Skip to main content
مقال

تركيا: ليست رائدة الديمقراطية في الشرق الأوسط

لقد حدثت نخبة السياسة الخارجية التركية رؤية السياسة الخارجية للبلاد فيما يتعلق بالشرق الأوسط: وتروج تركيا الآن للديمقراطية وحقوق الإنسان هناك. وعلى الرغم من أن هذا هدف سامي، إلا أن تركيا غير مؤهلة لذلك فكريا ولا سياسيا.

وحتى حلول الربيع العربي، اتبع حزب العدالة والتنمية التركي سياسة “تصفير المشاكل” مع جيرانه في المنطقة. ولقد جعل الاقتصادي التركي القوي (من أكبر سبعة عشر اقتصادا في العالم) والموقف المؤيد لفلسطين إلى جانب التدين المعلن لزعماء حزب العدالة والتنمية وشعبية المسلسلات التلفزيونية التركية من تركيا قوة يحسب لها حساب في الشرق الأوسط. ونظرا لهذا النجاح، بدأت تركيا في محاولة حل مشاكلها الإقليمية التي استمرت منذ عقود ولكن تفاوت نجاحها في ذلك.

وحتى وقت قريب، لم يتردد الزعماء الأتراك في تملق حكام الشرق الأوسط المستبدين كسبيل لإقامة علاقات أفضل معهم. ولكن غير الربيع العربي كل ذلك، وأجبر تركيا على الانحياز إلى الشوارع ضد القصور وعدم إتباع سياسة “تصفير المشاكل”.

ويستجيب إطار عمل السياسة الخارجية التركية الجديدة للغز الذي تقدمه الثورات الشعبية في جميع أنحاء المنطقة من خلال تغيير بؤرة تركيزها. ففي ملخص سياسات صدر مؤخرا عن مركز البحوث الإستراتيجية التابع لوزارة الشؤون الخارجية التركية، أطلق طارق أوغوزلو على النهج الجديد “النسخة الثانية من سياسة ‘تجنب المشاكل مع الجيران’ التي تنتهجها تركيا”. وحاول أن يبرهن أن تركيا ستسعى لتجنب المشاكل ليس بالضرورة مع حكومات الدول المجاورة ولكن مع شعوبها ومحركها في ذلك دوافع معيارية وإنسانية في المقام الأول. ويأمل أوغوزلو “أن تشهد السنوات المقبلة ‘لمسة ديمقراطية’ في السياسة الخارجية التركية بالشرق الأوسط بما يعكس روح عملية الدمقرطة الليبرالية التركية الجارية حاليا على الصعيد الداخلي”.

وعلاوة على ذلك، في ملخص سياسات منفصل نشر في أبريل، فصل وزير الخارجية أحمد داود أغلو ما أسماه “بالسياسة الخارجية الموجهة حسب رؤية تركيا”. واستطر قائلا “إننا لن نسكت على ظلم الزعماء المستبدين وسنعمل بالتنسيق مع المجتمع الدولي على وضع حد له”. “إننا لن نتخذ خطوات تبعدنا عن قلوب وعقول شعوب منطقتنا” و”سوف نعمل على إقامة نظام إقليمي أكثر سلمية وازدهارا وندعم مطالب الشعوب الأساسية بحقوق الإنسان والديمقراطية

ومع ذلك، تفتقر تركيا إلى الرصيد الفكري والسياسي اللازم للترويج لحقوق الإنسان والديمقراطية في المنطقة. وبخلاف سياسة “تصفير المشاكل” التي اعتمدت تركيا على قوتها الاقتصادية من قبل، ستجعل النسخة الثانية تركيا تعتمد على القوة الناعمة. وتقتضي الاستفادة من قوة الإقناع المعرفة العميقة بتعقيدات سياسة الشرق الأوسط. فلقد ترك تجاهل النخبة التركية بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية للمنطقة واعتمادها اللاحق على تصنيفات الحرب الباردة تركيا غير مؤهلة لمعرفة شعوب المنطقة وتواريخها ومخاوفها الحقيقية. وبخلاف من يتعلمون اللغة العربية الفصحى لأسباب دينية، يفهم القليل من المفكرين التركيين اللغة العربية وتعتمد الغالبية الساحقة اعتمادا حصريا على المصادر الإنجليزية الأمريكية في معلوماتها عن الشرق الأوسط. 

وغالبا ما يحل اليقين الفكري محل الدراسة النقدية فيما يتعلق بالشرق الأوسط. وسرعان ما ينسب العلمانيون الأتراك الذين ينقذون الكتابات الغربية حتى تصير ذخيرة فكرية مشاكل المنطقة إلى افتقارها إلى أمثال أتاتورك، بينما يحمل المحافظون الإسلاميون (واليساريون) الاستعمار الغربي المسؤولية عما في الشرق الأوسط من مشاكل. والأسوأ من ذلك أن شريحة كبيرة من المجتمع التركي تشمت في مشاكل الدول العربية حيث أنها ترى على أنها انتقام رباني من الثورات العربية ضد الإمبراطورية العثمانية.

ولا تقدم بيوت الخبرة في السياسة الخارجية التركية والتي انتشرت في البلاد إبان حكم حزب العدالة والتنمية مساعدة كبيرة في تصحيح هذه الأخطاء. وقد سلم الكثير بالصورة المتكلفة التي ضخمها حزب العدالة والتنمية لما تتمتع به تركيا من زعامة إقليمية، ولذلك فسرعان ما أثنى أغلبهم على الحكومة لما حققته من نجاحات في السياسة الخارجية وحملوا عوامل خارجية المسؤولية عن أية إخفاقات. وبدون وقفة جادة مع النفس وتحليل المنطقة، لن تتمكن تركيا من قيادة المنطقة نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان.

فإن لم يكن ذلك كافيا، فإن قصور الديمقراطية وحقوق الإنسان لدى تركيا يمثل سببا أكبر لعدم تأهيلها للعب هذا الدور. فمنذ توليها السلطة في عام 2002، قامت الحكومة باعتراف الجميع بتحسين نواحي كثيرة من الديمقراطية التركية مثل الرقابة المدنية على الجيش وتوسيع حقوق الأكراد، ولكن ذلك ليس كافيا. فلا زالت هناك مطالب كردية مشروعة أخرى لا تجد أذانا صاغية. ولا تزال المادة رقم 216 من قانون العقوبات التركي والتي تحظر إثارة الكراهية والعداوة بين العامة” و”الإساءة إلى القيم الدينية” تستخدم لإسكات المختلفين مع الإسلام ومنتقديه. ولقد صنفت اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية في تقريرها السنوي لعام 2012 تركيا على أنها “دولة ذات مخاوف خاصة” بالنسبة للحرية الدينية وهو ما أثار جدلا كبيرا، فهذا هو أسوأ تصنيف لدى اللجنة.

وتكشف التقييمات الدولية للديمقراطية وحقوق الإنسان في تركيا عن صورة مقلقة. فلقد صنف مؤشر الديمقراطية لوحدة الاستخبارات الاقتصادية لعام 2011 تركيا في المركز الثامن والثمانين من بين 167 دولة، بينما صنف المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2011 تركيا في المركز المائة والاثنين والعشرين من بين 135 دولة. ووفقا لمؤسسة فريدم هاوس، على الرغم من تحسن الحقوق السياسية والحريات المدنية في تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، لا تزال تركيا بلدا حرا جزئيا. وهذه التصنيفات ليست مؤشرات لبلد يروج للديمقراطية وحقوق الإنسان. فليس لدى تركيا المصداقية الكافية لتصوير نفسها على أنها رائد إقليمي في هذه القضايا.

إننا لا نقول أنه ليس بإمكان تركيا أن تتولى الريادة في تعزيز الديمقراطية والترويج لحقوق الإنسان في المنطقة. فهناك حاجة ماسة لهذه الريادة، وما أكثر ما يمكن للأتراك تقديمه من حيث الاعتدال والتحديث والعلمنة إن لم تكن الدمقرطة الصريحة. ومع ذلك، ينبغي أن تراعي نخب السياسة الخارجية قول أتاتورك الشهير المعاد صياغته على النحو التالي: “ديمقراطية في الداخل ديمقراطية في العالم”. وهكذا ينبغي أن يسبق ترتيب الشأن الداخلي الترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان بالخارج.

المؤلف

المزيد

Get daily updates from Brookings