Commentary

هل من فرصة للاحتواء؟ الاتفاق الإيراني والبلدان العربية المجاورة

هناك نظرية بارزة بشأن تأثير الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 على المنطقة العربية تقول إنّ التدخل الإيراني في الشؤون العربية الداخلية سيزيد، نظراً لأن الاتفاق سيمنح إيران القدرة على الوصول إلى موارد مالية كبيرة كانت مجمدة في السابق. لقد قامت إيران بتمويل حربين أهليتين في سوريا واليمن على الأقل، في حين أنها تخضع لعقوبات دولية صارمة – يمكن للمرء أن يتخيل ماذا سيفعل الإيرانيون مع عشرات مليارات الدولارات الإضافية.

وتكتسب هذه النظرية مزيداً من الشعبية في المنطقة الآن وقد أُبرم الاتفاق. من جهته، كتب الأمير بندر بن سلطان آل سعود أن الاتفاق سوف يجعل إيران “تعيث فساداً” في الشرق الأوسط. وفي حين أن مخاوف البلدان العربية مبررة، إلا أنه لا يزال بإمكان إيران أن تعتبر هذا الاتفاق فرصةً لتعزيز تفاهم أوثق وتعاون أقوى مع جيرانها العرب. يعتمد تأثير الاتفاق الإيراني في نهاية المطاف على كيفية تعامل إيران ودول عربية مختلفة مع هذا الاتفاق في المستقبل: هل سيشكّل أساساً لعنف أكثر حدّة أو سيوفّر أرضية جديدة لتعاون متبادل مستقبلي ذي منفعة لكافة الأطراف.

أولاً، إنّ الدول العربية لا تعترض على طبيعة الاتفاق بين إيران والغرب. سيكون من شـأن اتفاق نووي ذي مصداقية أن يجنّب منطقة تملؤها الحروب الأهلية أصلاً خطر الوقوع في حرب أكثر تدميراً. ولن تطال نتائج هذه الحرب المدمرة إيران فحسب، بل أيضاً دول الخليج المجاورة لها. وفي هذا الصدد، قال المعلق السعودي البارز جمال خاشقجي، في الوضع الطبيعي يفترض لنا أن نرحب بالاتفاق ولكن الأهم بالنسبة لنا هو كيف ستتصرّف إيران على المستوى السياسي بعد التوقيع على هذا الاتفاق وكذلك بعد رفع العقوبات.

إنّ مخاوف العرب بشأن كون إيران قوة مزعزعة للاستقرار مستقبلاً لم تأتِ من العدم. أولاً، لقد تُرِكَت الدول العربية خارج المفاوضات، مما خلق شكوكاً كبيرة حول نوايا واشنطن الحقيقية بشأن الترتيبات الأمنية في الخليج. أصبحت دول الخليج قلقة للغاية من أّن الاتفاق قد تمّ على حساب تحالفها مع الولايات المتحدة.

ثانياً، ما زالت الدول العربية تذكر كيف تصرّف الرئيس أوباما تجاه “الخطوط الحمراء” التي رسمها ضد نظام الأسد بشأن مسألة استخدام الأسلحة الكيميائية. لجأ الغرب عموماً وواشنطن خصوصاً لإبرام اتفاق يخدم أجندتهم الخاصة – من خلال تجريد الأسد من أسلحته الكيميائية – ولا مانع لديهم ان يعطى له مطلق الحرية للاستمرار بقتل الشعب السوري بالبراميل المتفجرة، وأساليب أخرى. تشعر الدول العربية بالقلق من أن يعتمد الغرب ترتيبات مماثلة من خلال جعل المشروع النووي الإيراني في خدمة أجندتها الخاصة، وفي المقابل السماح لإيران أن تفعل ما تريد في المنطقة، مما قد يشعل حروباً إضافية ويُؤجج تلك الحروب القائمة أصلاً. من المحتمل جداً أن دول الخليج بالأخصّ ستتصرف على أساس مخاوفها وتصوراتها لتداعيات هذا الاتفاق. وبفعلها هذا، من شأن سباقٌ عدواني على التسلّح – بالإضافة إلى حروب بالوكالة أخرى – أن تكون النتيجة الطبيعية لهذه المخاوف. ولكن، لا ينبغي أن يسلّم الإيرانيون والعرب بالتصعيد الناتج عن توقيع الاتفاق النووي. ثمّة مجالٌ واسعٌ لتحويل المسألة من تهديد إلى فرصة.

ولكن في البداية، لا بد أن تتواصل إيران والمملكة العربية السعودية بشكل مباشر. تحتاج هاتان الدولتان إلى إقامة حوار صريح لا يتناول الحاجات الملحة للحد من تصعيد الصراع في المنطقة فحسب، كما هو الحال في سوريا واليمن، بل أيضاً العلاقات الثنائية لفترة ما بعد الاتفاق النووي. وكان الرئيس أوباما قد دعا لـ “حوار عملي” بين إيران والدول العربية. ولا بد أن تكون في قلب هذا الحوار ترتيبات أمنية وتعاون مستقبلي. من أجل ذلك، يتعين على إيران أن تأخذ أولاً مبادرة صادقة من شأنها أن تعالج مخاوف الدول المجاورة، لا سيما في سوريا واليمن ودول الخليج.

إنّ الخطوة الأولى نحو اتفاق شامل وحد للصراع تكمن في الانخراط الجدي الذي يشمل الحلول السياسية للصراعات في المنطقة على أن تحترم هذه الحلول استقلال الدول المتأثرة وسيادتها ووحدتها. والبديل لذلك سيكون مستويات غير مسبوقة من العنف، لا سيما وأن الحرب بالوكالة تمتص الموارد المالية الإيرانية التي حررها التوقيع على الاتفاق النووي، وبالتالي ستُراق المزيد من الدماء في المنطقة العربية. مما لا شك فيه أنّ الاقتصاد الإيراني يحتاج بالتأكيد إلى هذه الموارد، إذ يكفي ما أريق من الدماء العربية. وستبقى الكرة في الملعب الإيراني إلى أن تأخذ إيران مثل هذه المبادرة.