Skip to main content
مقال

الحصاد الأولمبي للعالم الإسلامي

Hady Amr

مع انتهاء الألعاب الأولمبية التي شهدتها العاصمة الصينية بكين تم تسليم 958 ميدالية، ذهبت 532 منها للرجال، و396 للسيدات في ما ذهبت 30 ميدالية للألعاب الرياضية المشتركة، أي الزوجي بين الرجال والسيدات.

في المقابل، شهد العام 2008 تطلع كلٍ من قطر وأذربيجان لاستضافة الألعاب الأولمبية في العام 2016. لقد تم بذل جهود جلية ونبيلة من قبل هذين البلدين، ذي الغالبية المسلمة، ليقدما عرضيهما لاستضافة الأولمبياد، ويبرزا صورتيهما على المسرح الدولي، رغم استبعاد طلبيهما.

بيد أن ثمة سؤالاً آخر، ربما، كان على العالم الإسلامي أن يطرحه على نفسه يتعلق بكيفية حث ودعم الشباب كي يكافحوا من أجل الوصول إلى مصاف الإنجازات الإنسانية في الحقل الرياضي.
ورغم أن العالم الإسلامي يشكل سكانه نحو مليار وأربعمئة ألف نسمة، بما يوازي 22 في المئة من سكان العالم، إلا أنه لم يحصد سوى 6 في المئة من الميداليات الأولمبية الأخيرة، ذلك أن 60 ميدالية فقط ذهبت إلى مواطني الدول ذات الغالبية المسلمة، منها 44 ميدالية للرجال و15 ميدالية للسيدات، في ما ذهبت ميدالية واحدة إلى ألعاب الزوجي المشترك. وهذا يشير إلى أن السيدات الحاصدات للميداليات اللواتي ينتمين إلى البلدان ذات الغالبية المسلمة حصلن على 4 في المئة فقط من الميداليات الأولمبية الأخيرة المخصصة للسيدات. وما كانت حصة العالم العربي، الذي يضم ثلاثمئة مليون مواطن، من الميداليات؟ إن سكان العالم العربي يشكلون 5 في المئة فقط من سكان العالم، وبالتالي فإن النظرية تقول إنه يجب أن يفوزوا بـ 5 في المئة من الميداليات. إلا أنه بدلاً من ذلك فقد فاز العالم العربي بأقل من 1 في المئة من الميداليات، ونسبة النساء العربيات اللواتي حصدن ميداليات بلغت 0.5 في المئة فقط.

أما إذا ما تم طرح سؤال ما هي الدول التي ربحت أعلى رقماً من الميداليات، فالجواب لن يكون مفاجئاً، ذلك أن الدولتين الأكبر والأغنى هما اللتان تصدرتا القائمة. فالصين التي حصدت 51 ميدالية ذهبية من ضمن مئة ميدالية في أولمبياد بكين هي الدولة الأكبر، إذ يقطنها نحو مليار وأربعمئة ألف نسمة، بما يعادل سكان العالم الإسلامي. تليها الولايات المتحدة التي حصدت 36 ميدالية ذهبية من ضمن 110 ميداليات. فاقتصاد أميركا يوازي 14 تريليون دولار، بما يعادل 21 في المئة من الاقتصاد العالمي. ولذلك يبدو أن لعدد سكان وثروات الدولتين تأثير واضح في هذا المجال.

وبالمقارنة، يتضح أن الولايات المتحدة نالت ميداليات تسع مرات أكثر من العالم الإسلامي. وفي الواقع، فإن رياضياً واحداً هو السباح الأميركي مايكل فيلبس حصد ثماني ميداليات ذهبية منافساً العالم الإسلامي كله الذي حصد تسع ذهبيات. كما أن دولاً صغيرة ضعيفة اقتصادياً خططت كي يسطع نجمها في الرياضة. فجامايكا، تلك الدولة الصغيرة تمكنت من نيل11 ميدالية، فإذا قمنا بحساب عدد الميداليات للفرد يتبين أن جامايكا حصدت ميداليات بمعدل 95 مرة أكثر من العالم الإسلامي. وهذا يدل بوضوح على وجود خطأ ما، إذ أن الدول على اختلافاتها الأيديولوجية كالصين الشيوعية، والولايات المتحدة الرأسمالية، وجامايكا الفقيرة، قدمت عروضاً أفضل من العالم الإسلامي بشكل دراماتيكي.

إن مواطني العالم الإسلامي الذين يقومون بأعمال صعبة لا ينقصهم التصميم الفردي. وحتماً فإن اللوم لا يقع على الدين، وكما هو معلوم، فإن النبي محمد(صلى الله عليه وسلم)، شجّع المجتمع الإسلامي على تعليم الأطفال السباحة والرماية وركوب الخيل (وكلها ألعاب أولمبية بدأت المنافسة فيها على الأقل منذ العام 1900). إضافة إلى ذلك، فإن الدول المنتجة للنفط، بالتأكيد لديها الأرصدة لرعاية الرياضيين في أرجاء العالم الإسلامي، أو على الأقل في العالم العربي. وما يبدو أنه مفقود هو الإحساس بضرورة إعطاء هذا النوع من الإنجازات الإنسانية نوعاً من الأولوية في البلدان ذات الغالبية المسلمة.

بالطبع، يمكن التذرع بأن على العالم العربي أن يركز على قضايا أخرى مثل مواجهة البطالة، وتطوير التعليم، وتوسيع المشاركة الديمقراطية، أو النهوض بالاقتصاد، لكن ما يحصل في الدول حول العالم أنها دائماً تقوم بدعم وتشجيع رياضييها في الوقت الذي تنتشل نفسها من الفقر. ويكفي مجرد التفكير في مشاركة الولايات المتحدة والدول الأوروبية في الألعاب الأولمبية أثناء فترة الكساد العظيم. من الفرق الرياضية، كما في كرة السلة، إلى الرياضات الفردية كالسباحة، لقد استطاعت وجوه الرياضيين وقصصهم وأداءهم أن تجلب سعادة الإنجاز الإنساني إلى المسرح الدولي، كما جسدت جمال الثقافات والأمم.

رغم أنه قد تمضي فترة من الزمن قبل أن يستضيف العالم الإسلامي الألعاب الأولمبية مجدداً (سيراييفو العاصمة الحالية للبوسنة، والتي غالبية سكانها من المسلمين، استضافت الألعاب الأولمبية الشتوية عام 1984)، فإن العالم الإسلامي باستطاعته – وهذا ما يجب – أن يركز جهوده في تشجيع الشباب على الكفاح من أجل المجد وأن يصبح مثالاً للآخرين. الحل البسيط – إذ ما أوجدت غالبية دول المنطقة الإرادة السياسية- وهو جمع الأموال من الدول الإسلامية الأغنى وإنشاء لجنة تموّل الرياضيين والواهب على صعيد المنطقة.

لكم أن تتخيلوا لو أن العالم الإسلامي استطاع مضاعفة ميدالياته الأولمبية من 60 إلى 120 في أولمبياد لندن 2012، وهذا ما سيضع أداء العالم الإسلامي بالكفة ذاتها مع الصين التي توازيه بعدد السكان. وحتى أفضل من ذلك، تخيلوا لو أن الأولمبي الذي سيحصد الميداليات الذهبية الثماني المقبلة، والتي ستتصدر عناوين الصحف العالمية، لم يكن مايكل فيليبس، بل ينالها بدلاً عنه سالم رمزي من الجزائر أو المغرب أو البحرين أوعائشة أحمد من إندونيسيا أو بنغلادش أو مصر! عندها سيكون هذا الأمر، حتماً، ملهماً في العالم الإسلامي، وربما نقطة تحوّل في علاقته مع بقية العالم.

هادي عمرو هو مدير مركز بروكنجز الدوحة وباحث في مركز سابان لسياسات الشرق الأوسط في مؤسسة بروكنجز.

المؤلف

المزيد

Get daily updates from Brookings