Skip to main content
Children walk past rubble of damaged buildings at Ain Tarma, eastern Damascus suburb of Ghouta, Syria July 19, 2017. REUTERS/Bassam Khabieh - RTX3C32C
مركز

قواعد عملية إعادة الإعمار في سوريا

في 17 أغسطس أشرف مسؤولون سوريون على افتتاح معرض دمشق الدولي لأول مرة منذ بدء الثورة في سوريا. روّج نظام الأسد بكثافة لهذا المعرض – وهو معرض تجاري دولي- الذي يعكس النصر الذي تعمل دمشق على استعراضه بشكل واسع حالياً، إذ اعتُبر المعرض رمزاً لانتصار دمشق على التمرّد الذي اندلع منذ أكثر من ست سنوات.

ومع أن العمليات العسكرية لا تزال مستمرة في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة وداعش، إلا أن فارس الكرتلي، مدير عام المؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية صرّح لوكالة فرانس برس بأن النظام أراد أن يكون المعرض بمثابة ” بداية لإعادة الإعمار”. وقد أعلنت الصحف الرسمية أن سوريا باتت الآن “جاهزة لمزاولة الأعمال”.

التهافت على إعادة إعمار سوريا

لقد أثار احتمال عقد صفقات إعادة إعمار مربحة شهية الحكومات والشركات الساعية إلى تحقيق الأرباح من دمار سوريا. أما المستفيد الأكبر من التهافت على إعادة إعمار سوريا، فهي أقرب حليفان لسوريا أي روسيا وإيران، دون أن ننسى الصين أيضاً.

منذ سنتين تقريباً، أعلن وفد تجاري روسي في دمشق أنّ “الشركات الروسية سوف تقود عملية إعادة إعمار سوريا بعد الحرب”. لقد مهدّت تلك الزيارة الطريق لإبرام عقود يُعتقد أنها بقيمة مليار دولار أمريكي. ومؤخراً تمت “مكافأة” متعهّدي أمن خاصين روسيين على دورهم في العمليات القتالية بعقود مربحة في قطاع النفط والغاز.

أما إيران، والتي لطالما كانت داعماً مالياً رئيسياً للنظام، فقد أبرمت صفقات تجارية جديدة مع سوريا، وشجّعت مواطنيها على الإنفاق بكثافة على العقارات، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار العقارات في بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام. كما تتمتّع إيران بالحضور الأكبر في معرض دمشق الدولي؛ بمشاركة أكثر من 40 شركة إيرانية. أما الصين، فقد استضافت الحكومة الصينية في بداية أغسطس من هذا العام “أول معرض تجاري لمشاريع إعادة إعمار سوريا”، والذي أعلنت من خلاله إحدى مجموعات التجارة العربية- الصينية توقيع تعهّد بقيمة 2 مليار دولار أمريكي من الحكومة لبناء الحدائق الصناعية في سوريا.

أما جيران سوريا، فهم أيضاً توّاقون للحصول على نصيبهم من كعكة إعادة الإعمار، وباتوا يصرّحون علانية عن طموحاتهم هذه. ففي نهاية يوليو، استضافت عمّان مؤتمراً دولياً لإعادة الإعمار بعنوان “إعادة إعمار سوريا”، برعاية نقابة مقاولي الإنشاءات ووزارة الأشغال العامة. أما لبنان، فيقوم بتوسيع ميناء طرابلس لاستيعاب الطلب الهائل على مواد البناء، الذي يتوقعه المسؤولون اللبنانيون. وفي هذا الصدد قال وزير مالية سابق “إنها فرصة يجب أن ينظر إليها [لبنان] بكثير من الجدّية”.

حتى الحكومات التي وقفت بجانب المعارضة بدأت تسعى للحصول على نصيبها. فخلال زيارة قام بها الرئيس التركي أردوغان إلى المملكة العربية السعودية في فبراير، قال عبد الرحمن بن عبدالله الزامل، رئيس مجلس الغرفة التجارية السعودية السابق، لإحدى الصحف التركية إنّ “الحرب في سوريا لن تطول أكثر من عام، وإنّ تركيا والسعودية هما من ستقومان بإعادة إعمار سوريا”.

مفاقمة المشكلة

رغم أن النظام يعمل على تقديم صورة مدروسة بعناية عن سوريا وإظهارها بمظهر الدولة المستقرّة السائرة على طريق التعافي والسلام، إلا أنّ الواقع بعيد جداً عن هذه الصورة. فقد يكون اندفاع النظام نحو إعادة الإعمار فاتحة قوية لتجدد العنف. إنّ ما نعرفه عن الظروف التي تشجّع على تكرار اندلاع العنف بعد الحروب الأهلية يثير إشارات تحذيرية مشؤومة حول ما يجري في الوضع السوري.

وتشير معطيات حديثة إلى أنه ومنذ بداية هذا القرن، اندلع 90 بالمئة من الحروب الأهلية في بلاد شهدت سابقاً عنفاً جماعياً. وفي دراسة مهمّة عن انهيار السلم بعد الحروب الأهلية، حدّد تشارلز كول الإقصاء السياسي بأنه أهم العوامل التي تسهم في تكرار العنف الجماعي. يطرح كول السؤال التالي: “في أعقاب الحروب الدموية، كيف يمكن للجهات الفاعلة الخارجية أن تساعد في تكوين مجتمع قادر على حلّ صراعاته دون اللجوء إلى العنف الجماعي؟”

تكمن الإجابة على هذا السؤال في المبادئ والأولويات التي تؤدي إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار في فترات ما بعد الصراع. ليس مستغرباً أن تكون الاحتمالات أقل لتكرار العنف في الدول التي طبقت هذه المبادئ التي وُضعت أصلاً لتخفيف المظالم والإخفاقات الحكومية التي سببت العنف الجماعي. أما في الدول التي تفاقمت فيها مظالم وإخفاقات ما قبل الحرب، فإن احتمالات تكرار العنف تكون أكبر. كلّ ما نعرفه عن مقاربة نظام الأسد في إعادة الإعمار، يؤكّد لنا أنّها سوف تزيد من حدّة العوامل التي دفعت بملايين السوريين إلى الشوارع في العام 2011، والتي أدّت في ما بعد إلى الثورة المسلحة. ومن غير المحتمل أن تستمرّ أي عملية إعادة إعمار بعد انتهاء الصراع لا تعالج المسائل الدقيقة المتعلقة بشرعية المؤسسات وقدرتها، والتي لا توفّر الأمن والعدالة والدمج السياسي للمواطنين.

على أية حال، لا يعتبر نظام الأسد إعادة الإعمار وسيلةً للتعافي الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي، بل هي فرصة للإثراء الذاتي، وطريقة لمكافأة الموالين ومعاقبة المعارضين. كما يعتبرها أساسية لجهوده من أجل تكريس التحولات الاجتماعية والديموغرافية التي برزت نتيجة ست سنوات من الصراع المسلح. وقد أكّد الأسد هذه النيّة في خطابٍ ألقاه بمناسبة افتتاح معرض دمشق الدولي. فبعد أن شكر إيران وروسيا وحزب الله قال إنّ سوريا “فقدت أفضل شبابها وبنيتها التحتية”، لكنها كسبت “مجتمعاً صحياً متجانساً”. وقد وصف المحلل السياسي العربي البارز عزمي بشارة قول الأسد هذا “بالهتلري”، واعتبره تأكيداً على نيّة “الإبادة الجماعية” التي تنطوي عليها سياسات التهجير التي يتبعها النظام.

وأدان الأسد في خطابه الرئيس التركي أردوغان، ونعته بغير الموثوق و”المتسوّل السياسي”، كما رفض أن تكون تركيا شريكة في إعادة الإعمار. وحدّد الشروط التي يجب أن تتوفّر في الدول التي ستساهم في مرحلة التعافي بعد انتهاء الصراع قائلاً:

“لن يكون هناك تعاون أمني أو سفارات أو دور للدول التي تقول إنها تسعى لإيجاد حل – بعد أن أعلنت علاقتها صراحة وبشكل لا لبس فيه بالإرهاب”… وتابع “لن نسمح للأعداء والخصوم أن يحققوا بالسياسة ما فشلوا بتحقيقه بالإرهاب”.

وقد أكّد مسؤولون سوريون كبار هذا التصريح مراراً وتكراراً، كما نقلوا إصرار النظام على أن “الأصدقاء وحدهم يمكنهم المشاركة”. وفي وقت مبكر من هذا الشهر، صرّح رئيس الوزراء السوري عماد خميس لوفد عماني زائر أنّ “أولوية الاستثمار في سوريا ستُعطى لرجال أعمال من دول صديقة وشقيقة وقفت بجانب سوريا في حربها ضد الإرهاب”.

قوانين مشاركة الجهات المانحة

إنّ طريقة النظام في مقاربة عملية إعادة الإعمار، وتوق حلفائه وجيرانه للمشاركة في عملية تزيد من حدة أسباب الصراع، لها تداعيات مهمة على كلٍ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي واليابان وعلى بعض المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي، التي تواجه تساؤلات حول ما إذا كانت ستدعم إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع في سوريا، وما آلية ذلك. ما لم تختر الجهات الفاعلة الخارجية ربط مشاركتها في إعادة الإعمار بمبادئ من شأنها تحسين آفاق السلام الدائم، فإن النصر العسكري المحتمل للنظام سيكون على الأرجح مجرد جولة أولى في حلقة واسعة من الصراع العنيف.

في ضوء الطريقة التي ينوي النظام بواسطتها متابعة إعادة الإعمار، تُرى كيف سيكون رد فعل الغرب والجهات الفاعلة الخارجية الأخرى؟ وما هي الطريقة التي يجب اتباعها في إعادة الإعمار بحيث تمنع حدوث موجة جديدة من العنف في المستقبل؟

للتخفيف من حدّة الظروف التي أدّت إلى الحرب الأهلية في سوريا، ولتقليل احتمالات تكرار الصراع، يجب أن تسترشد أنشطة إعادة الإعمار ببعض القواعد البسيطة. هذه الإرشادات تؤدي إلى مفهوم مختلف جداً لإعادة الإعمار، أكثر شمولية وأقل طموحاً مما هو متوخى من مقترحات “مشروع مارشال” سوريا، لكن مع احتمال أكبر بكثير لتحقيق نتائج إيجابية للمواطنين السوريين.

هذه هي القواعد الأربعة الأكثر أهمية:

  • تخطي الأسد. كل دولار من أموال إعادة الإعمار يصل إلى نظام الأسد هو عرضة للفساد، وسوف يثري المقرّبين منه ويعزز شرعيته ويسهم في ترسيخ رؤيته المظلمة بسوريا “أكثر تجانساً”. إن إيجاد قنوات من خارج الحدود لتمويل عملية إعادة إعمار شفافة ومسؤولة خارج نطاق سيطرة النظام هي الطريقة الوحيدة لتجنّب هذه الآثار. وعلى المدى القريب يعني هذا الأمر التركيز على المناطق التي ما تزال خارج سيطرة النظام المباشرة.
  • التوجّه إلى المحليّة. ما لم يتم توجيه تمويل عملية إعادة الإعمار وإدارتها من قبل جهات فاعلة محليّة، ستبقى المشاريع تعكس الأهداف والأولويات السياسية لنظام الأسد أكثر مما تعكس أهداف وأولويات المجتمع المحلي. وبفضل الروابط الواسعة التي حققتها الجهات الفاعلة الخارجية داخل المجتمعات السورية خارج سوريا منذ 2011، بات بالإمكان تصميم عملية إعادة الإعمار من الأسفل إلى الأعلى، بشكل يعزّز استقلالية الجهات الفاعلة المحلية ومصداقيتها، ويعكس احتياجات الداخل السوري.
  • الاكتفاء بالقليل. ورغم الحاجة إلى عمليات إعادة إعمار ضخمة في سوريا، إلا أن التمويل الواسع سوف يشجّع على الفساد وعدم الكفاءة والهدر. إنّ اتباع استراتيجية تركّز على إعادة الإعمار محلياً سيكون أكثر فاعلية فيما لو تم حصر نطاق الموارد بالاحتياجات والطاقات المحلية. وفي المناطق التي لا تقع تحت سيطرة النظام، التي لم تتعرّض للكثير من الدمار كباقي مراكز المدن في غرب سوريا، يمكن أن تكون مشاريع إعادة الإعمار الصغيرة مجدية وإيجابية إلى حد بعيد.
  • التروّي. هناك حاجة ملّحة حقيقية لعملية إعادة إعمار سوريا، بيد أن حتمية التحرّك السريع أدّت مراراً وتكراراً إلى تقديم مشاريع ضعيفة التصميم سيئة التنفيذ. ومن شأن مطابقة في وتيرة دعم إعادة الإعمار واستراتيجية ترتكز على القواعد المذكورة آنفاً أن تقلل من احتمال إغراق المجتمعات المحليّة بموارد لا تستطيع استيعابها بشكل فعّال.

إنّ الجهات الفاعلة الغربية منخرطة بالفعل في تقديم جهود محدودة ومبكرة للتعافي في سوريا، تشمل المناطق المحرّرة من داعش. ومع اقتراب هزيمة داعش عسكرياً وإبرام اتفاقات وقف التصعيد في مناطق واسعة من البلاد، سيتسارع التحول من العمليات العسكرية إلى إعادة الإعمار. إذا نظرنا إلى هذه القواعد الأربعة البسيطة على أنها معايير لتوجيه تصميم برامج إعادة الإعمار وتنفيذها، نرى أنها تؤمن للجهات المانحة السبيل لدعم تعافي سوريا في فترة ما بعد الحرب بطريقة لا تعزّز قوة وشرعية نظام الأسد، ولا تساعد في توطيد نموذج استبعادي قمعي للحكم في مرحلة ما بعد الصراع.

رغم بساطة هذه القواعد، إلا أنّ الجهات الفاعلة المؤسساتية الرئيسية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي لن تتقبّلها بسهولة، فهي تحصر عملها مع الحكومات المعترف بها فقط. ومما لا شك فيه أن هذه القواعد ستكون مرفوضة من قبل نظام الأسد وحلفائه الرئيسيين.

غير أن هذه التحديات يجب ألا تمنع الجهات الفاعلة الخارجية من الإصرار على أن تكون مشاركتها في إعادة إعمار سوريا مشروطة بتخفيف حدة الظروف التي تسببت بالحرب الأهلية السورية في المقام الأول، لا زيادتها. إن اتباع هذه القواعد سيكون خطوة هامة في هذا الاتجاه.

Get daily updates from Brookings