Skip to main content
Jordanian protesters take part in a march against a government agreement to import natural gas from Israel, in Amman March 6, 2015. The placards read "The enemy's gas is occupation" (R) and "No to the Zionist gas deal" (2nd L). REUTERS/Majd Jaber (JORDAN - Tags: POLITICS CIVIL UNREST BUSINESS ENERGY) - RTR4SBEK
مركز

الاحتجاجات في الأردن على صفقة الغاز مع إسرائيل تكشفت عن خلافات أعمق

في الوقت الذي ينشغل العالم فيه بالأحداث في سوريا والجدال الدبلوماسي بشأن الأزمة الحادة في حلب بشكل خاص، قد يكون الالتزام الذي أعلنه الأردن الشهر الفائت بصفقة غاز بقيمة 10 مليار دولار أمريكي – عقدتها شركة الكهرباء الوطنية الأردنية المملوكة للدولة – قد مرّ مرور الكرام، باستثناء أمر واحد. أبرمت صفقة شركة الكهرباء الوطنية الأردنية مع مورّدين إسرائيليين في وقت لا يزال التوتر العام في الأردن على أي شكل من أشكال التطبيع مع الأعداء الإسرائيليين السابقين تقابله معارضة شعبية.

وبعد الإعلان عن الصفقة، اكتسبت الاحتجاجات والمظاهرات في الأردن زخماً. وأصبح الآن المسؤولون الحكوميون يواجهون بعض الحقائق المحرجة المتعلقة بحدود التعاون في أوقات غير مستقرة وهشة. تضافر آلاف الأردنيين العاديين للمطالبة بالعودة عن الاتفاق؛ فنظّموا المسيرات والاعتصامات ودعوا إلى “إطفاء الأنوار” تعبيراً عن سخطهم. وكان مجلس النواب الأردني قد رفض التزاماً سابقاً بالصفقة مع إسرائيل.

صفقة الغاز الحقيقية

رغم مضي أكثر من عشرين عاماً على توقيع اتفاقية السلام التاريخية بين الأردن وإسرائيل لإنهاء عقود من الحرب، قد يُسامح زوار المنطقة الذين يظنون أنّ الطرفين لا يزالان عدوين، لا سيما على المستوى الشعبي. لقد حرصت إسرائيل على تغيير الوضع الراهن من خلال تدبير شروط سلام اقتصادي يقوم على الطلب المتزايد على الطاقة في المنطقة.

الأردن، على سبيل المثال، يستورد 97 بالمئة من احتياجاته من الطاقة، بما في ذلك النفط والمشتقات النفطية الأخرى، من المملكة العربية السعودية. وقد أعلن وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني عن نية حكومته للحد من التبعية الطاقة هذه بنسبة تصل إلى 37 بالمئة خلال السنوات المقبلة، إلا أنّه في الوقت الحلي تواجه هذه الدولة التي تفتقر إلى الموارد زيادة في الطلب على الطاقة، علماً بأنها تستضيف مئات الآلاف من اللاجئين السوريين.

تروّج إسرائيل لنفسها على أنها جزءٌ من الحل لمشاكل الطاقة هذه. ومن خلال استغلالها لاحتياطيات الغاز التي تسيطر عليها في حوض البحر الأبيض المتوسط، لقد أملت أن تبرم صفقات الطاقة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات مع جيرانها العرب، بما في ذلك مصر والسلطة الفلسطينية والأردن. بيد أنّ هذه الطموحات أعيقت مؤقتاً في العام الماضي عندما ضغطت احتجاجات المجتمع المدني على السلطة الفلسطينية لإلغاء صفقة غاز مع إسرائيل بقيمة 1,2 مليار دولار أمريكي.

حقل ليفياثان

لقد وقّع الأردن على الاتفاق الإسرائيلي في العام 2014، فالتزمت لأكثر 15 عاماً باستيراد أكثر من 1,5 تريليون قدم مكعب من الغاز من حقل ليفياثان قبالة الساحل الإسرائيلي. أشارت التقديرات حينذاك إلى أن الصفقة ستدرّ على إسرائيل ومستثمرين آخرين في هذا الحقل أرباح بقيمة 15 مليار دولار. كانت الحكومة الأردنية تعلم أنّه سيترتّب على تلك الصفقة مخاطر سياسية، بيد أنّه من الواضح أنها لم تتوقع أن تصل الاحتجاجات التي قامت خلال الشهر الماضي إلى المستويات التي وصلت إليها.

أما بالنسبة لإسرائيل، فكان الاتفاق للدلالة على مدى إمكانية تحقيق طموحاتها. وقد حفّزت إمكانية تحقيق مكافئة سياسية – على شكل التطبيع مع جيران إسرائيل العرب – إسرائيل على إطلاق حملة علاقات عامة. وقد حاولوا أيضاً عقد صفقة بيع غاز لينة لأسواق التجارة العالمية. يحتاج المستثمرون إلى رؤية صفقات، إلا أنهم يحتاجون أيضاً إلى صفقات تتحقق في أراضٍ حيث تكون المخاطر منخفضة أو على الأقل يمكن إدارتها. تكمن المشكلة الآن في إمكانية تحول حقل ليفياثان جزئياً إلى أصول محصورة لأسباب سياسية. يُعتقد أن اللعبة الجيوسياسية التي تشمل حقل ليفياثان تمتد غرباً إلى المياه القبرصية، وشمالاً إلى السواحل الفلسطينية، وربما أبعد من ذلك شمالاً لتصل إلى الشواطئ اللبنانية. بات النقاش محتدماً حول إمكانية الاعتراف بمطالبة فلسطين بأحقيتها بمنطقة ساحلية شرعية (تمتد عادةً على طول الساحل) من عدمه.

من غير المرجح أن يكسب قيام الاحتجاجات في الأردن، في وقت أصبحت البلاد فيه أضعف أمام قوى وتهديدات أخرى – مثل الجهاد السلفي الداخلي وتدفق اللاجئين من سوريا – ثقة المستثمرين لصالح مروجيها الإسرائيليين.

حقائق اقتصادية مخفية  

إلا أن الحقيقة بالنسبة للأردن هي أن الطلب على الطاقة يتنامى – ويُعزى ذلك من ضمن أسباب أخرى إلى زيادة السكان بنسبة 10 بالمئة بسبب أزمة اللاجئين السوريين. علاوةً على ذلك، أدت إدارة الدين الوطني إلى خفض دعم قطاع الطاقة. ارتفع عجز الموازنة في الأردن ليصل إلى 1,5 مليار دولار، وتشهد معدلات البطالة أيضاً – لا سيما بين الشباب – ارتفاعاً.

اعتمد الأردن على مصر لوارداته من الغاز بنسبة 80 بالمئة، إلا أن هذه الواردات قد عُطّلت خلال السنتين الماضيتين بسبب تعرّض الأنابيب بين الدولتين للتخريب مراراً وتكراراً على يدّ داعش في سيناء حتى باتت غير قابلة للتصليح. تدعي الحكومة أن الاتفاق الإسرائيلي سيساعد على التخفيف من فاتورة الكهرباء بمعدل 600 مليون دولار سنوياً. لهذه الأسباب، لن تتمكن الحكومة بسهولة من التخلي عن الاتفاق مع إسرائيل. ما من شيء سيدفع صناع القرار على إعادة التفكير إلا إذا قامت احتجاجات شعبية ضخمة – مما قد يؤدي بدوره إلى إلحاق الضرر باقتصاد البلاد الضعيف.

 سلام، يختلف عن السلام الذي نعرفه

لم يلخص التعاون الاقتصادي أو غير ذلك من أرباح السلام المرتبطة عادة باتفاقيات السلام حقبة السلام بين إسرائيل والأردن. فعلى سبيل المثال، تعثرت الطموحات بالعمل المشترك على الترويج والتعاون في مجال السياحة، حيث يتفادى السياح زيارة إسرائيل (لا سيما وأنها لا تزال في حالة صراع عنيف مع الفلسطينيين) أو الأردن (كمنطقة عازلة نتيجة الحرب المستعرة والاحتلال في العراق ومؤخراً في سوريا). وقد وجدت حتى أفضل المناطق الصناعية والأكثر أهلية بين الدولتين صعوبات من أجل تحقيق الاستدامة والازدهار على الصعيد الاقتصادي.

يُضاف إلى ذلك غياب الدعم بين الأردنيين العاديين عموماً (أغلبيتهم ينحدرون من أصل فلسطيني) لاتخاذ خطوات تشجع التعاون مع دولة لا تزال تحتل أراضٍ فلسطينية وسورية ولا تزال عدواً بالنسبة للشريحة الأكبر من سكان العالم العربي. إن التحالف المعارض للاتفاق الراهن لا يضم فقط الأطراف التي لطالما عارضت إسرائيل – كالإخوان المسلمين في الأردن – إنما أيضاً مصالح المجتمع المدني الأخرى التي تعكس الخوف الأكبر في ظل حكومة تقيم اتفاقيات لا تمثل الأطراف كافةً بشكلٍ دستوري أو مجتمعي.

هذا ما يكشف درجة قبول الشعب الأردني اتفاق السلام مع إسرائيل. كما وتكشف أن المصالحة الحقيقية التي تقوم على التقبّل المتبادل بين الشعوب التي كانت متحاربة في ما سبق هي بعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى.

Get daily updates from Brookings