Commentary

Op-ed

المؤسسات المسلحة في الدساتير المصرية 1923-2013

“ايه يعني لما نعدم مليون مصري في سبيل نجاح المسيرة ؟” صاح الرائد صلاح سالم، العضو البارز في الفصيل الموالي لجمال عبد الناصر داخل مجلس قيادة الثورة في فبراير 1953. “أنا معملتش ثورة عشان أعدم المصريين وأنكل بيهم”، ردّ العقيد يوسف صديق، الضابط اليساري الذي استقال من مجلس قيادة الثورة قبل شهر من هذا النقاش الحاد.

ولمن لا يعلم، صديق هو مُنقِذ انقلاب 1952. فقد تحرك قبل ساعة الصفر للسيطرة على قيادة أركان القوات المسلحة المصرية، عقب كشف خطة الانقلاب، فأجهض بذلك التحرك المضاد للقيادات العسكرية الموالية للملك. ومالم يكن في حسبان العقيد صديق هو ما سيتعرض له من زملاء الانقلاب بعد عدة أشهر من نجاحهم. فهم لم يزجوا به في السجن فحسب، وانما اعتقلوا واعتدوا على زوجته وزوج ابنته وآخرين من أفراد عائلته. السبب؟ رفضه لحكم العسكر، ودعمه لنظام برلماني ديمقراطي.

نُفِيَ الملك فاروق الأول في 26 يوليو من العام 1952. فأصبح السؤال الذي يطرح نفسه هو من سيحكم مصر: هل هو المُنتخب أم المُسَلَح؟ البرلمان أم العسكر؟ لم تكن الإجابة سهلة. فنظريا المُنتَخب بإرادة شعبية هو الشرعي. أما عمليا فِميزان القوى و ميزان الرعب يميلان بشدة نحو المُسَلح، أو بشكلٍ أدقّ، نحو بعضٍ الفصائل المُسَيَسَة في المؤسسات المسلحة.

قضية الدساتير والمؤسسات العسكرية في مصر قضية شائكة ومثيرة للجدل. فقد بدأت عملية “تقنين” و”دسترة” الهيمنة السياسية للعسكر منذ انقلاب 1952. وبعد ستة عقود، ما زالت مصر تواجه نفس القضية الشائكة، ولكن في بيئة أشد قمعا و أكثر دموية.

عسكرة السياسية وسياسة العسكر

زادت امتيازات الجيش في الدساتير المصرية بشكل مطرد منذ انقلاب عام 1952. إلا أنّ القصة بدأت قبل ذلك بقليل. ففي دستور عام 1923، كانت جميع القوانين التي تحكم الجيش وقوات الشرطة بالكامل في أيدي المشرّعين في البرلمان المنتخب.هذا عكس ركناً أساسياً من أركان السيطرة المدنية المنتخبة على المؤسسات المسلحة. لكن حينها لم يكن الجيش وقوات الشرطة المؤسسات المهيمنة، إذ كانت كفة ميزان القوى تميل إلى حدّ كبير لصالح القوات المسلحة البريطانية في مصر.

ثمّ أتى انقلاب 1952 وغيّر هذه الظروف بشكل كبير، فهو لم يكن انقلاباً ضد النظام الملكي فحسب، بل أيضاً ضد برلمانٍ منتخب. فبعد مغادرة فاروق الأول، أرادت أقلية في صفوف الضباط الحاكمين دعوة البرلمان للانعقاد واستئناف الحياة السياسة الديمقراطية الدستورية. من بين أولئك الضباط العقداء يوسف صديق وأحمد شوقي ورشاد مهنا والرائد خالد محي الدين، وغيرهم. بيد أنّ الأغلبية الساحقة في مجلس قيادة الثورة كانت ترغب بديكتاتورية عسكرية. ونظراً لكون الأقلية المؤيدة للديمقراطية مسيطرة على قوة عسكرية مهمّة، وخاصة سلاح المدفعية، كان لا بد من التوصل إلى حل وسط، وهو: فلنطُلب رأي القضاة.

في 31 يوليو 1952، صوّت مجلس الدولة – الذي كان مسيّساً للغاية – بنسبة 9 أصوات إلى صوت واحد ضد انعقاد البرلمان المنتخب. كان القاضيان عبد الرزاق السنهوري، رئيس المجلس، وسليمان حافظ، وكيل المجلس، ضدّ حزب الوفد الذي كان الحزب الأكثر شعبية في ذلك الوقت. وأراد القاضيان اقصاء الحزب ومنعه من السيطرة على البرلمان. وفي مرحلة لاحقة، أفتيا بدستورية ترأس العسكر للحكومة المدنية، فصار اللواء محمد نجيب رئيسا للوزراء. قضى تسعة قضاة غير منتخبين بإسقاط خصومهم السياسيين المنتخبين. وبذلك لم يسقطوا ما بقى من ديمقراطية مصر الهشة فحسب، وانما قَنّنّوا حكم مَنْ استولي على السلطة بالسلاح.

خطوة إلى الأمام، اثنتان إلى الوراء

إلا أنّ مسودة دستور عام 1954 حاولت العودة عن مسار مجلس قيادة الثورة في ما يتعلّق بحكم العسكر. فلم تقم المسودة بحظر محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية تحت أي ظرف من الظروف فحسب (مادة 20)، بل فرضت أيضاً على الدولة تثقيف المجندين وتعليمهم (مادة 180). وبموجب المسودة تمّ إنشاء مجلس الدفاع الوطني، ولكنها حسرت دوره ليكون استشارياً فقط بشأن ثلاث قضايا محددة وهي: إعلان الحرب، المصالحة، التدابير الدفاعية (مادة 185). وتُركت معظم القوانين التي تنظّم المؤسسات المسلحة (الجيش وقوات الشرطة) بيد البرلمان المنتخب، والذي أعطته المادة الأولى من مسودة الدستور مكانة خاصة: “مصر هي جمهورية نيابية برلمانية”.

لم يتم التصديق بالطبع على مسودة الدستور. فعبد الناصر وفصيله العسكري لم يريدا دولة ذات مؤسسات ديمقراطية فاعلة، وانما ديكتاتورية عسكرية مبنية على تمجيد الزعيم الملهم. وبدلاً من التصديق عليها، عثر المؤرخ صلاح عيسى على النسخة الوحيدة من دستور 1954 في العام 1999، في الطابق السفلي لمركز أبحاث تابع لجامعة الدول العربية. فكتب بعد ذلك كتاباً بعنوان “دستور في سلة مهملات” ليعكس القصة الحزينة للديمقراطية الدستورية في مصر.

مما لا شكّ فيه أنّه بالمقارنة مع مسودة دستور عام 1954، يبدو دستور 2012 كخطوة للوراء على مسار الديمقراطية والحريات والعلاقات المدنية-العسكرية المتوازنة. فعلى سبيل المثال، ينصّ دستور 2012 على أن يكون وزير الدفاع ضابطاً في الجيش(مادة 195)، وأن تكون غالبية أعضاء مجلس الدفاع الوطني من القادة العسكريين (مادة 197). زد على ذلك أنّ المادة 198 تسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية “في حالة وقوع جرائم تضر بالقوات المسلحة.” وبالطبع لو جرت الانتخابات البرلمانية في العام 2013 كما كان مقررا، لوضع البرلمانيون المنتخبون قائمة بجرائم محددة، ولصار تفسير المادة محل شد وجذب بين البرلمانيين والعسكر. وهذا مالم يحدث نظرا للانقلاب.

أما بالمقارنة مع دستور 1971 أو مسودّة دستور عام 2013، فيُعتبر دستور 2012 خطوة إلى الأمام. فبعيداً عن شرعية لجنة صياغة دستور 2013 المعينة من “رئيس” معين من مجموعة ضباط قاموا بانقلاب، وبعيدا عن الظروف القمعية وتعدد المجازر ومستويات سفك الدماء والاقصاء المُمَنهج لمعارضي الانقلاب ورافضي المسودة، بقيت كافة الامتيازات العسكرية التي نصّ عليها دستور 2012 المذكورة أعلاه في مسودة دستور 2013، وتمت إضافة امتيازات أخرى في عددٍ من المواد.

عمليا، تُحول مسودة 2013 وزارة الدفاع من وزارة تابعة للسلطة التنفيذية إلى سلطة مستقلة بذاتها. المسودة أيضاً تمنح امتيازات كبيرة لجهاز المخابرات العامة ووزارة الداخلية. وتندرج هذه الامتيازات تحت ثلاثة عناوين: الاستقلالية المؤسساتية، الحصانة القانونية والحقوق الدستورية، صياغة السياسات العليا.

فتحت العنوان الأول (الاستقلالية) تندرج مواد مثل 201 و234. فالأولى تنص على وجوب كون وزير الدفاع ضابطاً في الجيش و على وجوب موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيينه للفترتين الرئاسيتين المقبلتين. أمّا أوضح مثال على المواد التي تندرج تحت العنوان الثاني (الحصانة والحقوق) فهي المادة 204 التي تسمح بمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية بطريقة تعطي هذه المحاكم سلطة معاقبة المدنيين كلما رغبت المؤسسة العسكرية. كذلك تحمي هذه المادة العسكريين وموظفي الاستخبارات ومن “يعادلهم” من أي رقابة مدنية (قضائية كانت أم برلمانية، أو غيرهما).

أمّا العنوان الثالث (صياغة السياسات العليا) فأوضح ما يمثله هو المادة 203، التي أسقطت ممثلاً مدنياً منتخبا من عضوية مجلس الدفاع الوطني (بسبب التخلي عن نظام المَجلسين، وبالتالي عن عضوية رئيس مجلس الشورى بعكس دستور 2012)، مما أوجد أغلبية مطلقة من العسكريين بنسبة تسعة إلى خمسة. ولا توجد هناك أية إشارات في المسودة هذه أو غيرها إلى الإمبراطورية المالية العسكرية، وما من مواد تسمح للمؤسسات الرقابية بمراقبة الأصول المدنية للمؤسسة العسكرية أو تنظيمها، بما في ذلك قضية الاستحواذ على الأراضي ومصادرتها – وهي إحدى القضايا الشائكة في هذا الملف.

قطاع الشرطة

أُعْطِيَ قطاع الشرطة أيضاً امتيازات جديدة لم يذكرها دستور 2012. فالمادة 206 تنص على أن ولاء الشرطة هو “للشعب.” ولم تذكر أية مؤسسة رسمية منتخبة أو وثيقة دستورية أو حقوقية. وقد يعني هذا أنّ مظاهرة من الآلاف في ميدان التحرير مغطاه بكثافة من وسائل الإعلام المحلية، قد تبرر حملة قمع شرطية مشابهة للحملة التي شنها الجيش في يوليو 2013، وذلك بعد الإعلان أن هؤلاء الآلاف يمثلون ال85 مليون مواطن.

كما تنص المادة 207 على أن يتم إنشاء المجلس الأعلى للشرطة من قِبَل كبار الضباط، ويتوجب استشارة هذا المجلس بشأن أي قانون يؤثر على الشرطة. عملياً تعطي هذه المادة المجلس الأعلى للشرطة حق النقض لأية محاولة لإصلاح القطاع الأمني، وقد حدث شيئاً من ذلك – دون أية مواد دستورية – في عهد الرئيس محمد مرسي.

وأخيراً وليس آخراً، تنصّ المادة 237 على أن تقوم الدولة بمحاربة “الإرهاب”، وهو مصطلح يُستَخدم بشكل واسع وانتقائي لوصف المعارضة السياسية – بغض النظر عن سلميتِها – والخلط المتعمّد بينها بين المعارضة المسلحة. والأمثلة على الانتقائية والتوسع تفوق التصور، منها اتهام الرئيس باراك أوباما بأنه عضو في منظمة الإخوان المسلمين “الإرهابية،” واتهام الدكتور محمد البرادعي بالتآمر مع “الإخوان” للتحريض على العنف في سيناء، وحتى اتهام الدمية “أبلة فاهيتا” برعاية الإرهاب.

تمنح مسودة دستور عام 2013 المؤسسات المسلحة امتيازات غير مسبوقة في تاريخ الدساتير المصرية. وما كان ذلك ليحدث لولا تعاون بعض المدنيين. فقد تمت الموافقة على المادة 204 التي تسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية من قبل الغالبية الساحقة من اللجنة المُعَيَنَة من قبل العسكر، بنسبة 41 صوت إلى 6. أما المادة 203 – التي نصت على الأغلبية العسكرية في مجلس الدفاع الوطني والميزانية العسكرية – فصُوِّتَ عليها بالإجماع تقريباً: 48 صوت إلى صوت واحد. وبالرغم من أن لجنة صياغة دستور 1954 كانت أيضا مُعَيَنَة من قِبَلْ قادة انقلاب 1952، إلا أن المُنَتجْ النهائي كان على مستوى آخر من الجودة.

ونختم بقصة عن قضاة العسكر. فقد تمّ اعتقال سليمان حافظ، وكيل مجلس الدولة، في 1956 حين اختلف مع عبد الناصر، بعد أن قام “بتقنين” قيام جمهورية العسكر على أنقاض نظام برلماني. وبعد أن تمّ الإفراج عنه، كان لديه ما يقوله لصديقه وحيد رأفت، القاضي الوحيد الذي صَوَّتَ لإعادة البرلمان وتقويض الحكم العسكري في يوليو 1952: “ندمت على دعم حركة الجيش ضد الحكم البرلماني الديمقراطي. أظنّ أنّ سجني ومعاناتي هما عقاب لي على هذا الذنب”.