مقال

لبنان : أخبار جيدة ، وسيئة، و قبيحة

Hady Amr

لقد صوت اللبنانيون، وجاءت النتائج جيدة، وسيئة، وقبيحة.

الخبر الجيد هو أن المجتمع الدولي بقيادة الرئيس الأميركي الاسبق جيمي كارتر أعلن بأن فعاليات يوم الإنتخابات خلت من الترهيب، وجرت بطريقة “قانونية سليمة”. وكان واضحا حتى للبعيدين عن الساحة اللبنانية بأن الأصوات ستحصى بطريقة شفافة، خاصة وان مؤيدي جميع الفئات كانوا على استعداد لتحمل نفقات السفر الباهظة لجلب مؤيديهم من اللبنانيين من شتى مناطق العالم لضمان أصواتهم . وهكذا اذن كان للأصوات أهميتها.

الخبر الجيد الآخر هو أنه وبعد فوز الإئتلاف الموالي لأميركا فإن لبنان لن يكون على مسار تصادمي مع الغرب. وربما هنالك اخبار جيدة لباراك اوباما أيضا حيث يقول بعض المحللين بأن خطابه في القاهرة قد خفف كثيرا من حدة المشاعر المناهظة لأميركا في المنطقة وبذلك أقنع الناخبين المترددين بالإنضمام الى الطرف الموالي لأميركا.

ولكن قبل أن ننتقل الى الخبر السيئ فعلا ، علينا أن نفهم بأن النتائج كانت غامضة . فقد انتخب اللبنانيون واقع الحال القائم في لبنان بما يبقي الإتلاف الموالي لأميركا في أعلى هرم السلطة بفوزه ب 71 مقعدا ، بينما حصل حزب الله على 57 مقعدا وهو شبيه بالتوازن الخاص بالحكومة السابقة. ومثلما حدث في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2000 حين فاز غور بالأصوات وخسر عند احصائها لصالح بوش، فأن الأتلاف الخاسر في لبنان قد حصل على عدد أكبر من اصوات الناخبين مقارنة بالطرف الذي فاز في الإنتخابات. ولحسن حظ لبنان ولأن القواعد الأنتخابية هكذا تنص، فقد احترم الطرف الخاسر النتائج مما أنقذ لبنان من مشاعر القلق والإنتظار التي عاناها الأميركيون بعيد انتخابات عام 2000. كما أن عددا محدودا من العائلات اللبنانية المتنفذة تاريخيا تمكنت من الإحتفاظ بمواقعها في البرلمان فاسحة بذلك المجال أمام دم برلماني جديد. وهذه نهاية الأخبار غير السيئة.

والآن بالنسبة للخبر السيئ تماما، فإنه يتمثل في أن القيادة السياسية في أعلى مستوياتها ما تزال وراثية، بنفس الطريقة التي يريد فيها الرئيس المصري حسني مبارك نقل سلطة رئاسة مصر الى نجله ، وكما نقل الرئيس السوري حافظ الأسد السلطة الى نجله. فهو ليس مجرد نظام سياسي بل ايضا مجموعة تحالفات تصطف الى جانب المرشحين من أجل الإبقاء على نفس الصفقات التجارية بين المقربين، والذي يدعم هذا الوضع هو النظام الإنتخابي الذي ينطوي على العديد من المشكلات أهمها عدم وجود صناديق اقتراع حكومية فعلية، اذ يقوم القادة السياسيون مباشرة او عن طريق العائلات بتسليم الناخبين قائمة باسماء المرشحين على قصاصة ورق، وغالباً ما توضع تلك القصاصات داخل صندوق الإقتراع كما هي. وبالطبع يمكن للفرد تغيير الأسماء التي ينتخبها، غير ان العملية تجري بأسلوب عشائري مشابه لأساليب المافيا أكثر منه اختيارا على صعيد الفرد.

أما الخبر القبيح هو أسوأ من ذلك بكثير. فالنظام الإنتخابي اللبناني يعتمد المحاصصة الدينية – ليس مجرد حصص للمسلمين مقابل المسيحيين فحسب بل هنالك مقاعد مخصصة للعديد من الطوائف : للكاثوليك، والأرثوذكس، والأرمن الكاثوليك، والأرمن الأرثوذكس، والموارنة، والسنة، والدروز، والشيعة، الخ .

لماذا يبدو هذا الأمر قبيحا جدا ؟
لو تم إخبار أي شخص يعيش في أميركا أو اي بلد آخر يحمل صفة الديمقراطية ، بأن تشكيلة البرلمان مقررة مسبقا وبانها ستتكون على سبيل المثال من يهودي واحد وخمسة مسيحيين ومسلم واحد وهندوسي واحد وملحد، فإن ذلك سيبدو مهيناً، ان لم نقل بأن الأمرسيبدو مزحة تافهة.

فالمرشحون يجب أن يستند ترشيحهم الى قوة أفكارهم وليس الى توجهاتهم الدينية وكيفية صلاتهم. كما أن النظام الإنتخابي اللبناني الطائفي يعمق الخلافات بين الأطراف بدلا من تقليلها ، وهو ارض خصبة لطلاب الفتن والحروب.
واذا استطاع مواطنو جنوب أفريقيا- وخاصة البيض منهم ممن خسروا كل شيئ- أن يدعوا وراءهم ماضيهم المتسخ بالتمييز العنصري ويتقبلوا نظاما انتخابيا يعتمد صوتا واحدا للشخص الواحد، فإن بوسع اللبنانيين أيضا أن يفعلوا ذلك.

ويتحمل المجتمع الدولي وكذلك اللبنانيون أنفسهم مسؤولية هذا الواقع . فليس للمُنتخبين للبرلمان بهذه الطريقة حافز لتغيير النظام الإنتخابي. ولهذا على الآخرين أن يفعلوا ذلك. فما يحتاجه لبنان هو ائتلاف خاص بالمواطنين اللبنانيين والمثقفين والمجتمع الدولي يطالب بلبنان موحد : لبنان واحد يمكن لأي مواطن فيه ، وبغض النظر عن دينه ، أن يكون رئيسا للدولة، أو رئيسا للوزراء، أو رئيسا للبرلمان. لبنان واحد يضمن الدستور فيه حق مواطنيه الكامل باختيار نمط العيش المناسب لهم بحرية كاملة دون الحاق الأذى بالآخرين. لبنان واحد تمثله دولة واحدة وبندقية واحدة دون وجود أي ميليشيات مسلحة. لبنان واحد يضمن حق المشاركة السياسية للأقليات. لبنان واحد على غرار نمط الدولة العصرية التي تتكون من المواطنين، وليس جزءاً متخلفا من بقايا الإمبراطورية العثمانية.

ولعل الأمر الوحيد الذي أبقى النظام الإنتخابي اللبناني بعيدا عن التمحيص الدولي هو وجوده الى جانب نماذج أكثر سوءاً في الشرق الأوسط الذي تسود فيه أنظمة الوراثة الرئاسية، أو يوجد فيه نظام كالنظام الإنتخابي الإيراني حيث يكون التصويت صحيحا ولكن لابد من حصول المرشحين على الموافقة المسبقة لمجلس حماية النظام الذي يحجب حق الترشح عن البعض بدوافع سياسية.

يجب أن ينتهي المطاف بنظام الإنتخاب اللبناني كما الإيراني، إلى مزبلة التاريخ، لأن مثل هذا النظام الإنتخابي مقلق، والأسوأ من ذلك أنه يكرس التجزئة التي قد تقود الى الحرب الأهلية . ويمكن أن ينشأ نظام جديد اذا طالب المجتمع اللبناني المدني بذلك، وحظي الطلب بدعم المجتمع الدولي. وسينتج عن ذلك في النهاية : لبنان ديمقراطي حقا، تقل فيه الطائفية والعنف، وتسوده الوحدة الداخلية.

المؤلف

المزيد

Get daily updates from Brookings