Skip to main content
A Chinese worker uses the elevator of the 270-metre-high minaret at the construction site of the new Great Mosque of Algiers, called Djemaa El Djazair, which is being built by the China State Construction Engineering Corporation (CSCEC), and overseen by Algeria's National Agency for Realization and Management (ANERGEMA) in Algiers, Algeria February 7, 2017. REUTERS/Zohra Bensemra - RC190C8B5940
مقال

بكين ترسّخ موقعها في المغرب العربي

و
ملاحظة المحرر:

نُشرت هذه المقالة بدايةً في مجلّة Le Monde Diplomatique، وتُرجِمَت إلى العربيّة والإنكليزيّة.

شدّد الرئيس الصيني شي جين بينغ عند استقباله الرئيس في بكين رئيسَ الوزراء سعد الدين العثماني في 5 سبتمبر 2018 بمناسبة الذكرى السبعين على بدء العلاقات بين الصين والمغرب، على أنّ بلاده “تعتبر المغرب شريكاً مهماً لتنفيذ مبادرة الحزام والطريق”، وهي التسمية التي أطلقتها الحكومة الصينية على مشروعها “طرق الحرير الجديدة”.


وبعد بضعة أشهر، في فبراير 2019، تزيّنت مدينة شفشاون السياحية الواقعة في شمال المغرب بألف وخمسمئة مصباح أحمر للاحتفال بمهرجان الربيع الصيني، وهذا حدث لا سابق له. على إثر ذلك، لم تتوانَ الصحافة المحلية، التي أدركت تماماً هذا الأمر، عن التركيز على تزايد الحضور الصيني التدريجي في المغرب الأوسط، وبشكل عام في شمال أفريقيا.
ومع أنّ المشاريع الجارية لا تزال قليلة، بات عددٌ من البلدان مثل مصر والجزائر والمغرب يشكل جزءاً من استراتيجية الصين للانتشار في المنطقة التي تُعتبر منطقة استراتيجية نظراً إلى تموضعها على التقاطع بين الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب أوروبا وحوض المتوسط. ومن بين القطاعات الرئيسية التي تعكس هذا الحضور المتزايد: التجارة وتطوير البنية التحتية وبناء الجسور وإطلاق جهات وصل بحرية جديدة والتعاون المالي والسياحة والتصنيع.

وتستند بكين إلى حجتَين رئيسيتَين لكي تتميّز عن منافسيها الغربيين. الحجّة الأولى هي السياسة الرسمية بعدم التدخّل بالشؤون الداخلية الخاصة بشركائها الذين يجدون في هذا الأمر منفذاً جذاباً من الالتزامات التي يفرضها التعاون مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فتعتبر الرباط وتونس العاصمة والقاهرة أحياناً أنّ معاهدات الشراكة الموقّعة مع الاتحاد الأوروبي مقيِّدة للغاية 1. أما الحجّة الثانية، فتكمن في البراغماتية والانتهازية اللتين تتّصف بهما السياسة الصينية. ففيما يتم اتخاذ القرارات في الصين عبر تسلسل قيادة شديد الترتيب، ممّا يسرّع عملية اتخاذ قرارات الاستثمار، غالباً ما تأخذ الموافقة على قرارات من هذا النوع الكثير من الوقت في العواصم الغربية. بالإضافة إلى ذلك، تتميز الصين بقدرة فريدة على تقديم تمويل ويد عاملة رخيصين لتطوير البنى التحتية، وهو مجال تعجز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على المنافسة فيه. وحدث هذا الأمر مثلاً عند بناء آلاف المساكن في الجزائر بين العامَين 2002 و2010. فمن يناير 2005 حتى يونيو 2006، أبرمت الصين مع الجزائر 29 عقداً كبيراً لقاء قيمة إجمالية تبلغ 22,22 مليار دولار أمريكي 2.

وتعود علاقات بكين مع بلدان شمال أفريقيا، ولا سيّما الجزائر ومصر، إلى أواخر فترة الاستعمار، وقد أتت نتيجة دعم أيديولوجي لحركات التحرير الوطني. وشكلت الصين البلدَ غير العربي الأول الذي اعترف بالحكومة المؤقتة لجمهورية الجزائر (بين العامَين 1958 و1962)، وقدّمت دعماً دبلوماسياً مهماً لحرب الاستقلال التي شنّتها جبهة التحرير الوطني (بين العامَين 1954 و1962). وكان جمال عبد الناصر، من جهته، القائد العربي والأفريقي الأول الذي اعترف في العام 1956 بجمهورية الصين الشعبية. بالتالي، من دون أن تضطلع جمهورية الصين الشعبية بدور دامغ بقدر دور الاتحاد السوفياتي، شكّلت دعماً متيناً لنظام الرئيس المصري في مواجهاته ومناوشاته الكثيرة مع الغرب.

لكن في بداية الألفية، حوّلت الصين اهتمامها في هذه المنطقة لأسباب اقتصادية. وتشكّل مبادرة الحزام والطريق تعبيراً عن هذا التحوّل. بالطبع، ما زال جنوب آسيا المستفيد من أغلبية المشاريع الناجمة عن هذه المبادرة، غير أنّ التوسع نحو الغرب باتجاه أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا جارٍ على قدم وساق. فقد أنشأت بكين شراكة استراتيجية شاملة مع الجزائر ومع مصر في العام 2014، وشراكة استراتيجية مع المغرب في العام 2016. أما مصر، فتحظى بأكبر قدر من التبادل التجاري، إذ تتخطى المبيعات الصينية في مصر 8 مليارات دولار أمريكي سنوياً. وتستمر تدفقات رأس المال بالتزايد. ففي نوفمبر 2018، أشار الأمين العام لاتحاد المصارف العربية وسام فتوح إلى أنّ الاستثمارات بلغت 15 مليار دولار أمريكي 3، وهي مخصّصة رسمياً لتمويل المشاريع العقارية ومشاريع البنى التحتية من أجل العاصمة الإدارية الجديدة في شمال شرق القاهرة ولمصنع بتروكيميائي ومحطة محتملة لتكرير الماء وتخزينه ومحطة عاملة على الفحم لتوليد الكهرباء.

أما الجزائر، فهي تشكل أحد الشركاء الاقتصاديين الأقدم والأبرز لبكين التي تهتم باحتياطها الهائل من النفط والغاز. ففي العام 2013، انتزعت الصين المرتبة الأولى من فرنسا، وفي العام 2018، وصلت صادرات الصين إلى 7,85 مليار دولار أمريكي، وهو رقم قياسي للتجارة الصينية في المغرب العربي. وتنشط الشركات في المقام الأول في قطاعات البناء والإسكان والطاقة. وفي الجزائر، تهتمّ الشركات الصينية في المقام الأول بقطاعات البناء والإسكان والطاقة. فتبرز في الجزائر مشاريع بناء مهمة، مثل دار أوبرا الجزائر وفندق شيراتون وجامع الجزائر والطريق السيار شرق-غرب. بفعل هذه المشاريع، قدم آلاف العمال والتجار الصينيين الذين بنوا “حيّاً صينياً” في قلب حي بوسحاقي في الضاحية الشرقية لمدينة الجزائر. وقد نشبت مشاجرات عدة مرات مع السكان المحليين، ولا سيّما في صيف 2009 وصيف 2016. ويبقى هذا الحضور سبباً للتوتر المتكرر4.

وفي المغرب، منذ أن زار الملك محمد السادس الصينَ في العام 2016، ازدادت الاستثمارات والتبادلات التجارية أيضاً. وأضحت المنصةُ الأولى لميناء طنجة المتوسط في الشمال الميناءَ الأكبر للحاويات في أفريقيا، متجاوزاً منافسَيه بورسعيد (في مصر) وميناء ديربان (في جنوب أفريقيا). وتخطّط شركات مثل شركة الاتصالات العملاقة هواوي لتشييد مراكز لوجستية محلية في الميناء. وبمناسبة الذكرى العاشرة على تدشين الميناء، أعلنت الرباط عن مشروع استثماري بقيمة 10 مليارات دولار أمريكي يحمل اسم “مدينة محمد السادس طنجة تيك” ومن المفترض أن يضم مئتَي مصنع في السنوات العشرة القادمة، ليصبح المغرب بذلك المقر الصناعي الصيني الأكبر في القارة.5

وتسعى الصين أيضاً إلى توطيد علاقاتها التجارية مع تونس وليبيا. ففي العام 2018، وقّعت مذكرات تفاهم في إطار مبادرة الحزام والطريق مع هذين البلدَين 6. ومع تونس، بلغت المبيعات الصينية متوسطاً سنوياً قدره 1,85 مليار دولار أمريكي منذ العام 2016، مما يضعها في المرتبة الثالثة بعد فرنسا وإيطاليا. وبعد اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا في العام 2011، اضطرت بكين إلى إجلاء مواطنيها والانسحاب من مشاريع واستثمارات مهمة. غير أنّ وارداتها من النفط الليبي ازدادت أكثر من ضعفين منذ العام 2017. وقد ذكرت الحكومة الصينية عدّة مرّات أنهّا جاهزة للمشاركة في إعادة البناء متى عاد السلام إلى الأراضي الليبية 7.

ونظراً إلى اهتمام الصين بالسيطرة على الطرق البحرية، استثمرت من خلال شركة كوسكو الصينية للملاحة البحرية في موانئ طنجة وشرشال (في الجزائر) وبورسعيد والإسكندرية، بالإضافة إلى ميناء بيرايوس (في اليونان)، وموانئ في إسرائيل وتركيا وإيطاليا. وتخصّصت الصين أيضاً في مدّ الكابلات البحرية، وهو عنصر مهم في استراتيجيتها لتطوير الاتصالات. فقد صمّمت شركة شبكات هواوي البحرية كابل “حنبعل”، الذي يربط تونس بإيطاليا، ومدته في العام 2009، بالإضافة إلى مدّها كابلاً مهماً آخر يربط ليبيا باليونان في العام 2010. وقد ولّد هذا الأمر هواجس في أوروبا التي تخشى أن تستفيد بكين من هذا المشروع لجمع معلومات حساسة. وازدادت هذه الهواجس عندما أكّد مسؤولون سريلانكيون أنّ الصين شدّدت على مكوّن جمع المعلومات الاستخباراتية الذي يرصد كامل حركة الملاحة عبر ميناء هامبانتوتا الذي سيطرت عليه بالكامل في العام 2017، مقابل إلغائها لدين قدره 1,2 مليار دولار أمريكي8.

وتسعى الصين أيضاً إلى زيادة نفوذها في المنطقة من خلال انخراط ثقافي أكبر. ففي إطار مذكرات التفاهم الموقعة بين ملك المغرب والرئيس شي في العام 2016، تمّ تدشين مركز ثقافي صيني في الرباط في ديسمبر 2018. وتضمّ مصر معهدي كونفوشيوس واقعَين في جامعة القاهرة وجامعة قناة السويس، بالإضافة إلى أنّها تضمّ مركزاً ثقافياً صينياً في العاصمة. وفي تونس، افتُتح معهد كونفوشيوس الأول في نوفمبر 2018. وفي خلال قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني الأفريقي في سبتمبر 2018، قررت الحكومة الصينية أيضاً أن تزيد من عدد المنح للطلاب الأفريقيين، بمن فيهم الطلاب في شمال القارة، لكي يتمكنوا من متابعة دراساتهم العليا في الصين، فوعدت بتقديم 50 ألف منحة و50 ألف مساعدة أخرى للتعليم. وبالنسبة إلى الطلاب الأفريقيين، باتت تشكل الصين الوجهةَ الثانية بعد فرنسا، فقد ارتفع عددهم من 2000 في العام 2003 إلى قرابة 50 ألف في العام 2015، أي بازدياد قدره 25 ضعفاً.

ولكي ترسّخ بكين نفوذها، أسّست منظمات إقليمية مثل منتدى التعاون الصيني الأفريقي ومنتدى التعاون بين الصين والدول العربية، على الرغم من أنّها تتعامل حالياً مع كل بلد شمال أفريقي بشكل أساسي ضمن إطار ثنائي. ويعكس هذا الانخراط الدبلوماسي مبدأ “نوع جديد من علاقات القوة المهمة”، الذي تسعى الصين بموجبه إلى أن تنخرط مع بلدان أصغر متى تضافرت ضمن منتديات إقليمية مهم9 . ولا تُعتبر هذه البلدان قوية بما يكفي لتتيح تعاوناً عالي المستوى إلا عندما تبلغ هذا المستوى من التعاون.

أمّا العمليات العسكرية، فقد بدأت أوّلها في العام 2011، عندما ساعد جيش التحرير الشعبي الصيني على إجلاء آلاف العمال الصينيين من ليبيا قبل أن تباشر منظمة حلف شمال الأطلسي بشنّ الغارات الجوية ضد نظام معمّر القذّافي. بعد ذلك جرت مناورة عسكرية صينية روسية مشتركة في العام 2015 في المتوسط. وبشكل خاص، افتتحت بكين أوّل قاعدة عسكرية لها في جيبوتي في العام 2017، مما يضع الساحل الغربي من المتوسط ضمن نطاق قواتها البحرية والجوية. وفي يناير 2018، توقفت سفينتان حربيتان من مجموعة الحراسة البحرية الصينية السابعة والعشرين في مدينة الجزائر للقيام “بزيارة ودية” امتدت على أربعة أيام كجزء من جولة مدتها أربعة أشهر.
وفي غضون عقدَين فقط، عزّزت الصين موقعها في شمال أفريقيا. لكن لا يزال من المبكر استخلاص نتيجة نهائية من هذا التمركز. فما زال ينبغي تقييم تداعيات حضورها الزائد الذي قد يترك على المدى البعيد آثاراً سلبية في الحسابات العامة، ولا سيّما في حال كانت المشاريع المموَّلة غير ضرورية. بالمثل، لا تنفك الاستثمارات الاستراتيجية، ولا سيّما في الموانئ، تزيد من قلق البلدان الغربية المدركة لإمكانية استخدام هذه البنى التحتية لغايات أمنية.

الحواشي

  1.  Béligh Nabli, « Accord et désaccord entre l’Europe et la Tunisie », L’Économiste maghrébin, Tunis, 26 février 2016.
  2. Hassan Haddouche, « La Chine en Algérie : le commerce en attendant les investisseurs », Tout sur l’Algérie, 9 mai 2018.
  3.  « Chinese investments in Egypt hit $15 B », Egypt Today, Gizeh, 14 novembre 2018.
  4. Célian Macé, « À Alger, “au fond, on ne veut pas des Chinois” », Libération, Paris, 6 septembre 2017.
  5. Hayat Gharbaoui, « Tanger Tech : le chinois CCCC exige les mêmes avantages que Renault et PSA », Médias24, 30 avril 2019.
  6.  Lamine Ghanmi, « Tunisia joins China’s Belt and Road Initiative as it seeks to diversify trade, investment », The Arab Weekly, Londres, 9 septembre 2018.
  7. Safa Alharathy, « Libya joins China’s Belt and Road Initiative », The Libya Observer, Tripoli, 13 juillet 2018.
  8. Maria Abi-Habib, « How China got Sri Lanka to cough up a port », The New York Times, 25 juin 2018.
  9. Alice Ekman, « China’s regional forum diplomacy », Institut d’études de sécurité de l’Union européenne, Paris, 24 novembre 2016.
Get daily updates from Brookings