Research

التنمية الإقليمية في تونس: تداعيات التهميش المركَّب

Younes Fekraoui, 26, who is an unemployed graduate, holds his degree certificates at a street at the impoverished Zhor neighborhood of Kasserine, where young people have been demonstrating for jobs since last week, January 28, 2016. REUTERS/Zohra Bensemra - GF10000288051

وقفت العوامل السياسية والاقتصادية والمؤسّساتية تاريخياً في تونس حاجزاً أمام التنمية الإقليمية (أو التنمية الجهوية، المصطلح المستخدم في السياق التونسي). فلم تحرص خطط النخبة على التوزيع العادل للموارد، المادية منها (الأموال العامة والاستثمار على مستوى الدولة وعلى المستوى المحلّي والبنية التحتية) وغير المادية (القدرات الإدارية والعدالة التوزيعية والآليات القانونية) على حدّ سواء. ولم تُحدِث هذه الخطط أيّ أثر في وجهات نظر المستثمرين والسياسيينحيال هوامش تونس الاجتماعية الاقتصادية. ففيما يطلق المسؤولون وعوداً واهية في إحداث تنمية إقليمية، تزداد الهوّة بالاتساع بين السياسات التي يصرّح بها أصحاب السلطة وتوقّعات المجتمعات المحلّية. 

بالتالي، عجزت الخطط الحكومية والخطاب السياسي عن الوفاء بالوعد القاضي بتحقيق تنمية إقليمية ضمن إطار عمل شامل للتخفيف من الحرمان.فكانت النتيجة ما سُمّي بـ”التهميش المركَّب”. ويُشار هنا بمفهوم التهميش المركَّب إلى نوع من التباعد الإقليمي والمكاني والتراكمي الذي يَبرز من خلال حالة حرمان اجتماعية اقتصادية وسياسية. ولا بد من أن يكون الهدف توزيع أكثر تكافؤاً ليس للعدالة فحسب، بل لتشاطر الأعباء أيضاً، أي لتخفيف الحرمان والفقر في أنحاء تونس. وللتهميش المركَّب في تونس ثلاثة أبعاد. أوّلاً، يتألّف التهميشُ المركَّب من التباعد الإقليمي عن الدولة باعتباره تهميشاً، مع إحالة جنوب البلاد وغربها إلى مكانة مهمّشة. والمستوى الثاني هو التباعد الاقتصادي والإنمائي عن تحقيق القيمة، ممّا يعيق القدرة على إنتاج السلع والخدمات وإيجاد فرص عمل. أمّا المنحى الثالث، فهو التباعد الإنساني، الذي فيه ينفصل الأشخاص عن الثروة الوطنية والعدالة التوزيعية. ويُشار هنا بالتباعد إلى خسارة القدرة وإمكانية التجدّد الذاتي في ما يخصّ القيمة والهوية والانتماء. وكما سنستعرض لاحقاً باختصار، يمكن أن تتضمّن المؤشرات المترابطة للتهميش المركَّب التفاوت في الحصول على الرعاية الصحّية وثروة الموارد الطبيعية والهواء والمياه النظيفَين والمدخول والتوظيف والتعليم وحتّى مجالات المشاركة السياسية. يتناول ملخّص السياسة هذا معضلةَ التهميش في تونس من منحى إنمائي. ويتدرّج على النحو الآتي: أوّلاً، يستعرض التجربةَ التونسية في التنمية الإقليمية، متوقّفاً عند فكرة “تنمية التخلّف”. ثمّ يسلّط الضوء على خطوط الانقسام الناجمة عن تهميش المناطق الداخلية والجنوبية في تونس، مبيّناً ارتباطها بحالة الاستياء والاضطراب في البلاد. أخيراً، يختم الملخّص بتقديم توصيات السياسة ويقترح إعادة التفكير في موضوع التنمية الإقليمية مع مقاربة شاملة تستفيد من القدرة الفاعلة المحلّية. المناطق الرئيسية: الولايات التونسية بحسب المنطقة Region Key المصدر: مركز بروكنجز الدوحة، 2019 كشفت ثورة العام 2010 و2011عن مآزق إنمائية ملحّة تطال الأمّة بأسرها في تونس. فعلى الرغم من الدرجات العالية التي حقّقتها البلاد في مؤشرات تنمية متعدّدة، انعكست “الاختلالات المتأصّلة” في اقتصادها، المتراكمة على مدى عقود، في عجزها عن خلق فرص عمل أو تحقيق نموّ شامل ومستدام ضمن نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي تهيمن عليه مجموعة صغيرة من النخب.“تنمية التخلّف” في تونس وتفاقمت معضلة الإنماء في تونس بفعل إشكالية التنمية الإقليمية التي عجزت عن التبلور منذ استقلال البلاد. فشهدت التنمية الإقليمية بدلاً من ذلك نزعةً تقسيمية. إذ كانت مشروعاً تديره الدولة بأدنى تفاصيله. وكان هذا السلوك يناقض الغاية التي يتمّ من أجلها تشجيع القدرة الفاعلة الاقتصادية والملكية المشتركة في مناطق تونس الوسطى والداخلية الفقيرة. إنّ السياسات التي طبّقها الحبيب بورقيبة، الرئيس التونسي بين العامَين 1957 و1987، وزين العابدين بن علي، الذي حكم من بعده لمدّة ثلاثة عقود، أدّت إلى بروز ما سمّاه غوندر فرانك بـ”تنمية التخلّف” (development of underdevelopment). فقد طغت على البلاد علاقات غير متوازية بين المناطق المركزية والطرفية: فاستغلّت المناطق المركزية رأسمال المناطق الطرفية ومواردها، معرقلةً أيّ قدرة لتحقيق اكتفاء ذاتي اقتصادي أو تجديد ذاتي، ممّا أوقع المناطق الطرفية في دينامية فاقمت التخلّف بدل إزالته. ولم يتابع بورقيبة وبن علي تنفيذ سياساتهما التي صرّحا بها والتي تقضي بالحرص على تأمين استثمارات متجدّدة مخصّصة كانت موجّهة للمناطق المحرومة. ولا يمكن التحقّق ممّا إذا كانت الدولة تهمل مناطق البلاد الوسطى والداخلية قصداً بشكل قاطع وملموس. وتقترح إحدى وجهات النظر أنّ هذا النوع من سياسات التهميش انبثق عن “استعمار محلّي” و”هيمنة” في نمط من التوزيع فضّل تاريخياً الشمال والوسط الشرقي (الساحل) على الجنوب والوسط.غير أنّ الإنماء غير المتساوي يسبق الدولة التونسية ما بعد الاستعمار. ويبدو أنّ النُخب السياسية قد عزّزت هذه السياسة بعد الاستقلال من خلال تخفيض مستوى هذه المناطق اقتصادياً وسياسياً ودينياً وثقافياً عبر إدارات متتالية منذ عهد بورقيبة حتّى اليوم.طبقات التهميش المركَّب سواء أكان عمداً أم لم يكن، ساءت حال مناطق مثل الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب الغربي والجنوب الشرقي مع مرور الوقت، فغدت مناطقَ تعاني تهميشاً مركَّباً. وغابت المشاريع للمساعدة في فرص العمل والصناعة والرعاية الصحية والسكن. الفقر والبطالة يرتفع مستوى الفقر والبطالة أكثر بكثير في المناطق المحرومة، كما تُظهره الرسوم البيانية أدناه. وعلى الرغم من الانخفاض الاجمالي في معدّلات الفقر على مستوى الأمّة من 23,1 في المئة في العام 2005 إلى 20,5 في المئة في العام 2010 وإلى 15,2 في المئة في العام 2015، لا تزال الهوّة التي تمّ قياسها في العام 2010 بين المناطق كبيرة جدّاً. وبحسب المعهد الوطني للإحصاء في تونس، تتفاوت معدّلات الفقر دون الوطنية بشكل ملحوظ: فتصل إلى قرابة 26 في المئة في الشمال الغربي و32 في المئة في الوسط الغربي، مقارنةً بحوالي 8 أو 9 في المئة في منطقتَي الوسط الشرقي وتونس الكبرى في العام 2010 (الرسم البياني 1). وترتفع معدّلات البطالة أكثر على نحو مماثل في الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب الغربي والجنوب الشرقي. وكما يُظهره الرسم البياني أدناه، تبرز آفاق تفاقم البطالة خصوصاً في الجنوب الغربي والجنوب الشرقي، مع وصول معدّلات البطالة الإقليمية في العام 2016 إلى 25 في المئة و25,3 في المئة تباعاً. في المقابل، يضمّ الوسط الشرقي أدنى مستويات البطالة: أي 11,1 في المئة في العام 2014 و10 في المئة في العام 2016. وتُسجّل أيضاً منطقتا الشمال الشرقي وتونس الكبرى معدّلات بطالة أدنى تقارب حوالي 13 في المئة (الرسم البياني 2). الرسم البياني 1: معدّلات الفقر والفقر المدقع بحسب المنطقة في العام 2010 Figure 1 Arabicالمصدر: المعهد الوطني للإحصاءالرسم البياني 2: معدّل البطالة في تونس بحسب المناطق في العامين 2014 و2016 Figure 2 Arabicالمصدر: المعهد الوطني للإحصاءالحصول على الموارد يشكّل أيضاً توزيع الفوسفات والمياه خير مثال على التفاوت الإقليمي. فقد كان حوض الفوسفات في تونس في جنوب ولاية القفصة عنواناً للاحتجاجات لسنوات وسنوات. إذ كان السكّان يتجمّعون معارضين البطالة ومطالبين بالاستفادة من أرباح الموارد المحلّية. وكما قال أحد المحتجّين: “نعاني تلوّثاً جرّاء إنتاج الفوسفات، لكنّنا لا نستفيد من صادراته. في العاصمة يتمتّعون بحياة رغيدة، أمّا هنا فلا نملك شيئاً”. ويتمّ أيضاً تحويل حصّة غير متساوية من مياه البلاد إلى العاصمة والمناطق الساحلية والمدن الكبرى. ففيما تمتّعت تونس الكبرى بحقّ شبه كامل في الحصول على مصدر ماء محسَّن في العام 2010، يبقى المعدّل أدنى بكثير في منطقتَي الوسط الغربي والشمال الغربي. وعلى الرغم من أنّ الشمال الغربي يحتوي على معظم إمدادات الأمّة من المياه العذبة، فهو يعاني شحّاً في فصول الصيف، لأنّ الحكومة تقطع الإمدادات عن المناطق الريفية والداخلية وتحوّلها إلى المدن الكبرى. وقد عبّر المحتجون عن استيائهم وشعورهم بالظلم من خلال تعطيلهم المضخّات التي تنقل المياه إلى العاصمة. علاوة على ذلك، لقد تمّ استنزاف الموارد و/أو المدخول من هذه المناطق المحتاجة من أجل دعم التجديد الاجتماعي الاقتصادي في المناطق الحيوية والميسورة من شمال البلاد وساحلها. ويواجه الأشخاص الذين يسكنون المناطق الريفية، مثل سجنان في ولاية بنزرت (في الشمال الشرقي)، صعوبةً في الحصول على مياه شفة آمنة على الرغم من أنّهم أغنى بالموارد المائية بعشرة أضعاف من المتوسّط الوطني. ويُبرز ذلك انعدام المساواة بين المدينة والريف الذي تعانيه كلّ منطقة في تونس، بما فيها المناطق الأكثر تطوّراً مثل تونس الكبرى والشمال الشرقي والوسط الشرقي. ويفاقم ذلك من التفاوتات الإقليمية الحادّة. ولا تعمل الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في ولاية سجنان (الشمال الشرقي)، لذلك قد يمضي السكان ساعتَين يومياً لنقل مياه الشفة. ويستعين سكان تغزاز في ولاية جندوبة (الشمال الغربي) التي لا تبعد سوى كيلومترٍ واحدٍ من سيدي البراق، ثاني أكبر سدّ في البلاد، بحميرٍ لنقل المياه من الينابيع العامة، ويضطرّون في بعض الأحيان إلى شرب المياه من خزانات صنّفتها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه على أنها غير آمنة.الضرر الصحي والبيئي لطالما كانت ولايات تونس وسوسة والمنستير تتمتّع برعاية صحية أفضل، على عكس ولايات جندوبة والقيروان والقصرين وسيدي بوزيد التي لطالما كانت “الأقلّ تفضيلاً” بين ولايات تونس الأربع والعشرين. وكانت أيضاً نسبة وفيات الرضع أعلى في الجنوب (21 وفاة لكلّ ألف رضيع) والوسط الغربي (23,6 وفاة لكلّ ألف رضيع) من المتوسّط الوطني البالغ 17,8 لكلّ ألف رضيع في العام 2009.وتفاوت متوسط العمر المتوقع بين المناطق: فوصل إلى 77 في تونس وصفاقس مقابل 70 في القصرين وتطاوين في العام 2009.وبانتشار قرابة 70 في المئة من الأطباء المختصين على الساحل، تتخطّى مشكلة توزيع الرعاية الصحّية مجرّد نقص في عدد الأطباء. ويطال أيضاً التهميش المركَّب في تونس أموراً خارجية سلبية ناجمة عن المشاريع الصناعية الرديئة الإدارة واستخراج الموارد غير المدروس. فقد تسبّب تلوّث الهواء بـ4631 حالة وفاة مبكرة في تونس في العام 2012 – بسبب أمراض الجهاز التنفسي وسرطان الرئة والأمراض القلبية والرئوية والسكتة، وذلك بالاستناد إلى الأرقام التي أعطتها منظّمة الصحّة العالمية. واللافت أنّ التلوث حتّى متركّز أكثر في وسط البلاد وجنوبها.إذ يمتلك مثلاً المجمع الكيميائي التونسي مصنعاً كيميائياً ناشطاً قرب منطقة شطّ السلام (المعروفة بشطّ الموت) في قابس (الجنوب الشرقي). وتؤدي المخلّفات التي يتخلّص منها المصنع الكيميائي بشكل سيّئ والتلوث الذي يتسبّب به إلى إحداث ضرر بيئي كبير في المنطقة وإلى قتل النبات والأسماك. وتتضمّن الأمراض سرطان الرئة والربو وغيرها من أمراض الجهاز التنفسي وترقّق العظام، وقد اعتبرها السكان مرتبطة بمصنع أسمدة قريب. وتنجم هذه المشاكل الصحّية عن رمي الفوسفوجيبسوم في البحر بما يخالف قانون المياه الذي أصدرته تونس بذاتها عام 1975. الإقصاء السياسي بعد مرور سنوات على الثورة التونسية، يترافق التهميش المركَّب يداً بيد مع التهميش الاقتصادي والاجتماعي المستشري في البلاد، ولا سيّما بين الشباب التونسيين. وقد برز استياء يغلي منذ فترة طويلة جرّاء إقصاءات اجتماعية واقتصادية وسياسية مع نشوب أولى ثورات الربيع العربي الشعبية. لا عجب إذاً في أنّ مستوى المشاركة السياسية الرسمية، مثل التصويت في الانتخابات والعضوية في الأحزاب السياسية، منخفض بشكل ملحوظ بين فئة الشباب التونسيين المتراوح عمرهم بين 15 و29 عاماً. بدلاً من ذلك، تبقى المشاركة السياسية غير الرسمية (مثل الاحتجاجات السياسية) الطريقة الأشيع للتعبير عن الشكاوى الاجتماعية السياسية. واستبعاد الشباب عن الساحة السياسية أكبر في المناطق الجنوبية والداخلية من البلاد.ويتفاقم الانقسام الريفي الحضري ضمن المناطق جرّاء الهوّة الإقليمية بين الساحل والداخل أيضاً. ويساهم الانقسام الرقمي أيضاً في شعور الشباب بأنّهم مستبعدون في الداخل. وتظهر وجهات النظر حيال استجابة السياسيين إلى حاجاتهم، وبالتالي قدرة الشباب على التأثير في التنمية، أعلى بكثير في المدن (38 في المئة للشبان و38,9 في المئة للشابات) مقارنة بتلك المنتشرة في المناطق الريفية (11,5 في المئة للشبان و12,4 في المئة للشابات). وتختلط هذه المواقف مع وجهات نظر واسعة الانتشار باستشراء الفساد. إذ يرى سكّانُ المناطق خارج تونس العاصمة محسوبيات إقليمية في الاستثمارات العامة والخاصة على حدّ سواء تحوّل بشكل غير مُنصف الأموال إلى تونس العاصمة والساحل (الوسط الشرقي) بدلاً من مناطق البلاد الداخلية.التنمية الإقليمية في تونس ما بعد العام 2011 تبقى التنمية الإقليمية أساساً لمكافحة التهميش المركَّب ولتسريع النموّ المحلّي. غير أنّ تعزيز تأصّلها في تونس يتطلّب التزاماً أقوى بالحوكمة الرشيدة والعدالة التوزيعية وروح المبادرة المحلّية التي تستفيد من الموارد المنتَجة محلّياً. ويركّز مفهوم التنمية الإنسانية المتمحور حول الناس والتابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي على إزالة العقبات أمام حرّية الاختيار والقيود على القدرة، وهو بالتالي قادر على وضع الأسُس للتنمية الإقليمية. وتنبثق التنمية الإنسانية، التي تشكّل “عملية ونتيجة على حدّ سواء”، عن فكرة أنّه “على الشعب أن يؤثّر في الإجراءات التي ترسم معالم حياته”. ويتضمّن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، التنمية الاقتصادية.فلا يرتبط الفقر بالمدخول فحسب، بل هو “متعدّد الأبعاد” أيضاً، ويتضمّن قدرة الوصول إلى الخدمات العامة والحرمان في ما يخصّ الصحّة والتعليم ومستوى المعيشة.بشكل عام، يعزّز الفقر المتعدّد الأبعاد التهميشَ المركَّب. وبما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة للعام 2030 التي وضعتها الأمم المتحدة، الاستدامة هي “مسألة إنصاف في التوزيع، ضمن الأجيال وعبرها على حدّ سواء”. ويصف مركزُ الأمم المتحدة للتنمية الإقليمية التنميةَ الإقليمية على أنها السعي إلى “توزيع متوازن للسكان والأنشطة الاقتصادية في سياق مكاني بهدف تحقيق الإنصاف والتماسك الاجتماعي/العدالة الاجتماعية”. وينبغي أن تتضمّن التنمية الإقليمية “تخطيطاً تشاركياً”، بالإضافة إلى الانتباه إلى المخاطر البيئية والكارثية وفق “مقاربة متكاملة ومتعدّدة المجالات”.وتركّز أيضاً المقاربةُ “الجديدة” لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي إزاء التنمية الإقليمية على الاستفادة من المنافع المحلّية والإقليمية بالإضافة إلى “الحوكمة المشتركة”. ويجدر أن يمنح التنسيق بين الحكومات الوطنية والإقليمية والمحلّية الأولوية للحكومات المحلّية بما أنّها تعمل أيضاً مع أصحاب مصلحة خارجيين. والاستقرار والسلام الاجتماعي مسألتان هامّتان في تونس “الجديدة” بعد العام 2011. لذلك، ينبغي أن يحظى اعتمادُ مقاربة متكاملة بالأولوية. فقد شهدت تونس تداعيات رهيبة ناتجة عن الاستقصاء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي طال الشباب خصوصاً، بحسب ما ظهر في تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016. وقد ازدادت محاولات التونسيين في عبور البحر نحو الشواطئ الأوروبية بشكل ملحوظ منذ احتجاجات القفصة في العام 2008. وفي العام 2014، أتى من المناطق التونسية الوسطى والجنوبية 67 في المئة من مجموع المهاجرين التونسيين المحتجزين من السلطات الليبية. وتستمرّ حركة الاحتجاجات في المناطق المحرومة من البلاد أيضاً. ففي الجندوبة (الشمال الغربي) مثلاً، احتجّ السكان والمزارعون المحلّيون مؤخراً على عجز الدولة عن تأمين قدرة وصول محلّية إلى المياه المتوافرة بغزارة.وقد عطّلت الاحتجاجات مراراً عملية استخراج الفوسفات في الوسط الغربي على مدى السنوات الستّة المنصرمة، ممّا أدّى إلى تكبّد خسائر تخطّت 180 مليون دولار أمريكي وعجز ملحوظ في الميزان التجاري. وقد اعترض سكان القفصة، في الوسط الغربي للبلاد، على ممارسات التوظيف في شركة الفوسفات الحكوميةفي ولايةٍ يصل معدّل البطالة فيها إلى 28,3 في المئة؛ وتتّصف المفاوضات بين الاتّحادات العمّالية والحكومة الحالية بالوعرة.وفي خلال أشهر من الاعتصامات والاحتجاجات التي أوقفت إنتاج النفط والغاز، لم يوقف سكان تطاوين وقبلي التظاهرات إلّا بعد أن وقّعت حكومة رئيس الوزراء يوسف الشاهد اتفاقيةً مع المحتجين تعاهدهم بفرص عمل في شركات النفط وبصندوق تنمية وبمشاريع بيئية. وغالباً ما ارتبطت أيضاً زيادة راديكالية الشباب التونسيين بالتهميش. ففي دينامية وطنية إقليمية عالمية مرتدّة، نشطت مجموعات مثل أنصار الشريعة على طول المناطق الحدودية مثل بن قردان، في ولاية مدنين الجنوبية.وقد تمّ التأكد أيضاً من حقيقة عمليات تجنيد أجراها تنظيم داعش وغيرها من الميليشيات في سوريا وليبيا لمحاربين تونسيين من المناطق المهمّشة.تفادي خطوط الانقسام من خلال سياسة التنمية في هذه الورقة، تُعتبر التنمية الإقليمية في تونس ما بعد العام 2011 تفعيلاً لخطوة بادرت بها الحكومة نحو توازن إقليمي في توزيع الموارد المادية وغير المادية. وتتطلّب انتباهاً خاصاً للمجموعات المُهمّشة مكانياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً من أجل الحرص على إنتاجية اقتصادية متجدِّدة ذاتياً. وعليها أن تضمّ أيضاً عمليات تشمل السكّان المحلّيين والمجتمعات المحلّية من خلال اللامركزية، بالإضافة إلى انخراط جهات فاعلة رسمية وغير رسمية ووطنية ودولية. بالتالي، من الممكن إعادة التفكير في التنمية الإقليمية وإعادة هيكلتها كنمط متكامل يضمّ الوسط – الهامش، والرسمي – غير الرسمي، والمحلّي – الوطني، والوطني – الدولي، وعلاقات التآزر بين القطاع العام والقطاع الخاص. وعلى صانعي السياسات أن يجدوا الأدوات والدعم والتمويلات المناسبة لتنفيذ سياسات ملائمة وفعّالة. هذه هي رسالة الشعب المتمثّلة بشعار احتجاج تطاوين “الرخ لا”.ويعني هذا الشعار السعي بلا هوادة إلى تحقيق العدالة التوزيعية ومواصلة المسيرة للمطالبة بقدرة الوصول والفُرص، فيشقّون بذلك طريقاً للخروج من مشكلة التهميش المركَّب نحو الحرّية والكرامة. ويجدر بصانعي السياسات أن يجتهدوا بالعمل على تفعيل وتطبيع الأحكام الدستوريةالتي تُمأسس موجباتها نحو توزيع أكثر توازناً وإنصافاً للموارد. والإخفاق في تحقيق ذلك يجعل من تكاثر التهميش المركَّب بدلاً من إصلاحه أمراً محتمّاً. التوصيات بشأن السياسات النموّ الشامل: ليس على صانعي السياسات في تونس أن يبدأوا من الصفر. فبهدف التماشي مع أهداف شبيهة بتلك المُدرجة في تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016، ينبغي تعديل مفهوم النموّ الشامل ليتلاءم مع الواقع المحلّي، مع تركيز خاص على الشباب.فيجدر أن تهدف تنمية المناطق المحرومة إلى: “خلق فرص توظيف منتِجة ومجزية في قطاعات يعيش ويعمل فيها الفقراء، وتعزيز الشمولية في الموارد المنتِجة، ولا سيّما المالية، والاستثمار في أولويات التنمية الإنسانية المرتبطة بأولئك الذين تمّ إهمالهم” من خلال مجموعة من تدخّلات السياسة.صندوق تنمية إقليمية: من الممكن مؤازرة النموّ الشامل من خلال سياسات تتّخذ إجراءات تمييز إيجابي. ويمكن أن يؤدّي صندوقٌ للتنمية الإقليمية (بتمويل من وديعة وطنية ودوليةومساعدات خاصة) دور آلية تعويضية مستقلّة عن الموازنة الوطنية. فيعيد بذلك العدالة في العملية الإنمائية بشكل عام ويقلّص الاعتماد على المساعدات المتضائلة التي تقدّمها الدولة. وهو يتضمّن إجراءات للحماية الاجتماعية ومنافع لمجموعات محدّدة (مثل النساء والعاطلين عن العمل والشباب وأولئك الذين يعانون أمراضاً صحّية مرتبطة بقلة التنمية). ويعني ذلك، من الناحية المادية، تحويل نسبة صغيرة من العوائد من الثروة الوطنية. ويجدر تأسيس صندوق تنمية خاص يرتبط أيضاً بالجهود المبذولة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في تونس.فمن الممكن مثلاً إثراء التمويل والبرامج التي تستهدف بطالة الشباب مثلاً من خلال الشراكات الدولية، كما هو الحال مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تمثيل ومشاركة إقليميان: على الرغم ممّا يُزعَم غالباً بأنّ اللامركزية تشكّل حلاً ممتازاً لمشاكل تتعلّق بقلّة التمثيل، فقد تصبح أيضاً أداة لبروز خللٍ منظَّم من خلال “التأخّر وعدم الفعالية في الموازنة”. إذ تُظهر تجارب حديثة في أوروبا وآسيا أنّ اللامركزية ليست خالية من المخاطر. فقد أشار مثلاً عددٌ كبير من الحالات الملحوظة في تركيا واليونان والدنمارك واليابان إلى التقسيم المكثّف لموارد الموازنة والموظفين، بالإضافة إلى تكرار المسؤوليات بين البيروقراطيات الوطنية ودون الوطنية.ومع أخذ هذه التحديات بعين الاعتبار، قد يكون من اللازم إنشاء غرفة جديدة في البرلمان التونسي تمثّل الأقاليم أو المناطق. وقد يشكّل ذلك آليةً أخرى تدعم التوجّه نحو اللامركزية، الذي تَعزّز في الانتخابات البلدية لهذا العام.وقد تتوافق خطوة من هذا النوع مع الأحكام الدستورية لتشريع الحكومة المحلّية، كما تنصّ عليه المواد 133 حتّى 136. ولم يتمّ تحديد بعد الطريقة التي ستتعامل فيها البلديات، التي باتت تتمتّع بتفويض شعبي جديد، مع مشكلة التمثيل الإقليمي في ما يخصّ مركز البلاد السياسي. فقد تشكّل الغرفة المذكورة أعلاه، التي على الأرجح أن تتّخذ شكلَ هيئةٍ تمثيلية شبيهة بمجلس الشيوخ، طريقةً للتوفيق بين الحاجات والمصالح المحلّية/الإقليمية والوطنية/المركزية. ومن شأن هذه المؤسسة أيضاً أن تسهّل وضعَ مؤشرات للمساءلة والممارسة الحسنة، فتطوّر قواعد أخلاقية للممارسات الإنمائية، مع معلومات متاحة للعموم حول مناطق التنمية المعنية. لهو غاية في الأهمّية أن يتمّ تفعيل الحقّ بالحصول على المعلوماتمن أجل “مساءلة المؤسسات الاجتماعية بشكل علني ومتبادل” حيال السياسات التي تسعى إلى إلغاء الاستثناءات.تعميم التنمية الإقليمية: يُعدّ إنشاء أقطاب نموّ جغرافية وسكانية تُسرّع التنمية داخل الأقاليم وعبرها على حدّ سواء أمراً مهماً. فقد تشكّل ولاية صفاقس الرائدة في النموّ الإقليمي مركزاً للولايات المجاورة مثل سيدي بوزيد والقصرين والقيروان. وقد يساعد ذلك على إنشاء علاقات تآزر إنساني وزراعي وصناعي ومبادراتي وتعليم عبر المناطق والبلديات يسمح بظهور نوع من الأثر الانتشاري الداخلي الذي ينتقل من الولايات الأغنى إلى الولايات الأفقر. “التنمية التخضيرية”: من الضروري عكس الآثار الضارة الناجمة عن “تنمية التخلّف”، ألا وهي التدهور البيئي وتفشّي الأمراض المزمنة (مثل ترقّق العظام) المرتبطة بالإنتاج الكيميائي والتعدين. ويصحّ ذلك بشكل خاص نظراً إلى أنّ الدستور يذكر المسؤولية بين الأجيال المرتبطة بالوعي البيئي وحماية البيئة.الخاتمة لقد ساهمت عوامل سياسية واقتصادية ومؤسّساتية متعدّدة في بروز التفاوت الإقليمي في تونس. وعلى الأرجح أنّ هذا الانقسام قد بدأ في خلال فترة الاستعمار في تونس واستمرّ في مرحلة صناعة السياسة في دولة ما بعد الاستقلال. وقد أدّت خطوط الانقسام التي قسّمت البلاد بين منطقة ساحلية أكثر ازدهاراً في الشمال (بما فيها تونس الكبرى) ومناطق محرومة في الوسط والجنوب إلى بروز التهميش المركَّب. وبشكل محدّد أكثر، تحظى مناطق مثل الشمال الشرقي وتونس الكبرى والوسط الشرقي بالأفضلية على الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب بأسره. ويضمّ التهميش المركَّب ثلاثة أبعاد للعزل تشمل التباعدَ الإقليمي/المكاني والتباعد الاقتصادي الإنمائي وأخيراً التباعد الإنساني. وفيما تركّز هذه الورقة على التفاوتات الإقليمية في تونس، هي تسلّط الضوء أيضاً على التفاوتات بين الريف والمدينة في أنحاء البلاد، بما فيها مناطق الشمال التي تحظى بأفضلية أكبر. بمعنى آخر، تبقى إشكالية التنمية في تونس مشكلةً على صعيد الدولة بأسرها، على الرغم من أنّها حادّة للغاية في المناطق المحرومة. ولم تُسهم سياسات تونس الإنمائية في توزيع الموارد بشكل متوازن في أنحاء البلاد. فيبدو أنّ الإجراءات الإنمائية القائمة تعير نسبياً القليل من الاهتمام للحاجات الخاصّة التي تبديها المناطق المحرومة التي يعرقلها التهميشُ المركَّب. وبهدف تصوير طبيعة هذا التهميش المتعدّدة الأنواع، بالإضافة إلى مستوى التفاوت الإقليمي الحادّ، يناقش ملخّص السياسة هذا الفقرَ والبطالة وتوزيع ثروة الموارد الطبيعية والمياه النظيفة والحصول على الرعاية الصحيّة وأخيراً الضرر البيئي والآثار الصحّية. لتونس سجلٌّ طويل في المساعدات الدولية في مجال التنمية. غير أنّ البلاد بحاجة إلى استراتيجيات إنمائية مصمّمة حسب الحاجة لردم الهوّة بين أجندات الجهات المعنية الوطنية والمحلّية: فمن أجل النجاح كمساهم مادّي-أخلاقي، على التنمية المصمّمة حسب الحاجة أن تعالج مسألة التهميش المركَّب بشكل مباشر. وفي حال عجزت عن ذلك، لن تفلح التنمية الإقليمية في تحسين حالة المناطق المحرومة ورفعها من مناطق منخفضة الدخل إلى متوسطة الدخل. وينبغي على الحكومة المركزية أن تلتزم بتقديم تعويض كبير للتخفيف من تداعيات التهميش المركَّب. للقيام بذلك، عليها أن تتعاون مع المناطق المحرومة ومجتمع الدول المانحة لتشجيع الممارسات الإنمائية الشاملة. ولا بد من أن يكون الهدف السعيَ إلى المساعدة على إنشاء (1) تنمية إقليمية متجدِّدة ذاتياً و(2) لامركزية سياسية تساعد على تأمين تمثيل إقليمي أكبر على المستوى الوطني و(3) نظامَي طاقة وهواء نظيفَين. وستساعد سياسات كهذه على وقف التدهور البيئي والصحّي الذي تسبّبه تنمية بعد استعمارية متفاوتة تضرّ بالإنسان والطبيعة.