Commentary

هل ينبعث طائر الفينيق الإسلامي مجدداً في الأردن؟

Protesters from the Islamic Action Front carry banners and flags as they take part in a demonstration in support of Palestinians and against the violence that occurred at al-Aqsa Mosque, after Friday prayers in Amman, Jordan July 31, 2015. Masked rock-throwing Palestinians and Israeli police using stun grenades clashed on Sunday at al-Aqsa mosque plaza, on the annual Jewish day of mourning for Jerusalem's two destroyed Biblical temples. REUTERS/Muhammad Hamed

أنذرت الانتخابات النيابية الأردنية التي جرت في 20 سبتمبر بعودة الإخوان المسلمين، بعد أن نجت الجماعة من محاولة كبيرة لتفكيكها وتدميرها من قبل النظام الأردني. بعد هكذا ضعف ومقاطعة الانتخابات على مدى عقد من الزمن، أحسن الجناح السياسي للجماعة، أي جبهة العمل الإسلامي، صنعاً حين نافس للحصول على مقاعد في جميع أنحاء البلاد، ولكن هذه المرة فقط كجزء من ائتلاف أوسع. وقد فاز الائتلاف بحوالي 16 من أصل 130 مقعداً في البرلمان.

‎خفف من هذا النجاح الذي حققته الجماعة في صناديق الاقتراع المشاكل المستمرة التي خيّبت تقدم الإسلام المعتدل في الأردن في شكل عام. ويشير ذلك إلى أن الملك ومستشاريه لا يزالون ملتزمين بضمان بقاء أي دور للإسلام السياسي في البلاد محصوراً بشكل كبير.

التهميش

‎رغم أن جماعة الإخوان المسلمين هي أقدم حركة سياسية في الأردن وقد سبق لها أن لعبت دور “معارضة موالية”، إلا أنّ لطالما نظر النظام الحاكم إليها بعين الشك، ولطالما اعتبر الملك عبدالله، منذ اعتلائه العرش في أواخر تسعينيات القرن العشرين، أنّ أجندة الإخوان المسلمين متشددة ومختلفة عن طموحاته والمخاوف الأمنية المحلية والإقليمية على حد سواء.

منذ صعود داعش في جارتيها سوريا والعراق، تحالف العاهل الأردني على نحو متزايد مع القوى الغربية التي أعلنت الحرب على داعش، واستخدمت المملكة كمركز قيادة وتحكم للتدريب ودعم المعركة ضد هذه المجموعة. ‎إن عدائية الإخوان المسلمين لاتفاقية السلام بين الأردن واسرائيل واعتماد الملك عبدالله المتزايد على الولايات المتحدة كشريك استراتيجي – بالإضافة إلى ميل الجماعة لدعم جهات فاعلة إسلامية أخرى كحركة حماس – جعلت النظام يرى أنها تشكل خطراً كامناً.

داخل الجماعة، المؤلفة من أعضاءٍ أغلبهم من أصل فلسطيني، نلاحظ اتجاهين متنافسين: الصقور والحمائم. لطالما تأملت السلطات الأردنية أنه بفرض الرقابة على الصقور وبتوقيفها من جهة، ودعم الحمائم من جهة أخرى، بإمكانها أن تنجح في استمالة الجماعة. ‎في غضون ذلك، نشأت انقسامات ضمن صفوف الجماعة حول عدد من المسائل، بما في ذلك المشاركة في النظام الانتخابي الأردني. وقد نتج عن ذلك مقاطعة الانتخابات لعقدٍ من الزمن، والتي اعتبرها الإخوان منحازة ضدهم.

حصدت الاحتجاجات التي قادها الإخوان خلال الربيع العربي – وفي وقت لاحق، ضد موقف الأردن الداعم لضربات التحالف الغربي والعربي الجوية ضد داعش في سوريا والعراق، تأييداً شعبياً متواضعاً ليس إلا. كانت الجماعة في البداية تأمل في الاستفادة من الربيع العربي وصعود الحركة في المنطقة، خاصة بعد النجاحات الانتخابية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة التونسية التابعة لها. بيد أنّ ردة الفعل اللاحقة، التي بدأها اللواء عبد الفتاح السيسي في مصر في العام 2013 ودعمتها دول الخليج كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – بالإضافة إلى بروز المجموعات الجهادية السلفية مثل داعش – قد حدت من طموحات الإخوان المسلمين في الأردن. وسرعان ما انتشر الخوف من أن يرضخ الملك عبد الله لضغوطات المملكة العربية السعودية المتزايدة من أجل إعلان الإخوان منظمة إرهابية.

واستمر الخوف مهيمناً خلال العام 2014 حين أصبح من الواضح بشكل متزايد أن النظام مستعد لأن ينأى بنفسه بالكامل عن الإخوان المسلمين وأن يشن هجوماً غير مسبوق ضد الجماعة. وأصبح يبدو وكأن صبر الملك عبد الله بدأ ينفد، وبخاصة في ظل الوضع الاقليمي. وكان ذلك واضحاً عند اعتقال نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، زكي بني إرشيد، ومحاكمته وسجنه لاحقاً بتهمة الخيانة. هذا ونشرت وسائل الإعلام الموالية للنظام تعليقاتٌ تصوّر الجماعة على أنها معادية للتعددية في الأردن. وخلال العامين 2015 و2016، قام النظام بتفكيك الجماعة فعلياً، معلناً أنها غير قانونية ومغلقاً مقرّها في عمّان. كما وشجعّ على الانقسامات داخل الجماعة، مما أدى إلى قيام مبادرة زمزم والترخيص لجمعية الإخوان المسلمين التي أُعلن تأسيسها بقيادة المراقب العام الأسبق للجماعة عبد المجيد ذنيبات.

هل ينبعث طائر الفنيق من جديد؟

ومن أجل مواجهة هذه النكسات، أنهت جبهة العمل الإسلامي مقاطعتها لانتخابات هذا الشهر وتحايلت على الحواجز القانونية ضدها لكي تختبر علناً مستوى الدعم الذي لا تزال تحشده. وبذلك، تكون قد تخلّت عن شعارها الشهير “الإسلام هو الحل”، فأوفدت مرشحين إلى معظم الدوائر الانتخابية تحت لواء التحالف الوطني للإصلاح، متحالفة مع مجموعات أخرى، بما في ذلك المسيحيين. كذلك، استبدلت رسمات السيوف المتقاطعة والمصاحف، المرتبطة جداً بحملات الإخوان الماضية، بصور جديدة مرتبطة بائتلاف وطني معاصر.

ولكن من غير المحتمل أن تنذر عودة المجموعة المعارضة الأردنية التي كانت مسيطرة في يوم من الأيام إلى البرلمان بتغيير كبير. إن المقاعد الستة عشرة التي فاز بها التحالف الوطني للإصلاح (مع نحو ثمانية مقاعد لأعضاء حاليين في جماعة الإخوان المسلمين) هي بعيدة كل البعد عما فازت به الجماعة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين دعيت للمشاركة في الحكومة. ومع هذه المقاعد القليلة، لن يتمكن الإخوان المسلمون من استخدام المنصة النيابية للعمل كمعارضة هامة. رغم ذلك، نظراً للأعمال الأخيرة، يعتبر النجاح المتواضع الذي حققته الجماعة في صناديق الاقتراع نوعاً من النصر. فهو يبيّن للملك وبلاطه أن الجماعة قد تكون ضعيفة إلا أنها ما زالت على الساحة وأن المخاوف التي أيدتها لا يزال صداها يُسمع بين المواطنين.

بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، إنّ دخلوها مجدداً بنجاح سياسة الانتخابات في وقت بات من الصعب الدفاع عن مكانتها في الأردن، يعطيها فرصة للتأكد من مكانتها. ولكن سيتحدد تأثير الجماعة المحتمل بحدود الحوار الوطني حول استقرار الأردن في وقت يغيب فيه الاستقرار محلياً واقليمياً. يبدو أن جماعة الإخوان المسلمين، بغض النظر عن مدى اعتدال مواقفها في الماضي، تقف في الجانب الخطأ من خط المعركة الذي رسمه الملك عبدالله حين استهدفت داعش مملكته. ولهذا، ستُقص أجنحة طائر الفنيق المتميز هذا بشدة.

Author