Commentary

Op-ed

التداعيات الوخيمة التي يرتّبها خفض التمويل الأمريكي على الفلسطينيين

A Palestinian woman rests next to a car after receiving food supplies from the United Nations Works and Relief Agency (UNRWA) headquarters at the Shati refugee camp in Gaza May 5, 2008. The United Nations is set to halt delivery of humanitarian aid to the Gaza Strip on Monday because its vehicles have run out of fuel, a U.N. official said. REUTERS/Suhaib Salem (GAZA) -
Editor's note:

تم نشر هذا المقال باللغة الانكليزية في موقع ذا هافينغتون بوست.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أواسط شهر يناير أنّه سيخفّض تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا). وقد أتى هذا التصريح مباشرة على أعقاب ما بات يُعرَف باسم “إعلان ترامب”، وهو البيان الذي أصدره ترامب في ديسمبر حول نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وقد أدّى هذا الإعلان على الفور إلى نشوب موجة من السخط والاحتجاجات وفورات من الاضطراب في أنحاء العالم العربي. ففي حال كان إعلان ترامب أشبه بزلزال، فإنّ خفض تمويل الأونروا هو الهزّة الدرامية التي تلته والتي تهدّد وجود آلاف الفلسطينيين.

تعتمد الأونروا في تمويلها على مساهمات طوعية تقدّمها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وقد أمّنت الولايات المتحدة بشكل مستمرّ ثُلثَ تمويل الأونروا السنوي، وستقتطع الآن إلى أجل غير مسمّى 65 مليون دولار من مساهماتها المالية المخطّط لها التي تبلغ 125 مليون دولار..

وستكون لهذا التخفيض تداعياتٌ واضحة وفورية ومأساوية على عدد كبير من الفلسطينيين الذين يعوّلون على إعانات الأمم المتحدة ومساعداتها. ولأنّ هذا التخفيض أتى على حين غرّة، لم تتسنَّ للأونروا فرصة التحضير أو التخطيط للعمل وفقاً لموازنة تقشّف في العام 2018. وقد هدّدت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي بوقف الإعانات بالكامل.

تُعدّ الأونروا إحدى أكبر وكالات الأمم المتحدة وأكثرها ديناميةً، فقد أمّنت المساعدة ليس للاجئين الفلسطينيين الذين يسكنون في الأراضي المحتلّة فحسب، بل لأولئك المقيمين في لبنان والأردن وسوريا أيضاً. وللأونروا تاريخٌ طويل وملفت، فقد تأسّست كهيئة فرعية تابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1949 بهدف تنفيذ برامج عمل وإغاثة للاجئين الفلسطينيين.

وقد بدأت الوكالة عملها في العام 1950، ودعمت في البداية قرابة 75 ألف لاجئ فلسطيني. أمّا اليوم، فيبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المؤهّلين للاستفادة من خدماتها حوالي 5 ملايين. وتُعتبر الأونروا وكالة فريدة من نوعها بين وكالات الأمم المتحدة، فهي تركّز حصراً على اللاجئين الفلسطينيين. ويمكن وصفها بوكالة الأمم المتحدة الأهمّ من حيث قدرتها على تقديم المساعدة الإنسانية الفعّالة.

ويستوفي كلُّ مَن ينطبق عليه تعريف لاجئ فلسطيني شروطَ الأهلية لإعانات الأونروا. ويُعرّف اللاجئون الفلسطينيون بأنّهم “أفرادٌ كانت فلسطين مسكنهم العادي في الفترة الممتدة بين 1 يونيو 1946 و15 مايو 1948، وخسروا منازلهم وموارد رزقهم نتيجة صراع العام 1948”. وتضمّ هذه الفئة ذرية اللاجئين الفلسطينيين الذكور.

لقد أحدثت تصرّفات ترامب الأخيرة تغييراً جذرياً في سياسات الشرق الأوسط وفي عملية السلام. وقد برّر ترامب قراره البالغ الأثر عبر سلسلة من التغريدات قائلاً: “ندفع للفلسطينيين مئات الملايين من الدولارات سنوياً ولا نلقى أيّ تقدير أو احترام في المقابل”.

وأكّدت التغريدات ميلَ الولايات المتحدة إلى تقديم إعانات مشروطة.

وليس واضحاً تماماً ما يعتبره ترامب “تقديراً أو احتراماً” في هذا السياق. ففي حال توقّع أن ينصاع القادة الفلسطينيون لمطالبه في ما يتعلّق بعملية السلام، فهو ينتهك أخلاقيات الأمم المتحدة. ويبدو أنّه عاجزٌ عن التفرقة بين طبيعة الإعانات الأمريكية وطبيعة إعانات الأمم المتحدة.

وبعد إعلان ترامب، بدا واضحاً أنّ الولايات المتحدة لا يسعها أن تؤدّي دور الوسيط في عملية السلام بعد الآن. وبعد خفض التمويل، أكّدت الولايات المتحدة انحيازها لإسرائيل. وتدفع مواقف ترامب أيضاً إلى طرح المزيد من التساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة أن تنكث بشكل أحادي بتعهّداتها تجاه الأمم المتحدة.

ويمكن القول أيضاً إنّ حجب الإعانات الإنسانية عن مجموعة تتوقّع الحصول عليها عن وجه حقّ يُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي. ومن الأكيد أنّ عشرات الآلاف من الأطفال سيعانون نتيجة إغلاق المدارس التي تديرها الأونروا وجرّاء انعدام الأمن الناجم عن نقص الغذاء والسلع الأساسية. ويشكّل ذلك انتهاكاً لاتفاقية حقوق الطفل التي صدّقها السواد الأعظم من دول العالم.

لقد أجريتُ الأسبوع الماضي مقابلةً مع الناطق الرسمي للأونروا في القدس الشرقية كريستوفر غانيس. وقد أوضح أنّ الأونروا مزمعةٌ على الاستمرار في تقديم الخدمات بالقدر والنوعية عينهما على الرغم من خفض التمويل. ولكي تتمكّن هذه الوكالة من تلبية الحاجات، أطلقت حملة تبرّع عالمية. وقد سبق أن زادت تركيا من تمويلها، وتعهّدت بلجيكا بالتبرّع للأونروا بمبلغ 19 مليون يورو.

وفي أوائل شهر فبراير، شدّد الشيخ عكرمة صبري، مفتي القدس السابق، على مسؤولية البلدان العربية والإسلامية لتمويل الأونروا. وقد دعت السلطة الفلسطينية إلى اعتبار 15 فبراير يوماً “للتضامن الإعلامي” مع اللاجئين الفلسطينيين والأونروا.

وفي ما يتعلّق بالحجج التي أُطلقت بأنّ حضور الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة يطيل الأزمة ويطيل الاحتلال بشكل غير مباشر، فهي مزاعم غير مقنعة. إذ لا يمكن ترك حياة الأطفال الفلسطينيين اليومية تحت رحمة عملية السلام التي لا يمكن التنبّؤ بمجرياتها.

لقد أطلقت الأونروا على حملة تبرعاتها اسم “الكرامة لا تُقدّر بثمن”. فمن خلال تسييس الإعانات الإنسانية، لا تزيد الولايات المتحدة من زعزعة المنطقة الأكثر تقلّباً في العالم فحسب، بل تخسر تدريجياً ما تبقّى لها من كرامة أيضاً.

Author