مركز

استعادة الشرعية وإعادة بناء اليمن: وجهان لعملةٍ واحدة

Sultan Barakat

بعد مُضي أكثر من خمسة أسابيع وشن أكثر من 3,000 طلعةٍ جوية منذ بدء عملية “عاصفة الحزم”، أصبح اليمن – الذي هو من أفقر البلدان في الشرق الأوسط – على وشك الانهيار التام، حيث يحتدم القتال بين المجموعات المحلية في شوارع عدن ومأرب وتعز، وغيرها من المدن الأخرى.

وإذ تحترز المملكة العربية السعودية التي تقود التحالف من شن هجومٍ بري، فقد أعادت تسمية العملية بـ “إعادة الأمل”، قائلة بأن لها تركيزاً جديداً على المشاركة السياسية والإغاثة الإنسانية. ومع ذلك تتواصل الغارات الجوية، بالاستعانة بمعلوماتٍ استخباراتية عسكرية أمريكية وبدعمٍ من شحنات الأسلحة الأمريكية المستعجلة. وتشير تقاريرٌ وردت مؤخراً إلى أن مقاتلين يمنيين أشرف التحالف على تدريبهم يصلون الآن إلى عدن لدعم القتال ضد الحوثيين.

وقد قدّمت المملكة 274 مليون دولار لأعمال الإغاثة الإنسانية، استناداً إلى تقرير مرتجل أصدرته الأمم المتحدة عن تكاليف توفير المواد الغذائية والإمدادات الطبية الأساسية. وعلى الرغم من أن وصول وسائل الإعلام الإقليمية كان محدوداً (وهو خيار طوعي في بعض الأحيان على ما يبدو)، تشير الأرقام الأولية الصادرة عن المستشفيات اليمنية ومنظمة الصحة العالمية إلى أن العتبة النفسية المقدرة بوقوع 1,000 حالة وفاة بين المدنيين قد تم تجاوزها منذ فترة طويلة.

ما من نهاية واضحة للعملية – فقد رفضت باكستان تقديم الدعم البري للعمليات عبر الحدود، في حين أن الحليفتين مصر والإمارات العربية المتحدة لا تحبذان دعم أي تسويةٍ سياسية من شأنها تعزيز وضع الإسلاميين في اليمن. والهدف السياسي المعلن في بداية الحملة، أي  بإعادة “السلطة الشرعية” لحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، لا يبدو أن تحقيقه قريب.

النجاح الأولي؟

يسارع المحللون السعوديون إلى الإشارة للنجاحات التي حققتها حملة القصف، بطبيعة الحال. أولاً، من الناحية العسكرية، فهم يرون أن الحملة قد حدَّت من قدرات اليمن الهجومية، لا سيما من حيث قوته  الجوية والصواريخ الباليستية، وبالتالي، فقد أزالت هذه الحملة أي تهديدٍ مباشر للمملكة العربية السعودية والمنطقة. ولكنها حتى الآن بالكاد قللت من الخطر الذي يمثله الحوثيون والموالون لصالح على أولئك الذين يرفضونهم في عدن وغيرها من المدن. وإذا ما أدت الحملة إلى أي شيء، فهي قد أثارت حفيظة الحوثيين وغضبهم العشوائي، فضلاً عن إصرار الموالين لصالح على الانتقام.

إن الطبيعة اللامركزية لميليشيا الحوثي، والتضاريس الكثيفة للبيئات الحضرية والمناطق الجبلية، وعدم وجود استخبارات موثوقة لتحديد الأهداف على الأرض بدقة، كلها تعني أن الخسائر المدنية والمعاناة بين صفوف المدنيين سوف تستمر. وفي ظل غياب  جهود متضافرة على الأرض، فإن الوقت يعمل لمصلحة الحوثيين والموالين لصالح، الذين لا يحتاجون إلى الكثير للحفاظ على جهودهم ويمكنهم  ببساطة الجلوس والانتظار.

ولكن، عندما نفدت قائمة أهداف التحالف الأولى (القواعد العسكرية، ومستودعات الأسلحة، وقاذفات الصواريخ، والمطارات العسكرية)، توسعت حملة القصف لتشمل استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك الطرقات ومحطات الطاقة، وغيرها من المنشآت، كالمباني الإدارية في صعدة وأماكن أخرى. وقد تم تبرير كل هذا القصف بما أصبح شائعاً على غرار “المقاتلون يختبئون في مناطق مدنية” أو “المقاتلون يتخذون المدنيين كدروع بشرية”.

وفي الوقت نفسه، بالكاد أصيبت أسواق النفط العالمية بالذعر خلال الحملة، مما يدل على قلة الاهتمام العالمي بصراع تنخرط فيه أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم إلى جانب واحدة من أهم ممرات عبور الطاقة. وعليه، لم يُبذلْ أي جهدٍ دولي جاد لوقف الحرب.

ثانياً، من الناحية السياسية، يعتبر المحللون السعوديون إلى الإجراءات الحاسمة الذي نفّذتها المملكة رسالةً واضحةً لإيران مفادها أن التدخل في شؤون المنطقة لم يعد أمراً مقبولاً، ولا سيما في ما يُعد الساحة الخلفية للمملكة العربية السعودية. ولكن، بعيداً عن هذا البيان الغريب، لم تبذل إيران الكثير من الجهد في دعم الحوثيين على الأرض أو في المحافل الدولية. فلو كانت إيران ترغب في ممارسة الضغط السياسي على المملكة العربية السعودية وعلى الرأي العام العالمي، لعمدت على الأقل إلى تعليق مشاركتها في المحادثات النووية عقب الإعلان عن بدء الحملة على الفور.

ولكنها لم تفعل ذلك، مما يوضح لكلٍ من الحوثيين والسعوديين أنّ مشكلتهم في الأساس هي مشكلة عربية (وخليجية بشكلٍ خاص). يجب أن يتوقف السعوديون عن النظر إلى الحوثيين بصفتهم وكيلاً إيرانياً. فمعاقبتهم – ومعاقبة المدنيين تحت سيطرتهم – لا توقع أي عقوبة على إيران. خلال هذا الأسبوع فقط، دمرت الطائرات السعودية مدارج مطار صنعاء، بدلاً من السماح لطائرة إيرانية بالهبوط، مما عرقل أكثر الجهود الإنسانية التي تمسّ الحاجة إليها.

 ثالثاً، إن حملة القصف وقرار مجلس الأمن الدولي الذي تلاها قد جرى النظر إليهما على أنهما يمثلان جهداً عربياً موحداً ذا أهمية. وعلى الرغم من أن الدول العربية انضمت إلى التحالفات بقيادة الولايات المتحدة خلال “عاصفة الصحراء” وضد داعش، إلا أنها لم تقد  تحالفاً خاصاً بها منذ حرب 1973 مع إسرائيل. ولكن الاختبار الحقيقي ليس ما إذا كان العرب قادرين على حشد قواتٍ موحدة استجابة لدعوة هادي لاستعادة الشرعية في اليمن، ولكن ما إذا كان  بإمكانهم فعل الشيء نفسه، استجابة لمناشدات الملايين من زملائهم العرب الذين يعانون في سوريا والعراق – وبالأخص – في غزة والضفة الغربية.

ومهما استطاعت الحملة العسكرية تحقيقه حتى الآن، فقد تمَّ ذلك على حساب زيادة صعوبة الوضع  الاقتصادي والاجتماعي الذي كان حرجاً أصلاً بالنسبة للغالبية العظمى من اليمنيين وتحويله إلى أزمة إنسانية وطنية. فالسكان الذين يبلغ تعدادهم 24 مليون نسمة في البلاد قد تمّ فصلهم عن العالم الخارجي لأكثر من شهر، في ظل معاناة غالبية المدن من انقطاع الكهرباء والتعتيم ونقص في الوقود والمياه الصالحة للشرب. وتتعرض واردات المواد الغذائية للتهديد في بلدٍ جعلته عقودٌ من التنمية الفاشلة يعتمد على الواردات بنسبةٍ تصل إلى 90 بالمئة من المواد الغذائية الأساسية. كما تعرقلت، إنْ لم تتعطل تماماً، التحويلات المالية التي تبلغ 4-6 مليار دولار، والتي أبعدت طويلاً شبح الفقر المدقع بالنسبة للكثيرين. أما النازحون الذين بلغ عددهم  200,000  نتيجة للحروب السابقة في صعدة وفي الجنوب، فقد زادوا 150,000 نازحٍ جديد.

كسب المعارك، وخسارة الحرب

في ظل هذه الظروف، كل يومٍ يمر يعني أن المملكة العربية السعودية تغامر بخسارة الحرب، بغض النظر عما إذا كانت تفوز في كل معركة. فالصراع بالتأكيد أدى إلى تمكين تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، الذي استطاع احتلال المكلا، خامس أكبر مدينة في اليمن، والاستيلاء على عشرات الملايين من الدولارات من البنك المركزي هناك. وقدَّم اللون الطائفي الذي تمّ إضفاؤه على الصراع، مرة أخرى، فرصةً للقاعدة في شبه جزيرة العرب وللمجموعات المتطرفة الأخرى لتقديم نفسها على أنها حماة “السُنَّة” في الإسلام. وكما هو الحال في سوريا والعراق، سوف يعود هذا (التأطير الطائفي) إلى ملاحقة جميع الأطراف المعنية.

مع استمرار الغارات الجوية، سيصبح معظم اليمنيين في نهاية المطاف ضد المملكة العربية السعودية، ليس لأنهم يؤيدون الحوثيين أو حتى يرغبون في العودة إلى حكم صالح، ولكن لأنهم شعب فخور يرفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لبلاده، ويخشى تقسيمها إلى كانتونات تسيطر عليها “قبائل” و”ميليشيات”، ومن المرجح أن يلقي باللوم على المعتدي بسبب الفشل في معالجة الأزمة الإنسانية – مهما كان عدد الشيكات التي تقدمها الحكومة السعودية إلى الأمم المتحدة.

استراتيجية سياسية متجددة

إن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة هو تجديد الدعوة لإجراء مفاوضات سياسية، والاستفادة من حقيقة أنه لا الحوثيين ولا صالح من المرجح أن يكونوا راغبين في أن تحقق القاعدة في شبه الجزيرة العربية مكاسب كبيرة أو في ظهور مفاجئ للدولة الإسلامية. ولتكون هذه الدعوة فعَّالة، يجب أن تقود المملكة العربية السعودية استراتيجية ثلاثية المحاور:

1. إعلان وقف إطلاق نار حقيقي وفعال من أجل السماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى البلاد.

إن تمويل المساعدات مع الاستمرار في الحملة الجوية يمكن أن يُفسر على أنه مناورة ساخرة من قبل تحالفٍ لا يعرف أين يوجه القصف في الضربة التالية. ولكي تصل هذه المساعدات إلى السكان الذين هم بأمس الحاجة إليها، ينبغي أن تعمل المملكة العربية السعودية من أجل وقف فوري لإطلاق النار، ويكفيها من الشروط ما يحفظ ماء الوجه بأن يكون لديها فرصة للنجاح. ويتعين على السعودية (ولا يزال بوسعها) مراعاة قدسية شهر رجب (الذي يصادف هذا العام من 20 أبريل إلى مايو 18) – وهو من الأشهر التي يحرّم على المسلمين فيه القتال. وهذا من شأنه أن يمنح السعوديين أرضية أخلاقية متميزة في سعيهم للوساطة مع الحوثيين ومع الفرق العسكرية الموالية لصالح. ولن يكون أمام الحوثيين  أي خيار سوى أن يفعلوا الشيء نفسه. ومع ذلك، أن تتوقع منهم نزع سلاحهم، كشرط مسبق لوقف إطلاق النار، فهو أمر غير واقعي، نظراً للمهزلة التي وجدوا أنفسهم فيها.

2. السعي لإيجاد وسيط موثوق به والتخلي عن استضافة المحادثات السياسية في الرياض.

من الواضح أن الرياض لم تعد مكاناً مقبولاً للحوثيين، ومن المحتمل أن تكون مثيرة للجدل لكثيرٍ من الفصائل اليمنية الأخرى. بدلاً من ذلك، لا بد للسعودية أن تستفيد من الموقف المحايد الذي اتخذته سلطنة عمان تجاه الصراع وتطلب منها تسهيل الحوار.

إن عملية الوساطة بدورها لا بد أن تعالج ثلاثة أهداف مترابطة:

أولا، يجب أن تعمل على تثبيت وقف إطلاق النار والتأكد من وجود الآليات تٍ المناسبة للمراقبة والإشراف.

 ثانيا، يجب أن تعمل على صياغة عملية سياسية متجددة أكثر متانة، بدلاً من محاولة لرأب الصدع والترقيع في البلاد من خلال طبقات وطبقات من الصفقات التي تتم تحت الطاولة. ولا بد أن تكون المملكة العربية السعودية، أثناء قيامها بذلك، واقعية في دعمها لهادي إزاء رغبتها في العيش بجوار يمنٍ مستقرٍ ومزدهر.

إن رئيس الوزراء السابق ونائب الرئيس المعين حديثاً، خالد البحاح، قد يكون شخصية لا تثير الكثير من الانقسام حولها ومقبولة لتشكيل حكومة مؤقتة، لكنه يجب أن يعود مع حكومته إلى اليمن – في أي مكان في اليمن – وإلَّا فإنه أيضاً سوف يفقد الشرعية بسرعة في عيون اليمنيين. وقوات التحالف التي قيل أنها ظهرت في مهمة “استطلاع” في عدن قد تعكس الجهود الرامية إلى إقامة منطقة آمنة لعودة الحكومة.

ثالثاً، والأهم من ذلك، ينبغي لعملية الوساطة العمل على بناء علاقة واضحة بين المواطنين والدولة بدلاً من استيعاب كونفدرالية مناطق وجماعات مختلفة، أو تحالفات قبلية. جاء الرئيس هادي نتيجة لصفقة سياسية أُبرمت بين النخب استناداً إلى عدد من التسويات والصفقات، وهو ترتيب مؤقت سرعان ما سقط في مواجهة تحالف مصلحة بين صالح والحوثيين. وهناك حاجة ملحة لبناء دولةٍ مدنية من أجل وضع البلاد على الطريق الصحيح لإجراء انتخابات وتشكيل حكومة تمثيلية في نهاية المطاف.

3. إطلاق رؤية لإعادة التعمير والتنمية لليمن.

إذا أرادت المملكة العربية السعودية حقاً إثبات “عزم العرب على العمل وحدهم”، فهي تحتاج إلى إظهار أن الدول العربية بوسعها إعادة بناء دولة دمرتها الصراعات المزمنة في وسطها – دولة يمكن أن يتم انقاذها، على عكس ليبيا أو سوريا أو العراق، التي مزقتها الحرب.

ينبغي على السعودية البناء على قرار الأمم المتحدة لتأمين خطة لإعادة إعمار اليمن وتمويلها على المدى الطويل. وينبغي أن تستند الخطة على تحقيق الهدف النهائي، ألا وهو دمج اليمن في مجلس التعاون الخليجي، والاستفادة مما لديه من الموارد البشرية والطبيعية ومن الشريط الساحلي الاستراتيجي الذي يتوفر له.

 يتعين على المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي ألا تكتب شيكاً للأمم المتحدة وتترك  الهيئات والمنظمات غير الحكومية تحت مظلة هذه الأخيرة تعالج مسألة اليمن بنفسها. فقد أظهرت التجربة اليمنية مراراً وتكراراً بأن هذه الهيئات غير قادرة على بناء قدرات الدولة أو توفير تنمية فعالة على المدى الطويل – وهو إخفاقٌ أوصل اليمن إلى شفير الأزمة في المقام الأول.

مهما كانت رؤية إعادة الإعمار المنبثقة، فإن دول مجلس التعاون الخليجي يجب أن تظل جزءاً مشاركاً في تطويرها وتنفيذها على المدى الطويل. أليس من الرائع أن نرى الدول العربية الغنية موحّدة في هذا التحدي البنّاء من أجل إعادة الازدهار للبلد الذي كان في يومٍ من الأيام قلب العالم العربي؟

إن منح جميع اليمنيين، بمن فيهم الحوثيين، المساحة للعمل على بناء مستقبل اليمن، في شراكة مع إخوانهم في الدول الخليجية، هو السلاح الحاسم الوحيد المتوفر لدى السعوديين وحلفائهم لكسب تأييد ملايين اليمنيين، الذين أسكتتهم الخيارات الصعبة لهذه الحرب.

Get daily updates from Brookings