Skip to main content
Iranian Revolutionary Guard Commander Qassem Soleimani uses a walkie-talkie at the frontline during offensive operations against Islamic State militants in the town of Tal Ksaiba in Salahuddin province March 8, 2015. Picture taken March 8, 2015. REUTERS/Stringer
مقال

إيران: محاربة “الإرهاب” علناً ورثاء الأموات سرّاً

ملاحظة المحرر:

تم نشر هذا المقال باللغة الانكليزية في موقع الجزيرة باللغة الإنجليزية.

يواجه النظام الإيراني صعوبة في تبرير سبب تدخّله العسكري الواسع في سوريا للإيرانيين.

منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011، ازداد الحضور العسكري الإيراني تدريجياً في سوريا. وفي الأيام الأولى من الحرب، اقتصر تدخّل طهران على إرسال مستشارين عسكريين لتدريب الجيش السوري. أمّا اليوم، فوصل هذا التدخّل إلى حدّ تجييش عدد من الميليشيات الشيعية وقيادتها. وقد أصبحت هذه الميليشيات القوّات المهيمنة الداعمة للنظام في الميدان.

وفي ربيع وصيف 2013، مع تقدّم قوّات المعارضة في سوريا، كانت الجهود العسكرية الإيرانية هي التي خلّصت نظام الأسد.

فقد أتاح بروزُ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (المعروف أيضاً بتنظيم داعش) في العام 2014 لطهران بتشريع تدخّلها في سوريا بحجّة أنّه “حرب على الإرهاب” وبزيادة وجودها العسكري. وفي تلك السنة، انضمّت القوّات العسكرية التقليدية، أي جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى حرس الثورة الإسلامية وميليشياته الشيعية الأفغانية والباكستانية (لواء فاطميون الذي تضمّ 14 ألف مقاتل ولواء زينبيون الذي تضمّ 5 آلاف مقاتل) وإلى حزب الله اللبناني بشكل ظاهر أكثر.

وفي صيف 2015، زار موسكو اللواءُ قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، ذراع حرس الثورة الإسلامية للعمليات الخارجية. وبعد ثلاثة أشهر، نشرت روسيا قواتها على الأراضي السورية، مؤمّنة غطاءً جوياً للنظام وداعمةً حملات القصف الجوي الذي يخوضها. فخلّصت العملية الروسية الإيرانية المنسَّقة نظام الأسد مجدّداً.

لكن مع عودة الجثث الإيرانية إلى بلادها وازدياد كلفة المحافظة على الحرب، اضطرّ النظام الإيراني إلى البحث عن طرقٍ لتبرير عمليّته العسكرية السورية للشعب الإيراني.

روايات علنية ومآتم سرية

على الرغم من تدخّل إيران في الصراع في سوريا منذ البداية، لم تَصدر معلوماتٌ رسمية عن وفاة إيرانيين في الحرب إلّا بعد بروز داعش. وفي العام 2016، تخطّى عدد الإصابات العسكرية رسمياً الألف جندي، بمن فيهم مسؤولون عسكريون كبار بات من الصعب أكثر إخفاء خبر وفاتهم. أمّا اليوم، فيُعتقَد أنّ العدد قد ازداد أربعة أضعاف.

وبهدف تبرير انتشار الجنود الإيرانيين في سوريا، استعان النظام الإيراني برواية “الحرب على الإرهاب” الاعتيادية التي لاقت دعماً، ولا سيّما بعد أن توسّع داعش بسرعة في العامَين 2014 و2015.

والأهمّ أنّ رواية “الحرب على الإرهاب” الإيرانية توافقت تماماً مع الحرب التي تقودها الولايات المتحدة (فضّل الغرب أن يبقى الأسد في الحكم ليحارب داعش). وقد أخفت الجهتان عمداً واقع أنّ الأسد وداعش وجهان لعملة واحدة. فقد ساعدت أعمال الأسد الوحشية على بروز أعمال داعش الوحشية التي عزّزت شرعية جرائم القتل الجماعية التي ارتكبها الأسد.

وعندما توجّهت الجمهورية الإسلامية إلى الشعب الإيراني، شدّدت منذ بداية تدخّلها في سوريا على ضرورة حماية أضرحة الأولياء الشيعة (ومن أبرزها مقام السيدة زينب في جنوب دمشق الذي يعتقد المسلمون الشيعة أنه مدفن ابنة علي بن أبي طالب) من “الإرهابيين الوهابيين”، وهو خطاب مذهبي هدفه مناجاة القومية الدينية لدى الإيرانيين.

وفي بعض الأوقات، وصفت نخبة إيران العسكرية أيضاً التدخّل العسكري في سوريا كجزء من “تصديرها للثورة الإسلامية”. ففي فبراير 2015 مثلاً، أعلن قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني: “اليوم، نرى علامات من الثورة الإسلامية تُصدَّر في أنحاء المنطقة، من البحرين إلى العراق ومن سوريا إلى اليمن وشمال أفريقيا”.

وقد حاولت طهران أن تتفادى الكلام عن هدفها للدفاع عن نظام بشّار الأسد، على الرغم من أنّ المسؤولين يتحدّثون أحياناً عن “ردّ الجميل” لدمشق على وفائها في خلال الحرب مع العراق (بين العامَين 1980 و1988).

وعلى عكس الحرب بين العراق وإيران التي تمّ في خلالها تشييع القتلى في مآتم عامّة، أبقت طهران صور الجنود المنتشرين والمقتولين في سوريا مخبّأة. في الواقع، أبقى حرس الثورة الإسلامية وقوّاته شبه العسكرية المعروفة باسم الباسيج معظمَ مراسم الرثاء بضحاياها في سوريا بمنأىً عن الشعب.

وتشكّل هذه السرّية الجديدة نقيضاً غير معهود لقول آية الله الخميني “نحن أحياء من خلال الرثاء”، الذي تلفّظ به بعد شهر واحد على بدء الحرب مع العراق. ولعقود، عكست هذه المآتم ثقافةَ الرثاء الشيعي لدى الجمهورية الإسلامية، فشكّلت مظاهر عامّة للقوّة والمقاومة.

لكنّ التدخّل في سوريا جعل السلطات الإيرانية تخشى من أن يؤدّي أيُّ رثاء شعبي على الضحايا الإيرانيين إلى نتائج عكسية.

تكاليف غير معلنة

تكثُر الأحاديث في فترة ما بعد داعش ولا سيّما في المرحلة المسمّاة “إعادة الإعمار” في سوريا حول تحقيق طهران مكاسبَ اقتصاديةً لقاء سنوات الدعم العسكري الذي قدّمته لنظام الأسد.

وقد تبدو للوهلة الأولى المكاسب الموعودة للحملة العسكرية مربحةً، لكنّ الحصول عليها إمكانيةٌ بعيدة كلّ البعد. فليس الاقتصاد السوري في حالة يرثى لها فحسب، بل تطمح روسيا إلى تحقيق بعض المنافع من تدخّلها أيضاً.

لكنّ استمرار السلطات الإيرانية بالحديث عن احتمال الحصول على منافع اقتصادية في سوريا يشير إلى الأمور بوضوح. إذ عليها أن تبرّر الإنفاق الإيراني على سوريا في وقت يمرّ فيه الاقتصاد الإيراني بمرحلة صعبة.

فمنذ بداية الحرب، تقرض طهرانُ دمشقَ مليارات الدولارات مع احتمال ضئيل بالسداد. وهي تنفق أيضاً على آلاف المقاتلين من حزب الله المنتشرين في سوريا بالإضافة إلى الميليشيات التي تدعمها.

ومع إبقاء النفقات العسكرية في سوريا طي الكتمان لتجنّب إثارة حنق الشعب، تبقى الأموال التي تنفقها إيران على تدخّلها في سوريا مسألة غير معروفة. وتتراوح التقديرات بين 6 مليارات دولار و20 ملياراً سنوياً، وهي ليست بالقيمة الزهيدة نظراً إلى موازنة الدولة المحدودة وبؤس الإيرانيين الاقتصادي الاجتماعي.

إعلان النصر ضدّ داعش

لقد شكّل تبادل القتلى والإعانات المالية المشكوك فيه لقاء وفاء النظام السوري أمراً صعبٌ تبريرُه للشعب الإيراني. لهذا السبب، احتاجت طهران بشدّة إلى نصر تتباهى به.

لذلك، لا عجب في أنّه بحلول إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي نهاية داعش في بلاده في ديسمبر 2017 وإصدار القوّات العسكرية الروسية الإعلان عينه بشأن سوريا، كانت نخبة طهران السياسية والعسكرية قد سبق أن أعلنت عن ذلك قبل ثلاثة أسابيع.

ففي نوفمبر، أعلنت طهران بعظمة النصرَ على داعش، موضحةً بأنّ القوّات الإيرانية هي التي حقّقته. فقد أعلنت كيهان، وهي صحيفة يومية محافظة جداً معروفة بتكرارها لأفكار المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، في عنوان جريء في 18 نوفمبر: “إقفال ملفّ داعش في العراق”، وبعد يومَين: “تحرير آخر معقل لداعش في سوريا”.

وفي رسائل متبادلة معدة مسبقاً ومناسبة للإعلام، احتفل كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية “بنصرهم” على داعش. وفي البداية، كتب سليماني رسالةً مفتوحة إلى المرشد الأعلى أعلن فيها رسمياً النصر على داعش، مثنياً على جهود حزب الله والميليشيات الشيعية التي تقودها إيران.

وردّ خامنئي سريعاً بتعظيم نصر قوّات الجمهورية الإسلامية على أنّه نصر للبشرية جمعاء. ثمّ تلقّى سليماني التهاني من الرئيس حسن روحاني وقادة حرس الثورة الإسلامية والجيش وغيرهم من المسؤولين العسكريين الكبار.

لكن بعد “هزيمة” داعش وعدم امتلاك طهران بعد الآن تبريراً لوجودها العسكري المستمرّ في سوريا، بات عليها تغيير استراتيجيّتها الخطابية. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أنّ صبر الشعب الإيراني قد بدأ ينفد من هذه العملية العسكرية المكلفة الجارية منذ سنوات.

Get daily updates from Brookings