Skip to main content
مقال

لا يمكن أن تربح إسرائيل هذه الحرب أو أي حرب في المستقبل بضربها قطاع غزة

هناك تعريف شعبي للجنون وهو أن تفعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً وتتوقع نتائج مختلفة. شنّت إسرائيل حملات عسكرية في العامين 2008 و2010 من أجل القضاء على قدرات حركة حماس لإطلاق الصواريخ من قطاع غزة. من الواضح أن الحملتين قد باءتا بالفشل: فها هي حركة حماس تطلق العنان مرة أخرى لوابل من الصواريخ وإسرائيل تقصف غزة مرة أخرى. لا يمكن لإسرائيل أن تكسب هذه الحرب، لأنها، في المقام الأول، تقاتل فقط أعراض الصراع مع الفلسطينيين – إطلاق الصواريخ – وليس الأسباب الكامنة لهذه الصراع، والتي تتمحور حول حصار غزة والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

في العام 2012، كانت صواريخ حماس تصل إلى مسافة 50 ميلاً وضربت مدناً مثل أشدود. أما اليوم، فقد وصلت بعض الصواريخ إلى مسافة 100 ميل، مستهدفةً تل أبيب وحتى حيفا. أطلقت حماس أكثر من 800 صاروخ في الأيام الستة الأولى – وهذا أكثر من الصواريخ التي أطلقتها خلال 21 يوماً في العام 2008. أما إسرائيل، فشنت على غزة أكثر من 1,300 غارة جوية خلال تلك الأيام الستة الأولى.

أودت غارة جوية مماثلة بسبعة عشر فرداً من أسرة تيسير البطش الممتدة، قائد شرطة حماس، ليكون هذا العدد أكبر عدد من القتلى من عائلة واحدة يسقط أثر هجوم واحد في ثلاث صراعات. لا ندري تماماً كم من الوقت سيستمر الصراع الحالي، ولكنه يبدو أكثر قساوة هذه المرة.

إنّ القصف الشديد على غزة يعمّق المشكلة الإسرائيلية أكثر مما يحلها. على مدى السنوات السبعة والأربعين الأخيرة، تسببت إسرائيل في قطاع غزة بأسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. كلما دمّرت إسرائيل المزيد من الأهداف، زاد السخط بين أوساط المجتمع الغزيّ. أغضب الحصار المفروض على غزة من بقي على قيد الحياة من أقارب القتلى وجيرانهم وأصدقائهم وبقية أفراد المجتمع الغزَي. في الواقع، كان السخط المتزايد بين سكان قطاع غزة المحاصرين ما دفع الأمور إلى ذروتها في المقام الأول.

إنه ضرب من الوهم أن نفترض أنه بعد انتهاء المعركة الحالية، سيطلب الطرفان من مجتمعيهما أن يعودا إلى حياتهما الطبيعية. أعطى الصراع الإسرائيلي-العربي معنيين للحالة الطبيعية. سيعود جنود الاحتياط الذين تم استدعاؤهم هذه المرة والبالغ عددهم 40 ألفاً، في الأغلب، إلى أعمالهم ومنازلهم عند انتهاء القتال. أما سكان قطاع غزة، الذين يعاني 39 بالمئة منهم البطالة، فسيعودون إلى حياتهم “الطبيعية” في ظل ظروف الحصار الوحشية وسيرزحون تحت وطأة السلطات الإسرائيلية التي تحدد لهم نوعية الطعام وكميته وغير ذلك من أساسيات الحياة المسموح إدخالها إلى القطاع. أما الفلسطينيون في الضفة الغربية، فسيعودون إلى الذل اليومي الناتج عن الحواجز وتوسيع المستعمرات الإسرائيلية على حساب معيشتهم.

في الواقع، إنّ الطرفين متساويان في زمن الحرب أكثر مما هما عليه في زمن السلم. رغم أنّ الإسرائيليين يتفوقون على الفلسطينيين عسكرياً ويلحقون بهم ضرراً أكبر، فإن الطرفين يرزحان تحت آثار وطأة الهجوم. ولكن عند انتهاء الصراع، سيجد الفلسطينيون في حياتهم “الطبيعية” حافزاً لتحدي الحواجز والحصارات الإسرائيلية. حين يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خيارين أولهما قبول الحصار والحياة في ما أطلق عليه البعض “أكبر سجن مفتوح في العالم” أو القتال، فما من عاقل سيفكر في شيء غير الخيار الثاني.

ومن أجل تفادي حرب كارثية أخرى في المستقبل، لا بد أن تتغير الأمور. يحتاج الفلسطينيون بشكل أساسي إلى أمرين: الكرامة والخبز. يتعين على إسرائيل أن تنهي الاحتلال عموماً والحصار على قطاع غزة خصوصاً. أخطأت جهود الوساطة عامي 2008 و2012 عندما انتهت إلى فرض وقف لإطلاق النار سمح للإسرائيليين بالعودة مجدداً إلى أعمالهم كالعادة وترك الحصار على غزة والظروف غير المحتملة المرافقة له على حالها، مما أدى إلى المزيد من القتال والدماء.لا يمكن أن تربح إسرائيل هذه الحرب أو أي حرب في المستقبل بضربها قطاع غزة. من دون مواجهة الأسباب الأصلية، حتى حماس المتنامية – والتي تمكنت من فرض الهدوء بعد العام 2012 – لن تتمكن من تحقيق النصر. بدلاً من ذلك، لا بد تحديد المراحل للمرة المقبلة ضد نشأة محتومة لأي مجموعة أو مجموعات، ربما تكون أكثر تعصباً من حماس، تسعى لفرض سيطرتها.

Get daily updates from Brookings