه من خلال القراءة بين السطور من الجليّ أنّ إسرائيل ستبقى مُتحكّمة بحياة الفلسطينيين والاقتصاد الفلسطيني. فكيف يمكن تطبيق خطّة كهذه بينما لا يتمّ الاعتراف بالوقائع السياسية الأساسية حتى؟

يرحّب الفلسطينيون كلّهم بالتنمية الاقتصادية، بمن فيهم السلطة الفلسطينية. لكنّهم يدركون أنّ هذه التنمية لا يمكنها أن تحصل بمعزل عن تراجع متزامن للاحتلال ولعمليات الاستيطان الإسرائيلية. وحتّى فكرة أنّ التقدّم في إحدى الناحيتين سيؤمّن زخماً للناحية الأخرى ليست في موضعها الصحيح. ففي العام 2009، طرح رئيس وزراء السلطة الفلسطينية سلام فياض مشروع بناء دولة مدته سنتان بهدف دعم مؤسّسات الحوكمة تحضيراً لإنشاء دولة. وفشل هذا المشروع لهذا السبب بالضبط، ليس لأنّ الجهود لم تتكلّل بالنجاح، بل لأنّه لم يترافق بأيّ تغيير في وضع الاحتلال. فمن دون أيّ خطوة ملموسة نحو إنشاء الدولة، أصبحت المحافظة على التقدّم في بناء المؤسسات مستحيلة. فبدا وكأنّ السلطة الفلسطينية تعمل لصالح الاحتلال عوضاً عن ضدّه.

وعلى مدى السنوات الخمسة والعشرين الماضية، أُغدقت مليارات الدولارات على الأراضي المحتلة بشكل مساعدات تنموية وإنسانية، لكنّ الاقتصاد في الواقع يتحرّك بالاتجاه المعاكس. ويُعزى ذلك إلى أنّ الاحتلال لا يعيق التنمية الاقتصادية الفلسطينية ببساطة فحسب، بل يقوّضها بنشاط ويوجّه النمو نحو الاقتصاد الإسرائيلي. وبحسب الاقتصادي الإسرائيلي شير هيفر، يُقدَّر أنّ 72 في المئة من المساعدات الدولية للفلسطينيين ينتهي بها المطاف في الاقتصاد الإسرائيلي. والالتفاف حول الاحتلال بغية تقديم المساعدة التنموية مهمة مستحيلة.

وردّاً على المستند الاقتصادي الذي طرحه البيت الأبيض، رفضه محمود عباس على الفور قائلاً: “طالما الحلّ السياسي غائب لا نتعاطى مع أيّ حلّ اقتصادي”. ويشعر عباّس أنّه يتعرّض لهجوم لذا من الواضح أن كلامه دفاعي، لكن لا استراتيجية واضحة له سوى أن يرفض ما يُعرض عليه.

لا شكّ في أنّ الفلسطينيين في وضع صعب. فقد أنهى عبّاس العلاقات مع الولايات المتحدة منذ 18 شهراً بعد صدور القرار بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس والاعتراف بالمدينة عاصمة لإسرائيل. وليس قطْع العلاقات مع الولايات المتحدة في أي يوم من الأيام فكرةً سديدة. فما زال للإدارة الأمريكية الكثير من الأدوات المتاحة لمعاقبة الفلسطينيين. بيد أنّ ذلك لا يعني أن عليهم الوقوف مكتوفي الأيدي تجاه مبادرات السياسات التي تطرحها واشنطن.

على الرغم من الضرر الذي يحدثه ترامب فهو يحدث تغييرات في الأوضاع. وهذا يولّد الفرص حتّى لو لم تكن المعطيات في صالح الفلسطينيين. ويمكن أن تبدأ هذه الفرص من الاقتراح الاقتصادي. فعوضاً عن رفضه فوراً، ينبغي على القيادة الفلسطينية أن تكرّر بكثافة في الإعلام أنها تودّ أن تقبل بهذه الرؤية الاقتصادية في سياق الحصول على حقوق سياسية كاملة، سواء أفي دولة خاصة بالفلسطينيين أم ضمن دولة علمانية مزدوجة القومية. لكن على غرار المواطنين في الولايات المتحدة وإسرائيل، يريد الفلسطينيون حقّ التصويت وانتخاب القادة الذين يحكمون حياتهم، ويرفضون العيش كأتباع دائمين تحت هيمنة قوّة أجنبية. وما من مساعدات تنموية كافية لاستبدال هذا الحقّ.

وفيما لا تحتاج السلطة الفلسطينية إلى الانخراط مباشرة مع هذه الإدارة، لا ينبغي عليها أن تعترض على حضور الآخرين المؤتمرَ، لا بل فليتعهّدوا بالتبرّع بالمال، فما من ضرر في ذلك، لأنّ تلقّي تنمية اقتصادية ليس مشترطاً ضمنياً بإبطال حقوق الفلسطينيين. لكن إن حاولت الإدارة الأمريكية أن تشرطها بهذا الأمر بعد تلقّي التنمية، بعد أن تُطرح الأموال على الطاولة، فستكشف بذلك عن نفاق هذا العمل وطابعه الاستغلالي. وبعدها يمكن أن يقول كوشنر: “عذراً، لا يمكنكم الحصول على هذا المال من أجل التنمية الاقتصادية ما لم تخسروا حقوقكم السياسية”.

وتبرز فرص أخرى أيضاً. فالإدارة تقوّض مصداقية الولايات المتحدة لدى الكثير من حلفائها، ولا سيما في أوروبا، وتقضي على ما تبقّى من عملية السلام. وينبغي أن يعطي ذلك الفلسطينيين شعوراً بالتحرّر.

فقد حدّت عملية السلام من قدرة الفلسطينيين على المناورة، على الرغم من جميع محاسنها. فكلّ مرّة حاولوا الاستفادة من مواردهم المحدودة للضغط على إسرائيل، أعيد وضعهم عند حدّهم وقيل لهم إنّ طاولة المفاوضات هي المكان المناسب لمعالجة الشكاوى.

والآن قد يكون بإمكانهم إقناع الأوروبيين أنّه ينبغي وضع ضغط أكبر على إسرائيل. وينبغي عليهم إطلاق حملة عالمية تعتمد خطاباً يتمحور حول الحقوق. فالناس حول العالم قادرون على فهم المطالب بنيل الحقوق الإنسانية والسياسية الأساسية أكثر بكثير من قدرتهم على فهم تعقيدات مسائل الوضع النهائي وتبادلات الأراضي وحدود العام 1967 وتفاصيل سيادة الدولة.

وفي وسع الفلسطينيين الذهاب أبعد من ذلك واستغلال هذه اللحظة لعرض خطّة سلام فلسطينية تجمع التنمية الاقتصادية مع أهداف سياسية واضحة قابلة للتطبيق. فيرى العالم عندئذ أنّ الفلسطينيين ليسوا مجرّد رفضيّين، بل لديهم مطالب محقّة ولن يتخلّوا عنها بالمال.

Author