Skip to main content
Syria's President Bashar al-Assad speaks during an interview with AFP news agency in Damascus, Syria in this handout picture provided by SANA on April 13, 2017. SANA/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. EDITORIAL USE ONLY. REUTERS IS UNABLE TO INDEPENDENTLY VERIFY THIS IMAGE. - RTX35GBX
مركز

مخاطر الوعود الاندفاعية لتحقيق العدالة في سوريا

لقد أدّى الهجوم بالأسلحة الكيميائية على مدينة خان شيخون السورية مطلع هذا الشهر إلى تجدد النداءات بتقديم أفراد من نظام الأسد أمام العدالة. وقد كتب بوريس جونسون وجان-مارك أيرولت مؤخراً في صحيفة ذا غارديان البريطانية جملاً مثل “لن يفلتوا من العقاب”.

لكن غالباً ما تكون الوعود التي يطلقها المجتمع الدولي بتحقيق العدالة في سوريا قصيرة النظر واندفاعية، فمن يطلقها لا يفكر في آلية تنفيذ هذه الوعود. إذ لو صدرت أوامر بالاعتقال، خصوصاً تلك التي تستهدف أفراداً من نظام الأسد، فمن سيعتقلهم؟ إنّ إصدار أوامر الاعتقال أمر، وتنفيذها أمر آخر.

مشكلة الاعتقال

تتمتّع الهيئات القضائية التي أُنشئت لتقرير المسؤولية الفردية عن الفظائع المرتكبة في سوريا منذ العام 2011 بسلطة مهمة، لكنها ليست فاعلة. فالمحاكم الدولية لا تمتلك قوات شرطة تابعة لها، بل تعتمد على تعاون الدولة للقبض على المشتبه بهم.

والنتيجة هي أن مذكرات الاعتقال قد تقبع في الأدراج لسنوات، تاركة الضحايا طيّ النسيان ينتظرون رؤية الجناة يُحاسبون إلى أجل غير مسمى. منذ العام 2009، على سبيل المثال، صدرت مذكرتا توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في دارفور. ولا تزال المحكمة والأشخاص الذين طالبوا بتدخلها ينتظرون، منذ ثماني سنوات، اعتقاله دون جدوى.

إن تلكّؤ تنفيذ أوامر الاعتقال بهذا الشكل يضرّ الضحايا كثيراً ويفقدهم الإيمان بتحقيق العدالة (أو على الأقل أولئك الضحايا الذين لم يخذلهم القانون الدولي من قبل).

مشكلة المحاكمة

علاوة على ذلك، من دون خطة واقعية لكيفية ضمان إجراء محاكمة فعلية، فإنّ الوعود الاعتباطية ترفع آمال الضحايا بلا مبرر وتصيبهم بخيبات أمل كبيرة.

إن آفاق إجراء محاكمات عادلة لمعالجة الصراع السوري ضعيفة للغاية. فالعنف المستمر والتحديات العملية لضمان حضور المشتبه بهم شخصياً إلى المحاكمة ما هو إلا مثال بسيط على صعوبة المهمة.

إذا تقررت محاكمة متهم سوري رفيع المستوى، فأين ستجري هذه المحاكمة؟ إن استمرار العنف واستقطاب القضاء يجعلان من المستبعد إجراء المحاكمة في سوريا. وإن تمت المحاكمة داخل سوريا، فسنرى محاكمة شبيهة بتلك التي خضع لها صدام حسين، أي محدودة في اتهاماتها، مسيّسة إلى حد كبير، وتتم بسرعة دون مراعاة الأصول القانونية، ما يصيب العديد من الضحايا بخيبة الأمل.

هناك تحديات كبيرة قد تواجه عمل أية محكمة دولية أو حتى أية محكمة مختلطة. فهل سيتم التحقيق مع أطراف الصراع المتعددة ومحاكمتهم على الفظائع المرتكبة منذ العام 2011؟ ومن سيضمن اعتقالهم وحجزهم ونقلهم إلى موقع المحكمة؟ وهل سيُمنح الجناة المتهمون منبراً للتشدق والتبجح ودخول التاريخ؟ وهل سيتمكن الضحايا من كافة الأطراف من تقديم شهاداتهم دون خوف على سلامتهم؟ وماذا عن ضحايا نظاميّ الأسد، أي ما قبل العام 2011؟ هل ستتاح لهم الفرصة لرؤية المعتدين عليهم يُحاكمون، وإظهار شيء من الحقيقة بشأن انتهاكات ما قبل 2011؟ وهل ستتعاون أجهزة الدولة السورية لجمع الأدلة؟

إيجابيات الجهود الدولية وسلبياتها

من المؤكد أن الدعوات لإحقاق العدالة في سوريا ليست سابقة لأوانها، بل هي متأخرة جداً نظراً للفظائع المروّعة التي ارتُكبت في سوريا، ليس فقط منذ بدء الثورة في العام 2011، بل أيضاً منذ عقود في ظل نظاميّ حكم الأسد الأب والابن. وقد أدّت مجموعة المطالبات بمحاسبة مجرمي الحرب السوريين إلى تحرّكٍ دولي بشأن القضية.

بعد أيام قليلة من الهجوم الكيميائي على خان شيخون، تقدم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بقانون لمحاسبة جرائم الحرب السورية. ويدعو القانون إلى إنشاء محكمة مختلطة “لمحاسبة الأسد ونظامه على أفعالهم الشنيعة”.

لقد حققت الجهود المبذولة لإطلاق قوانين قضائية عالمية في كل من ألمانيا وإسبانيا والسويد وغيرها من البلدان نجاحاً لا بأس به. إذ تتابع إحدى المحاكم الإسبانية التحقيق في دور قوات الأمن التابعة للرئيس بشار الأسد في “إرهاب الدولة” بعد حادثة اختطاف سائق شاحنة وتعذيبه وإعدامه في العام 2013. ورغم أن هذه الحالة تعتبر حادثة فردية في ظل الجرائم الممنهجة التي تُرتكب في سوريا، إلا أنها قضية بارزة كون التحقيق يطال القيادة السورية. غير أن إصدار مذكرة اعتقال خاصة بهذه القضية لا يزال بعيد المنال.

قد يجادل البعض قائلاً إن بعض العدالة أفضل من لا شيء- وإن تحديد هوية الجناة بالاسم وفضحهم هو بحد ذاته شكل من أشكال العدالة. لكن تسمية المشتبه بهم ليست بالعقاب الكافي، ولا تحمل أية مساءلة ذات معنى. من شأن غياب المحاكمات والأحكام تعميق الهوّة القاتمة للأسئلة التي لم يتم الرد عليها بشأن المسؤول عن هذه الجرائم المروّعة. بالنسبة للكثيرين فإن أسلوب حياة الملاحقة الذي يعيشه المشتبه بهم- كأسلوب الحياة المريح الذي يعيشه عمر البشير منذ 2009- إنما يجعلهم يبدون كضحايا، من قبل القانون الجنائي الدولي، الذي يعتمد على (عدم) تعاون الدول لفرض قوانينها.

وهناك أيضاً مسألة أكبر حول ما إذا كان السعي إلى طرح مسألة المحاسبة الجنائية سوف يسيء إلى احتمالات التوصل إلى حل للصراع في سوريا. حتى الآن لم يتم تحقيق السلام أو العدالة. في اليمن سهّلت الحصانة التي حصل عليها الرئيس السابق علي عبدالله صالح عودته المدوية إلى عالم السياسة. لم ينعم اليمن، المتورط في حرب أهلية وحشية يشارك فيها العديد من الأطراف الإقليمية، كما هو الحال في سوريا، هو الآخر بالسلام ولم يرَ العدالة تتحقق منذ العام 2011.

في هذا النوع من الصراعات المعقدة المميتة المروّعة، من الواضح أن تكون الأولوية إيجاد وسيلة لإيقاف العنف في سوريا. لكن لا توجد ضمانات تؤكد على أن الصراع سينتهي قريباً.

شكّل الفيتو الصيني والروسي على قرار مجلس الأمن، الذي اقترح إحالة المسألة السورية إلى المحكمة الجنائية الدولية، ضربةً للمطالبين بالمحاسبة في سوريا. وبالتالي، انتعشت الآمال بإنشاء آلية دولية محايدة ومستقلة للمساعدة في التحقيق ومقاضاة المسؤولين عن أخطر الجرائم المرتكبة في سوريا بموجب القانون الدولي.

لكن هذا النوع من الآليات لا يزال يواجه تحدياً يتمثّل في تحديد مسؤولية الأفراد المنخرطين في الصراعات المستمرة والمحتدمة. قد تكون إحالة المسألة إلى المحكمة الجنائية الدولية قد همشّت نظام الأسد في بعض المحافل الدولية، لكن من شأنها أيضاً أن تجدد الاتهامات الموجهة للمحكمة بالإمبريالية وبملاحقة الدول الضعيفة والتغاضي عن تجاوزات الدول القوية. وبغضّ النظر، إذا ما أخذنا السودان كمثال، نقول إن التهم الجنائية لم تساعد بالضرورة على إنهاء الصراع في السودان.

من الضروري إذاً التراجع خطوة للتفكير في خيارات أخرى أكثر واقعية، في عملية السعي نحو تحقيق العدالة- سواءً الآن أو في سوريا ما بعد الصراع.

هذا هو السبب الذي يجعل الجهود البطولية التي يبذلها الناشطون والمحامون السوريون ومنظمات المجتمع المدني والشهود لتوثيق الانتهاكات في سوريا غاية في الأهمية. فهذا التوثيق هو بمثابة الكنز الذي سيفيد التحقيقات والملاحقات القضائية في المستقبل. ولكنه يؤسس أيضاً لعملية مصالحة وطنية هادفة، وإلى الحفاظ على الذاكرة وتوثيق الحقائق.

ورغم أن الدعوات إلى تحقيق العدالة تأتي في الغالب كرد فعل، إلا أنها لا يجب أن تكون متهوّرة. فالوعود الفارغة المتمثّلة في محاسبة المعتدين من شأنها تأجيج عذاب ضحايا أشد الصراعات فتكاً في القرن الحادي والعشرين.

Get daily updates from Brookings