Skip to main content
A ship decks at Hamad port in Doha, Qatar, June 14, 2017. REUTERS/Naseem Zeitoon - RTS173KZ
مركز

التكلفة العالية والآثار الاقتصادية للأزمة الخليجية 2017

في الرابع من يونيو، صعّدت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين أزمة مستمرة مع جارتها الخليجية، دولة قطر. فقطعت العلاقات الدبلوماسية؛ وأغلقت الطرق الجوية والبحرية والبرية؛ ووضعت قيوداً على دخول مواطني قطر والمقيمين فيها إلى أراضيها؛ وأعطت مواطنيها مهلة 14 يوماً لمغادرة قطر. وقطعت مصر أيضاً علاقاتها الدبلوماسية مع قطر ومنعت عنها مجالها الجوي – إلا أنها لم تقطع عليها منفذ قناة السويس، الذي يخضع لاتفاقية دولية، ولم تطلب من مواطنيها المصريين العاملين في قطر والمقيمين فيها والذي يبلغ عددهم 300 ألف شخص مغادرة الأراضي القطرية. 

وكان الاستياء من قطر جارياً منذ سنوات، بسبب دعمها للتيارات الإسلامية، بما في ذلك الإخوان المسلمين وحركة حماس، وعلاقاتها الودية مع إيران، بالإضافة إلى استقبالها لشخصيات معارضة ومنحهم الفرصة للظهور والحديث على شاشة الجزيرة الإخبارية، القناة القطرية ذات الانتشار الواسع. وفي العام 2014، استدعت كل من الرياض وأبو ظبي والمنامة سفراءها لدى قطر. وبعد أزمة سياسية دامت تسعة أشهر، وافقت قطر على إغلاق قناة الجزيرة مباشر مصر والحدّ من الدعم الذي تقدمه لجماعة الإخوان المسلمين. إلا أنّ قطر لم تلبِّ كافة مطالب جيرانها في ذلك الوقت، مما ترك المجال مفتوحاً أمام تصعيدات مستقبلية محتملة.

هذه المرة، بالإضافة إلى استدعاء السفراء، اتخذت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين إجراءات غير مسبوقة لعزل قطر اقتصادياً واجتماعياً. وقد تسبّبت الأزمة بتعطيل التجارة، والاضرار بالعمّال والأسر، وتأخير المشاريع في قطر والدول المجاورة لها. على المدى القصير، ستتكبّد قطر التكاليف الكبرى – إلا أنها لن تكون المتأثرة الوحيدة. ولكن في حال استمرّت الأزمة، ستطوّر قطر قنوات بديلة، من شأنها أن تغيّر المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الخليج بشكلٍ سيضر بجاراتها في نهاية المطاف.

علاقات قوية

تنخرط قطر بشكلٍ كبير مع جاراتها على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، لا سيما مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فهي تستورد نحو 40 بالمئة من المنتجات الغذائية براً عبر المملكة العربية السعودية، ويأتي معظم ما يتبقى من وارداتها من خلال طرقات شحن تمرّ عبر مرافئ دبي لدوافع لوجستية وعبر الفجيرة للتزود بالوقود. كذلك، تستورد دولة الإمارات العربية حوالي ثلث استهلاكها من الغاز الطبيعي من قطر عبر خط أنابيب دولفين للطاقة. في العام 2015، بلغ إجمالي التدفق التجاري القطري نحو 2 مليار دولار مع المملكة العربية السعودية، و7 مليار دولار مع الإمارات العربية المتحدة و500 مليون دولار مع البحرين. هذا وقيمة ما تصدّره قطر إلى هذه الدول الثلاثة أكثر من قيمة ما تستورده منها.

أما الاستثمارات العابرة للحدود من الجهتين فتصل إلى عشرات المليارات من الدولارات. ويُقدَّر مجموع استثمارات القطاع المصرفي السعودي مع قطر بنحو 30 مليار دولار، وكذلك الأمر بالنسبة للقطاع المصرفي الإماراتي. بالإضافة إلى ذلك، تميل الشركات المتعددة الجنسيات إلى الانتشار في المنطقة، حيث كثيراً ما يعمل طاقم العمل في بلدٍ ويعيشون في بلدٍ آخر. قبل الأزمة، وصل عدد الرحلات الجوية بين قطر وجاراتها في الخليج إلى أكثر من 70 رحلة في اليوم.

وتجدر الإشارة إلى أنّ قطر والدول الثلاث تتشارك روابط ثقافية وعائلية قوية. إذ يبلغ عدد سكان قطر 2,7 مليون نسمة، من بينهم حوالي 10 بالمئة مواطنين قطريين. ويُقدَّر عدد السعوديين المقيمين في قطر بنحو 20 ألف شخص، ويصل عدد البحرينيين والإماراتيين الذين يقيمون فيها إلى 15 ألف شخص (لا يوجد أرقام رسمية بهذا الشأن، إنما تستند هذه التقديرات على مسح لريادة الأعمال في قطر أُجريَ في العام 2014). علاوةً على ذلك، نحو 5 إلى 10 بالمئة من الزيجات تتم بين قطريين وغير قطريين من دول الخليج. ويحق لمواطني الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي التملّك وإنشاء الشركات وتشغيلها بشكلٍ كامل في أي دولة أخرى من دول المجلس.

وقد فرقت التدابير التي اتخذتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بين الأسر. وقطعت الأزمة الراهنة سلاسل التموين، وأثرت على تدفق السلع والخدمات، وعطلت سير عمل شركات المنطقة. ويُخشى أن ينصب أي تصعيد إضافي على القطاع الخاص. ويؤثر ذلك على قطر وكذلك على الدول المجاورة، لا سيما تلك التي تعتمد على تطوير الأعمال والسياحة مثل دبي.

وتأتي الأزمة الحالية في وقتٍ تشهد منطقة الخليج العربي انكماشاً اقتصادياً حاداً بسبب انخفاض أسعار الطاقة العالمية. فقد تراجعت أسعار النفط من أكثر من 100 دولار للبرميل الواحد في أغسطس 2014 إلى أقل من 50 دولار بعد خمسة أشهر. وقد عُلّقت مشاريع كبيرة أو أُلغيت، وتأخر تسديد المبالغ المستحقة، وخُفِّضت الرواتب وقلص عدد الموظّفين ليتماشى مع تراجع العائدات الحكومية. في الواقع، بالكاد ستتمكن الأنظمة الاقتصادية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر من تحمل اضطرابات إضافية.

أنظمة اقتصادية محاصرة

بعد أن قطعت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين فجأة العلاقات مع قطر، سارع سكّان قطر إلى تخزين المواد الغذائية والعملات الأجنبية. وعلقت حمولات البضائع العابرة على الحدود السعودية، والمرافئ والموانئ الإماراتية؛ مما أدى إلى نقص مؤقت في بعض المنتجات. إلا أنه وفي غضون أيام امتلأت المتاجر مجدداً، إذ أمّنت قطر مصادر بديلة من تركيا وإيران ودول أخرى.

وفي خلال أسبوع واحد، ظهرت طرق شحنٍ بديلة عبر سلطنة عمان وغيرها من المرافئ الأبعد. وفي غضون أشهر، سيكون الوضع في قطر قد استقرّ. ولم يتأثر تصدير الغاز الطبيعي المسال كثيراً، وهو المصدر الأساسي للعائدات في قطر، وتوقعات تأثره بالأزمة قليلة جداً. إلا أنه من الممكن أن يتأثر إنتاج منتجات أخرى التي يتم تصديرها عبر أراضٍ سعودية، كالهيليوم. كما وستتأثر الخطوط الجوية القطرية بفعل القيود على المجال الجوي وسيتعين عليها تعديل نظام عملها. قد ترتفع تكلفة بعض السلع المستوردة إلى قطر، إلا أن تكاليف الشحن المنخفضة عبر سلطنة عمان قد توازن الوضع.

في حال استمرّت الأزمة، ستكون قطر قد طوّرت طرق تموين بديلة، وعدّلت خططها الإنمائية وخطط الأعمال في القطاعات الرئيسية لاستيعاب الواقع الجديد. وقد استقرت سوق الأوراق المالية القطرية بعد أن تراجعت بنسبة 10 بالمئة في الأيام التي تلت ظهور الأزمة. وسيخفّف صندوق الثروة السيادية الذي تبلغ قيمته 335 مليار دولار من تأثير الانخفاض في الاستثمار الأجنبي المباشر. صحيح أن هذه التغييرات ستؤدي إلى بعض الخسائر، إلا أنها ستخلق فرص عمل جديدة وتطرح تحالفات جيوسياسية جديدة. ولن يكون أمام قطر إلا خيار تعزيز التجارة والعمل مع دول أخرى، بما في ذلك إيران. ومع الوقت، ستصبح هذه القنوات البديلة أقوى وستحل محل العلاقات الراهنة مع مجلس التعاون الخليجي.

ومن المرجّح أن تكون الآثار الاقتصادية المترتبة على الحصار على المدى الطويل مكلفة على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين. وسيتجسد ذلك على شكل خسائر في الفرص التجارية، وعائدات السياحة والاستثمارات الواردة من قطر. ولن يكون من السهل على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة العثور على عملاء بديلين في منطقة الخليج لتصريف المنتجات والخدمات التي كانت تقدمها إلى قطر. والأهم من ذلك هو احتمال تردد الشركات المتعددة الجنسيات في الاستثمار في دولٍ تعطي الاعتبارات السياسية أولوية على المصالح التجارية. إذ تختار الشركات الاستقرار في أماكن مثل دبي، رغم التكلفة العالية، بسبب التصوّر أنّ العقود والاتفاقيات التجارية ستكون آمنة في هذه الدول.

كلما طالت الأزمة، زاد الضرر الناتج عنها على العلاقات القطرية بجاراتها على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وبالتالي، يتعين على الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أن تقيّم خطواتها وتراجع بدقّة التكاليف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تتكبّدها كل منهما. أما قطر، فيتعين عليها تجنّب تصعيد الأزمة والبحث عن طرق للتوسط مع جاراتها واتخاذ خطوات لمعالجة المسائل التي تعتري هذه الأخيرة. كذلك، يتوجب على المجتمع الدولي أن يتحرك سريعاً لنزع فتيل التوتر في المنطقة قبل أن تُلحق الأزمة الحالية ضرراً طويل الأمد بالعلاقات والأهداف الأكثر استراتيجية.

 

Get daily updates from Brookings