ثلاث سنوات قد مضت منذ انتهاء الاعتداءالعسكري الأخير على قطاع غزة، ولا يزال معظم الجيب الفلسطيني في حالة دمار. وما زال الكثير من سكان غزة حتى الآن يفتقرون إلى مساكن دائمة فيعيشون في ملاجئ وأشكال أخرى من المساكن المؤقّتة. وقد أدى غياب البنى التحتية الأساسية، من كهرباء، ومياه نظيفة، ومعالجة الصرف الصحي، وإدارة النفايات، إلى مأساة يومية يعيشها سكان غزة الذين يبلغ عددهم 1,9 مليون نسمة. ومع بطء عملية إعادة الإعمار، أدّى غياب فرص العمل إلى انتشار البطالة بين 42 في المئة من إجمالي القوى العاملة و60 في المئة من فئة الشباب في غزة. فغدت غزة بالكاد قادرة على تأمين لقمة العيش لسكانها. وقد بات الوضع في المنطقة يزداد سوءاً بسبب نسبة النمو السكاني السنوي العالية والتي بلغت 2,4 في المئة وعدم توسّع جهود إعادة الإعمار والعمل الإنساني.

في الوقت عينه، يزيد الحصار الإسرائيلي والحصار البحري على غزّة الطين بلّة، إذ يعزلان غزة عن العالم الخارجي. وتشبه ظروف العيش في غزّة ظروف العيش في سجن في الهواء الطلق: فهو عقاب جماعي يؤجج اليأس والإحباط الناتجين عن الاحتلال الإسرائيلي المستمر والحاجة إلى تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومع أنّ الوصول إلى اتفاقية سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين يبدو أمراً صعب المنال، تستدعي المشاكل الإنسانية التي تطرحها ظروف العيش دون المستوى المطلوب في غزة اهتمام الجهات الفاعلة الدولية المعنية في عملية السلام. فإن لم تتحسن ظروف العيش في غزة قريباً، ستخوض المنطقة جولة جديدة من الصراع، وسيكون صراعاً أعنف لا محالة.

يدرس موجز السياسة هذا آلية إعادة إعمار غزة، وهي اتفاقية مؤقتة ثلاثية الأطراف بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية والأمم المتحدة. وتشكّل هذه الآلية المرجع في عملية إعادة الإعمار منذ حرب العام 2014. وسيسلّط الموجز الضوء على مواطن فشل الآلية، مبيّناً أنها لم تساهم في تقدّم عملية إعادة إعمار غزة كما كان مفترضاً، بل على العكس، أعاقت الآلية إحراز التقدّم وأدّت إلى مأسسة الحصار الإسرائيلي.

ويختتم الموجز بتقديم توصيات حول كيفية حلّ آلية إعادة إعمار غزة واستبدالها مع الأخذ في الاعتبار التغيّرات السياسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفي المواقف العالمية حيال مشاريع إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع. ويقدّم الموجز أيضاً سبلاً لتحسين نوعية حياة سكان غزة. فبالرغم من غياب حلّ سياسي للمشكلة بأسرها، ينبغي على المجتمع الدولي ألا يتوانى عن حلّ الأزمة الإنسانية التي تؤثر في السكان المدنيين العالقين في خضم صراع سياسي مستعصٍ.

عوائق إعادة الإعمار

يعزى بطء إعادة إعمار غزة إلى عوامل كثيرة، أولها قدرة الوصول المحدودة إلى داخل الأراضي وخارجها، وهو أمر فرضته السلطتان الإسرائيلية والمصرية. وتوافق وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي وحدة تابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، على أي عبور لقوافل البناء أو المساعدات الإنسانية إلى غزة من نقطتي دخول هما: كيرم شالوم (كرم أبو سالم) في الجنوب، وهو معبر للبضائع التجارية، وإيرز (بيت حانون) في الشمال، وهو معبر للأشخاص (راجع الرسم الأول). وتتحكّم السلطات المصرية في قدرة العبور عبر معبر رفح الحدودي، الذي لم يفتح إلا لمدة 32 يوماً في العام 2015، و44 يوماً في العام 2016، و10 أيام غير متتالية في العام 2017 (لغاية شهر مايو). وبسبب هذه القيود، لا تصل الكمّيات الضرورية من المساعدات الإنسانية ومواد البناء لإعادة إعمار غزة بشكل فعّال ولم تراعِ النمو في المناطق الفلسطينية.

الرسم الأول: خريطة غزة مع المعابر

map of Gaza with crossing pointsالمصدر: مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، 2016


أما الخلافات السياسية الجارية بين حركة حماس، وهي حكومة الأمر الواقع في غزة، من جهة ومصر وإسرائيل والسلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح من جهة أخرى، فهي تفاقم المسألة. إذ لا تثق كلّ من مصر وإسرائيل بحركة حماس ولا تزالان تعتبرانها تهديداً أمنياً. وقد لمّح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أنه سيفتح معبر رفح الحدودي بشكلٍ منتظمٍ إذا اهتمّت السلطة الفلسطينية بأمن غزة بدلاً من حركة حماس.
  ويسمح ذلك بزيادة كمية موادّ البناء القادمة إلى غزة، وسيؤدي أيضاً إلى الحصول عليها بكلفة أقلّ نتيجة انخفاض الرسوم الضريبية المفروضة على البضائع التي تدخل عبر معبر رفح بالمقارنة مع معبرّي الحدود الإسرائيلية. 

وعرقلت قضايا التمويل إعادة الإعمار أيضاً. فعلى الرغم من الحماسة الكبيرة التي برزت في مؤتمر القاهرة في أكتوبر 2014، حيث تم التقدّم بتعهدات كثيرة لإعادة إعمار غزة، لم يتم الوفاء بجزء كبير منها. ومن أصل مبلغ 5,4 مليار دولار الذي تمّ التعهّد به في المؤتمر، تمّ تخصيص أكثر من نصفه لمشاريع إعادة إعمار غزة، ولكن لم يتم تسديد سوى 51 في المئة منه حتى تاريخ31  ديسمبر 2016. أمّا دول الخليج، أي البحرين والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فتقدّمت ببعض من أكبر التعهدات في خلال المؤتمر. ومع ذلك، فإن هذه الدول مسؤولة أيضاً عن الجزء الأكبر من التعهدات التي لم يتم الوفاء بها. في الواقع، نسبة 87 في المئة من التعهدات التي لم يتم الوفاء بها هي من الخليج، و78 في المئة من تعهدات الخليج لم يتم الوفاء بها (راجع الجدول الأول).

الجدول الأول: وضع سداد الجهة المانحة للتعهدات المقدّمة لغزّة (بملايين الدولارات)

الجهة المانحة التعهد المقدّم لغزة المبلغ المسدّد من التعهد حتى 31 ديسمبر 2016 نسبة سداد التعهد المقدّم لغزة
البحرين 6،5 5,15 79%
الكويت 200 48,93 24%
قطر 1000 216,06 22%
المملكة العربية السعودية 500 90،41 18%
الإمارات العربية المتحدة 200 59,08 30%
مجموع دول مجلس التعاون الخليجي 1,906,5 419,63 22%
المجموع العالمي 3499 1796 51%

المصدر: البنك الدولي، 2016

وتفسّر عوامل مختلفة بطء وصول تمويل الجهات المانحة. فبالنسبة إلى الجهات المانحة من خارج منطقة الشرق الأوسط، يبدو أن تعب المانحين يشكّل أحد الأسباب وراء السداد البطيء. ويبدو أنّ الجهات المانحة تقرّ بخطورة الحالة الإنسانية في غزة، كما تبيّن ذلك من التعهدات التي أعطيت في القاهرة. على الرغم من ذلك، استحوذ شعور بعدم جدوى الجهود على بعض الجهات المانحة الغربية، بعد أن رأت استثماراتها السابقة تتبخر في نيران الحرب للمرة الثانية، أو المرة الثالثة في بعض الحالات، مما جعلها تخشى تقديم المزيد من الأموال.

من جهة أخرى، أظهرت دول الشرق الأوسط التي تعهدت بتقديم أموال لإعادة إعمار غزة صراحة وضمناً مواقفَ سياسية تعكس استقطاباً يندرج في معسكرين بعد الربيع العربي. فتعارض كل من مصر والكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حركة حماس بشكل أو بآخر، بعد أن أعربت عن قلقها إزاء علاقة الحركة بجماعة الإخوان المسلمين. ولا ترغب الدول المعارضة لحماس في إرسال الأموال إلى غزة لتفادي تعزيز الدعم المحلي للحركة الإسلامية. وتعتمدأيضاً على افتراض مفاده أنّ إعادة الإعمار البطيئة ستساهم في إضعاف شرعية حماس في قطاع غزة، مما يفرض عودةً في نهاية المطاف إلى الترتيبات السياسية التي سبقت استيلاء الحركة الأحادي عام 2007.

في الوقت نفسه، قدّمت قطر وتركيا أكبر مجموعتين من المساعدات إلى غزة من بين جميع دول الشرق الأوسط (216,04 و139,48 مليون دولار على التوالي). وقد قامت الدولتان بذلك نظراً إلى روابطهما السياسية الوثيقة مع حماس، فقد أبدت الدولتان تحفظات أقل من جيرانهما الإقليميين في تقديم المساعدة عن طريق حكومة الأمر الواقع في غزة. فعلى سبيل المثال، ساهمت قطر في يوليو 2016 بمبلغ 30 مليون دولار لدفع أجور قسم كبير من موظفي القطاع العام في غزة، إذ لم يتلقوا هذه الأجور منذ العام 2013 بسبب خلاف بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس. ومع ذلك، تبقى عمليات السداد السخية نادرة، وما زال النقص في أموال الجهات المانحة يبطئ عملية إعادة إعمار غزة. ومنذ صدور تقرير البنك الدولي عن سداد أموال التعهدات في ديسمبر 2016، لم تشهد عملية التمويل أي زيادة.

في الواقع، وباستثناء الحالة التي يتم فيها الوصول إلى حلّ سياسي نهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ستواصل الجهات المانحة على مضض تقديم الهبات لغزة، فغزة منطقة تواجه حلقة دائمة من الدمار وإعادة الإعمار. لكن يبقى الأهمّ أنّ التوصل إلى تسوية سياسية بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية هو الإجراء الذي سيحسّن كثيراً الأوضاع في غزة. مع ذلك، ومع إنشاء الائتلاف الإسرائيلي الحاكم الأكثر تحفظاً في تاريخ الدولة اليهودية، ونظراً لافتقار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإرادة السياسية للتفاوض مع الفلسطينيين بالإضافة إلى تعنّت السلطة الفلسطينية وحركة حماس وعجزهما عن تشكيل حكومة وحدة، يبدو الوصول إلى تسوية نهائية تضع حداً لعقود من الصراع كأنها حلم بعيد المنال.

ما هي آلية إعادة إعمار غزة؟

على ضوء هذه العقبات، بدأت آلية إعادة إعمار غزة في سبتمبر 2014 في محاولة لإعادة إعمار غزة من خلال آلية متعددة المستويات تشارك فيها الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية والأمم المتحدة. وعند إنشاء آلية إعادة إعمار غزة، روّج روبرت سيري، منسّق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، للآلية باعتبارها وسيلة للتنسيق بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية لتعجيل عملية إعادة الإعمار. وقد تم تأسيسها لتسهيل مرور مواد البناء إلى غزة من خلال إنشاء خط تواصل مباشر بين وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق والسلطة الفلسطينية، في حين أدّت الأمم المتحدة دور الوسيط بين الطرفين. ولدى إعلان آلية إعادة إعمار غزة، قال سيري إنها لن تعالج المخاوف الأمنية الإسرائيلية فحسب، بل ستعزز أيضاً ثقة الجهات المانحة، مما سيؤمّن التمويل اللازم لعملية إعادة الإعمار.

ومن خلال آلية إعادة إعمار غزة، تم إنشاء نظام موسّع من عمليات التفتيش والمراقبة للواردات القادمة إلى غزة. وكانت النظرية حيال هذا الترتيب الثلاثي الأطراف أنه من خلال طمأنة مخاوف إسرائيل الأمنية، ستسرّع الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية عملية استيراد مواد البناء إلى غزة، وعلى هذا النحو ستساعد على إعادة إعمارها في أعقاب الدمار الناجم عن الحرب، وفي الوقت نفسه ستستحدث فرص عمل يحتاج إليها شباب غزة حاجة ماسة في قطاع البناء الخاص. وقد حدّد منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط آلية إعادة إعمار غزة كترتيب قصير الأجل، إلا أنه لم يحدد تاريخ انتهاء الآلية. وأقرّ سيري بعدم استدامة الوضع في غزة فقال: “نعتبر هذه الآلية [آلية إعادة إعمار غزة] المؤقتة خطوة مهمة نحو تحقيق الهدف المتمثل في رفع جميع العراقيل المتبقية”. فعلى الورق، هدفت آلية إعادة إعمار غزة بشكل عام إلى “تفعيل البناء وإعادة الإعمار على النطاق الواسع الذي بات الآن مطلوباً في قطاع غزة”. وقد تمّ تفصيل هذا الهدف في أربعة أهداف مترابطة:

(أ) تمكين حكومة فلسطين من قيادة جهود إعادة الإعمار؛ (ب) تمكين القطاع الخاص في غزة؛ (ج) طمأنة الجهات المانحة من أنّ استثماراتها في أعمال الإعمار في غزة ستنفذ بدون تأخير؛ (د) معالجة المخاوف الأمنية الإسرائيلية المتصلة باستخدام مواد البناء وغيرها من المواد “مزدوجة الاستخدام”.

في الظاهر، بدت الفكرة كأنها نتيجة إيجابية في ذلك الوقت تعود بالفائدة على جميع المعنيين. غير أنّ الكثير من هذه الأهداف لم يتحقق في أثناء التنفيذ. وسرعان ما تبيّن أنّ طريقة تشكيل آلية إعادة إعمار غزة أعطت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق التابعة لإسرائيل كلمة الفصل في أي مشروع بناء أو مواد بناء تدخّل إلى غزة. وهكذا، أُعطيت الأولوية لمخاوف إسرائيل الأمنية. وفي الوقت نفسه، لم تُمنح السلطة الفلسطينية ولا حماس سلطة في عملية إعادة الإعمار وتمّ التقليل من شأن قيادة “حكومة فلسطين”. في الواقع، عجزت الآلية عن تحقيق الهدف الثالث. وقد استمرّ البناء بوتيرة بطيئة ومع تأخير كثير، مما حال دون تشجّع الجهات المانحة على التسريع في سداد المساعدات إلى غزة.

ويعتمد الهدف من إنشاء أي أداة سياسية على إنشاء نظام عامل وفعّال إلى حدّ بعيد للوصول إلى هدف محدد. ومن الناحية النظرية، ينبغي أن يشكّل ذلك الغرض الرئيسي من آلية إعادة إعمار غزة. فعليها تأمين قناة اتصال واضحة بین وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق والسلطة الفلسطينية والأمم المتحدة وأعضاء المجتمع المدني في غزة لتیسيیر مشاريع إعادة الإعمار في قطاع غزة. ومع ذلك، وكما ستظهر الأقسام التالية، ونظراً إلى الأسباب الكامنة وراء الصراع وغياب الإرادة السياسية لتفعيل الآلية على النحو المنشود، أدت آلية إعادة إعمار غزة إلى بروز بيروقراطية مرهقة باتت، بعد ثلاث سنوات، تمثّل في أحسن الأحوال نظام إدارة الصراعات، وليس حلّها. أما في أسوأ الأحوال، فهي تمثل مأسسة الحصار الإسرائيلي على غزة.

التقدم المتعثر

أدت حرب عام 2014 إلى مجموعة واسعة من الأضرار التي طالت 171 ألف منزل، وهي أضرار تتراوح بين الطفيفة والدمار الكامل. وكما يبيّن الجدول الثاني، تتراوح كلفة تصليح هذه المنازل بين 5 آلاف دولار أو أقلّ و35 ألف دولار. ومن بين المنازل الـ171 ألف المتضررة، لا يزال 61،086 منزلاً يحتاج إلى تصليح أو يتطلب تشييداً من جديد. لكن هذه المنازل لم تتلقّ حتى الآن تأكيداً للتمويل حتى شهر مايو 2017. بعبارة أخرى، لا يزال أكثر من ثلث المنازل المتضررة بحاجة إلى تصليحات. وتقدّر المجموعة المعنية بتوفير المأوى (Shelter Cluster) أنّ إتمام عملية إعادة الإعمار لن يحصل قبل أغسطس 2018، أي بعد عام من الموعد النهائي الأولي.Reconstruction progress by category and average costالمصدر: المجموعة المعنية بتوفير المأوى(Shelter Cluster)  فلسطين

وبعد حوالى ثلاث سنوات من الحرب في غزة، وعامين ونصف من إطلاق آلية إعادة إعمار غزة، برهن التقدّم المحدود المحرز في عملية إعادة الإعمار على عدم فعالية الآلية. فوفقاً لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، “في ذروة حرب عام 2014، نزح حوالى 500 ألف شخص، أي 28 في المئة من السكان، من ديارهم”. ومن أصل 16 ألف أسرة كانت ما زالت نازحة بين أغسطس وديسمبر 2015، قالت نسبة 62,5 في المئة منها إنها استأجرت مساكن، وإنّ نسبة 50 في المئة منها تخشى الإخلاء من مساكنهم المستأجرة. واعتباراً من أبريل 2016، تمّ تقدير عدد الذين لا يزالون نازحين بحوالي75 ألف شخص. وتدلّ هذه الأرقام على أنّ النزوح لا يزال يطرح إشكالية، وأنّآلية إعادة إعمار غزة لم تسرّع عملية إعادة الإعمار على نحو فعّال.

متاهة البيروقراطية

تعطي نظرة إلى عملية الموافقة فكرة عن الكمّ الهائل من البيروقراطية التي ولّدتها آلية إعادة إعمار غزة، ممّا قد يفسّر التأخر جزئياً. فقبل أن تتلقّى أسرة في غزة أي مواد بناء، عليها أن تمرّ بعملية متعددة الخطوات (راجع الرسم الثاني). فأولاً، تقوم وزارة الأشغال العامة والإسكان التابعة للسلطة الفلسطينية بمسح للأضرار التي لحقت بالمنازل. ويشمل التقييم مقدار الأضرار المتكبدة، بالإضافة إلى كمية مواد البناء اللازمة لمشروع إعادة إعمار معين ونوعها. ثم تقوم بتحميل التقييم إلى قاعدة البيانات المنشأة بموجب آلية إعادة إعمار غزة والتي تتشاطرها وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق والسلطة الفلسطينية والأمم المتحدة. وترفع السلطة الفلسطينية التقييم إلى اللجنة التوجيهية رفيعة المستوى التي تتألف من ممثلين عن وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق والسلطة الفلسطينية والأمم المتحدة. وفي هذه المرحلة، باستطاعة وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق الموافقة على التقييم أو رفضها. وبعد عملية الموافقة، تقدّم اللجنة التوجيهية الرفيعة المستوى للمستفيدين قسائم تمنحهم الإذن بشراء مواد البناء من المورّدين المعتمدين. ويجب أن تكتمل عملية الموافقة هذه في كل مرحلة من مراحل البناء، بما في ذلك وضع أساسات المنزل، والتأطير، والتجصيص، ووضع اللمسات الأخيرة.الرسم الثاني: تيار المشاريع ومراقبة الموردين في آلية إعادة إعمار غزة

Gaza reconstruction mechanism monitoring streamsالمصدر: آلية إعادة إعمار غزة

وتعقّد القضايا الهيكلية في ترتيبات آلية إعادة إعمار غزة عمليّةًهي أصلاً معقّدة. فقاعدة البيانات التي تحدد عملية الموافقة لا تديرها السلطات في غزة بل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، التي تبعد نحو 160 كيلومتراً عن معبر البضائع التجارية في كرم أبو سالم. ومن بين واجبات السلطة الفلسطينية أيضاً توجيه الأموال إلى جهود البناء عبر وزارة المالية. وتهدف هذه الطريقة إلى ضمان الشفافية مع بناء قدرات السلطة الفلسطينية، ولكنها في نهاية المطاف أسهمت هذه الطريقة إسهاماً كبيراً في إبطاء عملية إعادة الإعمار. ووفقاً لاتفاقية آلية إعادة إعمار غزة، إنّ المدة بين تسجيل المستفيد وحصوله على الموافقة على شراء الركام، والحديد المسلّح، والإسمنت “يجب ألّا تتعدّى يومي عمل”. لكن في الواقع،غالباً ما تصل فترة الانتظار إلى أسابيع، أو حتى أشهر، بعد كل مرحلة من مراحل البناء.الافتقار للملكية المحلية

وكان غياب المجتمع المدني في غزة وحركة حماس عن ترتيبات آلية إعادة إعمار غزة واضحاً. فعلاوة على المساهمة في التأخيرات المذكورة أعلاه نتيجة عدم استشارة مجتمعات غزة المحلية، سمح مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط بأن تكون عملية إعادة الإعمار غير شاملة، مما وضع مصير مجتمعات غزة في أيدي أشخاص ليس لديهم الكثير على المحك في عملية إعادة الإعمار. وقد أدى ذلك إلى نقص معوّق في التواصل بين المجتمع المدني في غزة والكيانات الثلاثة التي وضعت الآلية.

ولم تتم مشاورة أعضاء المجتمع المدني في غزة أو ممثلين عن الجناح العسكري في حماس على المستوى الأساسي عند تطوير آلية إعادة إعمار غزة. وبالتالي، لم تؤخذ احتياجات سكان غزة بالاعتبار على النحو اللازم في خلال تطوير الآلية. ولم تتم استشارة سكان غزة بشأن جهود إعادة الإعمارإلا بعد تحديد آلية إعادة إعمار غزة، وبالتالي لا حول لهم كان إلا بقبول برنامج تم وضعه بدون موافقتهم. وبعد أن بدأت آلية إعادة إعمار غزة، أجرت السلطات المرتبطة بها مسحاً لتقييم الأضرار واحتياجات سكان غزة.

في الواقع، لم تتسنَّ لمجموعات المجتمع المدني في غزة قراءة النصّ الكامل لاتفاقية آلية إعادة إعمار غزة إلا بعد مرور عام على وضعها. وربما ما كانت هذه المجموعات لترى تفاصيل الاتفاقية لولا طلبها النص من مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة. فكانت الوثيقة الوحيدة التي نشرها مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة بشأن آلية إعادة إعمار غزة هي ورقة وقائع تلخّص الإجراءات، بدون التطرق إلى التفاصيل الدقيقة فيما يتعلق بعملية المراقبة. وهكذا، من وجهة نظر سكان غزة، وضعت مجموعة من الغرباء خططاً لإعادة إعمار الأراضي وهي تجهل الاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية.

مأسسة الحصار

في حين لا يحظى سكّان غزة بسوى القليل من الملكية على الآلية، يحظى الإسرائيليون بالكثير منها. ومع دخول آلية إعادة إعمار غزة حيّز التنفيذ، بات باستطاعة الإسرائيليين الآن أن يتحجّجوا بالآلية للسيطرة على البضائع التي تدخل قطاع غزة. ونظراً إلى طبيعة بعض مواد البناء المزدوجة الاستخدام (أي الاستخدامين المدني والعسكري) التي تدخل إلى غزة، تمّ اقتراح آلية إعادة إعمار غزة في البداية من أجل طمأنة إسرائيل من خلال إنشاء جهاز “محايد” من شأنه أن يعاين جميع المواد التي تدخل إلى قطاع غزة. وعلى الرغم من أن آلية إعادة إعمار غزة نجحت في إقامة خط اتصال غير مباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين لتسهيل تدفق مواد البناء، ساهمت الآلية في الواقع في مأسسة الحصار الإسرائيلي من خلال منح الحكومة الإسرائيلية السلطة العليا في عملية إعادة الإعمار، فتجاوزت آلية إعادة إعمار غزة مجرد فكرة أنها إجراء لبناء الثقة، وتحوّلت إلى أداة سياسية في يد إسرائيل.

وحتى مع نظام التفتيش المتطور ومراقبة الواردات، لا يزال مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق يجد سبلاً لعرقلة عملية إعادة الإعمار أكثر فأكثر. وعلى الرغم من التوسيعات التي تم إجراؤها على معبر كرم أبو سالم، وهو الحاجز الذي تدخل فيه البضائع التجارية إلى غزة، ومن تبرّع الحكومة الهولندية بماسح أمني، يواصل مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق ابتكار طرق جديدة لإبطاء دخول مواد البناء عبر هذا المعبر.

ففي مايو 2016، فرضت إسرائيل حظراً لمدة 45 يوماً على استيراد الإسمنت، لأنها اتهمت حماس بسرقة البضائع المسلّمة. وحظّر المكتب أيضاً توريد ألواح الخشب، متهماً حماس باستخدامها لتدعيم شبكتها الواسعة من الأنفاق. ومن حيث مواد البناء، يشكّل الإسمنت والخشب عنصرين أساسيين  لبناء المنازل والمستشفيات والمدارس. وقد أدى الحظر المفروض على استيراد الإسمنت والخشب إلى انخفاض كبير في القدرة على إحراز تقدم في إعادة إعمار غزة. ويعرض الرسم الثالث النقص الحاصل في مواد الركام والحديد والإسمنت الضرورية لإنهاء مشاريع المساكن التي تقيمها وزارة الأشغال العامة والإسكان. ويثبت التقدّم البطيء في مشاريع البناء أنّ الحصار المستمر والسيطرة على الحركة التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية على غزة يشكّلان عائقاً كبيراً يحول دون تحسين نوعية حياة سكان غزة.

الرسم الثالث: كمية الإسمنت والحديد المسلح التي تدخل إلى غزة مقابل الكمية المطلوبة (بالطن)

Cement and rebar entered vs required quantityالمصدر: المجموعة المعنية بتوفير المأوى(Shelter Cluster)  فلسطين 2016

ولا يزال مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق يحظّر دخول مواد بناء ضرورية إلى غزة، بدون تقديم أدلة دامغة ما عدا الاتهامات المعلنة. وكان من الممكن أن تشكّل آلية إعادة إعمار غزة مثالاً ساطعاً على التعاون المشترك الإسرائيلي الفلسطيني، فتستخدم كإطار عمل لمشاريع تعاونية مستقبلية، لكن بدلاً من ذلك، ارتأى المكتب استغلاله. وقد كان هدف آلية إعادة إعمار غزة تقاسم مسؤولية إعادة الإعمار بين مختلف أصحاب المصلحة في غزة، من بينهم الإسرائيليون، لا ترْك الأمر في يد الطرف الأقوى.

تأثير مضاعف

يؤكد ماهر الطباع، وهو خبير اقتصادي في غزة والمتحدث باسم غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة، أنّ القيود التي يفرضها مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق على توريد المواد تمثّل “حرباً اقتصادية.” وقد ترتّب على هذه السياسات آثار كبيرة على وضع الاقتصاد عموماً في قطاع غزة. على سبيل المثال، لم يعد باستطاعة قطاع صناعة الأثاث العريق في قطاع غزة تصنيع الأثاث لأنه يفتقر إلى المواد الخام اللازمة للقيام بذلك. ونتيجة لذلك، صرفت هذه الشركات الكثير من مستخدميها، مما أدى إلى مشكلة إضافية تضرب المجتمع الذي يعاني أصلاً ارتفاع معدلات البطالة.

ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، “يعتمد أكثر من 80 في المئة من سكان غزة على المساعدات الإنسانية”. وبحسب تقرير آخر لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإنّ أكثر من 80 في المئة من أسر غزة النازحة قد اقترضت المال لتأمين لقمة العيش في العام الماضي، واشترى أكثر من 85 في المئة منها معظم طعامها بالدين، وخفّض أكثر من 40 في المئة منها من استهلاكها من الطعام. وعلى الرغم من أن آلية إعادة إعمار غزة لا تعالج مشاكل سكان غزة المالية، تكشف الأرقام التي قدمتها هذه الدراسات عن أحد أوجه القصور فيها، فهي لم تؤدِّ إلى ازدهار الوظائف في قطاع البناء كما توقع الذين ساهموا في وضعها. ومن الواضح أن غزة بحاجة إلى المزيد من الفرص الاقتصادية، إلا أن التأثير المضاعف الذي بدأته آلية إعادة إعمار غزة لم يكن تأثيراً إيجابياً على الإطلاق.

التوصيات

في ظلّ غياب حلّ طويل الأمد للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، لم يبقَ سوى بديل واحد للتخفيف من معاناة سكان غزة ومنع نشوب جولة أخرى من الحروب والدمار، ألا وهو الإسراع بعملية إعادة الإعمار. وبعد الأخذ في الاعتبار تعقيدات إعادة الإعمار في غزة التي ولدتها آلية إعادة إعمار غزة والحصار والمأزق السياسي مع حركتَي فتح وحماس، تبرز عدة إجراءات يمكن اعتمادها للتخفيف من حدة هذه المشاكل.

فبعد الشروع من جديد في الطريق نحو المصالحة بين فتح وحماس، يجب أن يُعطى حلّ آلية إعادة إعمار الأولوية في أي جهد لإعادة إحياء عملية إعادة إعمار غزة. ومن شأن آليةٌ جديدة تعطي المجتمع المدني في غزة والجهات المانحة دوراً أقوى في عملية المراقبة أن تولّد الثقةَ في العملية وتزيد تدفق أموال الجهات المانحة إلى القطاع. ومن شأن زيادة التركيز على مشاريع البنى التحتية أن تضمن أيضاً أن تستحدث العملية أكبر قدر من فرص العمل في جميع أنحاء غزة.

إعادة إحياء المصالحة

ويؤدي المأزق السياسي المستمر في السياسة الفلسطينية إلى استمرارية الركود في عملية إعادة إعمار غزة. بالتالي، تحتاج حركتا فتح وحماس إلى معالجة المظالم الاقتصادية والسياسية التي تراها كل حركة لدى الحركة الأخرى. ولحسن الحظ، تزداد فرصة المصالحة بين حركتي فتح وحماس ولا سيما مع استبدال خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، برئيس الوزراء السابق إسماعيل هنية واعتماد ميثاق جديد. ويشير تعيين هنية كرئيس المكتب السياسي لحركة حماس إلى أن المنظمة تتطلع إلى الاستمرار في طريق الاعتدال، مما يطمئن أصحاب المصلحة في المنطقة. وتنبئ هذه التطورات حركة فتح بأن حماس ترغب في إعادة إطلاق محادثات المصالحة.

أما القاهرة التي تسيطر على أحد المعابر الرئيسية إلى غزة، فعليها مواصلة التوسط بين هذين الفصيلين الفلسطينيين. مع ذلك، لكي تضطلع مصر بدور الوسيط الفعّال، ينبغي على السيسي أولاً أن يتصالح هو مع حماس. وتشير التطورات الأخيرة إلى أنه من الممكن أن يتحقق ذلك قريباً أيضاً. فقد ساعد محمد دحلان، وهو مسؤول سابق في حركة فتح يكرهه كل من حماس ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، على تقدّم اتفاقية المصالحة بين مصر وحماس. وبموجب الاتفاق، وافقت حماس على إقامة منطقة عازلة على طول حدودها مع مصر. وفي بادرة حسن نية، أرسلت مصر الوقود إلى غزة في يونيو 2017 للمساعدة على الحدّ من تخفيف أزمة الطاقة الحالية. ومع تقدّم المصالحة بين مصر وحماس، يجدر بالسيسي أن يستفيد من علاقته مع حماس للتوسط بينها وبين فتح.

حل آلية إعادة إعمار غزة

في غضون ذلك، ينبغي حلّ آلية إعادة إعمار غزة. فقد آن الأوان لتسليم سكان غزة زمام الأمور في عملية إعادة الإعمار، مما يسمح لهم بالمشاركة في تطوير آلية بديلة لإعادة الإعمار. وکما ذُکر سابقاً، لم یتم التشاور مع المجتمع المدني وحكومة الأمر الواقع في غزة في خلال عملیة التخطيط لآلیة إعادة إعمار غزة. لذلك، أعطى مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق نسبة غير متساوية من السلطة على الموافقة على مواد البناء نتيجة الاتفاق بينها وبين السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة. وبالإضافة إلى إعادة ترتيب توازن القوة، سيساهم تمكين سكان غزة أيضاً في الحدّ من التكاليف ويسمح للأمم المتحدة بأن تنسحب من وضع ضرّ كثيراً بسمعتها كوسيط واعٍ ومدرك في هذا الصراع. ولعلّه يمكن وضع آلية بديلة تُشرك المجتمع المدني في غزة بدور أكبر في مراقبة المواد بالاشتراك مع مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، في حين تُعطى حماس مسؤولية أكبر في عملية إعادة الإعمار، مما يجعلها تنال رضى سكان غزة.

مع ذلك، ينبغي أخذ بعض المسائل في الاعتبار. فينبغي ألا يتمّ تجاهل مخاوف إسرائيل الأمنية المتعلقة بالمواد مزدوجة الاستخدام، ولكن ينبغي التعامل معها على نحو أكثر فعالية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن تتوقف اللجنة التوجيهية الرفيعة المستوى عن مراقبة استخدام مواد البناء، بيد أنه يجب بذل المزيد من الجهود من جانب السلطة الفلسطينية للتواصل بانفتاح أكبر مع حماس. ومن الممكن التطرّق لهذه القضية في خلال محادثات المصالحة بين فتح وحماس عبر التأكيد لحركة حماس على أهمية التعاون في عملية إعادة الإعمار. وينبغي عدم تحويل أي مواد لتدعيم الأنفاق أو أي مشاريع أخرى تعتبر معادية لأي من فتح أو إسرائيل. وقد يصعب إقناع حماس بذلك، ولكن سيحثّ ذلك حماس على الاعتراف بالقوة السياسية التي من الممكن أن تكتسبها من خلال إظهار استعدادها للتعاون في عملية إعادة الإعمار.

طرح مراقبة الجهات المانحة

ستساهم آلية جديدة لتوزيع مساعدات إعادة الإعمار على سكّان غزة في تجديد الاهتمام لدى الجهات المانحة بالوفاء بتعهداتها. على سبيل المثال، رفضت الكويت، التي كانت عادة إحدى الجهات المانحة الأسخى في إعادة إعمار غزة، الوفاء بتعهداتها لأنها أدركت عدم فعالية آلية إعادة إعمار غزة. لذا قد يعيد التغيير الإيجابي في سير إعادة الإعمار إحياءَ دفق المساعدات التي تقدمها الجهات المانحة. ولذلك على المنظمات الدولية المنخرطة في إعادة الإعمار أن تستخدم الآلية الجديدة للتشجيع على الوفاء بالتعهدات المعلنة في مؤتمر القاهرة عام 2014. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي تشجيع الجهات الفاعلة الإقليمية على تقديم دعم أحادي الجانب إلى غزة في محاولة لتسريع عملية إعادة الإعمار. ويبدو أن النموذج القطري الأحادي الجانب، وإن لم يكن مثالياً، يقدّم إلى غزة إغاثة أفضل من الطريقة التي تؤمنها آلية إعادة إعمار غزة.وعلى الرغم من الأزمة الخليجية الأخيرة، التزمت قطر بدعمها لغزة، مما يقلّل من احتمال بحث حماس عن رعاية أخرى، مثل إيران. ويواصل مبعوث قطر إلى غزة، محمد العمادي، زيارة غزة للإشراف على المشاريع التي تموّلها حكومته للمساعدة على إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب.

ويشكّل طرح مجلس مراقبة الجهات المانحة أحد السبل لتعزيز الثقة لدى الجهات المانحة لأنه سيعطيها دوراً أكبر في عملية إعادة الإعمار. ففي السابق، كان لآلية إعادة إعمار غزة مجموعةٌ صغيرة نسبياً من أصحاب المصلحة في عملية إعادة الإعمار. وعبر السماح للجهات المانحة بمراقبة المشاريع من خلال ممثليها، ستصبح أكثر اطمئناناً حيال جهود إعادة الإعمار، مما سيشجّعها على الوفاء بتعهداتها. ويجب تكليف المجتمع المدني في غزة بتطوير مجلس أمناء متعدد الأطراف للحرص على أخذ احتياجات سكان غزة في الاعتبار. وينبغي أيضاً وبشكل خاص تشجيع الجهات المانحة الإقليمية التي لم تكن راضية عن آلية إعادة إعمار غزة على المشاركة. وينبغي إشراك في مجلس أصحاب المصلحة هذا البلدانَ التي استثمرت مالياً في عملية إعادة الإعمار أو أعربت عن مخاوف أمنية بشأنها.

التركيز على البنية التحتية

من أجل تأمين تدفّق هذه الأموال بفعالية أكبر، ينبغي أن يتحوّل تركيز جهود إعادة الإعمار نحو مشاريع البنى التحتية. فوفقاً لمستشار في مكتب اللجنة الرباعية، لا تهدف جهود إعادة الإعمار إلى إعادة إعمار غزة فحسب، بل إلى تأمين فرص عمل لسكان غزة في هذه المرحلة أيضاً، لكن جهود إعادة إعمار المساكن لم تتوصّل إلى ذلك. لذا قد تساهم مشاريع الأبنية غير الضرورية، مثل مراكز التسوق والمساجد المزخرفة، في رفع معنويات بعض المواطنين في غزة، ولكن هذه المشاريع لا تحسّن حياتهم على المدى الطويل. ومن المرجح أن تؤدي مشاريع بنى تحتية على محطات تحلية مياه البحر ومحطات توليد الكهرباء وإعادة تأهيل الطرق إلى استحداث فرص عمل محلية طويلة الأجل.

وقد أمنت اتفاقية المصالحة التي أُبرمت بين إسرائيل وتركيا في العام الماضي فرصة فريدة لتحقيق ذلك. فبموجب اتفاقية المصالحة، وافقت إسرائيل على السماح لتركيا بإرسال أطنان من المساعدات الإنسانية عبر ميناء أشدود الإسرائيلي، متفادية الحصار الذي فرضه الجيش الإسرائيلي. وقد سمح هذا الترتيب لتركيا بالمساهمة في الكثير من مشاريع البنى التحتية، بما في ذلك بناء محطة لتحلية المياه ومحطة لتوليد الكهرباء ومستشفى. وقد وصلت مواد البناء للمستشفى مؤخراً إلى أشدود في طريقها إلى غزة. وبفضل هذه الجهود، بات باستطاعة سكان غزّة إعادة بناء منازلهم والعثور على وظائف بإمكانها تأمين الوسائل اللازمة لإعالة أسرهم على الأقلّ.

الخاتمة

ما من طريقة لتفعيل عملية إعادة إعمار غزة سوى الانفتاح على البدائل من خلال تمكين وجهات نظر جديدة ومحلية. إلا أنّهذه الاحتمالات الجديدة لن تحقق إمكانياتها أبداً إذا لم تنظر الأمم المتحدة وغيرها من أصحاب المصلحة، ومن ضمنها إسرائيل، في أمر إلغاء آلية إعادة إعمار غزة. فحرمان سكان غزة من فرصة تحسين حياتهم سيحوّل القطاع إلى مكان أشبه بالسجن. وكما اختتم تقرير الأمم المتحدة عن غزة، فإن “حياة سكان غزة اليومية في العام 2020 ستصبح أسوأ مما هي عليه الآن”. ولهو من الصعب تخايل ذلك، لأنّ غزة منطقة غير صالحة للسكن في يومنا الراهن. وإذا تحقق هذا التقدّم السياسي، ستتضاءل القيود المفروضة لسنوات على غزة. وستعود مجدداً مواد البناء وفرص العمل إلى هذا المجتمع الذي كان مزدهراً فيما مضى. من ناحية أخرى، سيشكل الحفاظ على الوضع الراهن في غزة إخفاقا ًآخر في تاريخ المساعدات الإنسانية، مما يطعن في جدوى منظمات المساعدة الدولية والغرض منها.