Skip to main content
The word Isis is pictured on a teleprompter as Republican presidential nominee Donald Trump speaks at a campaign event in Selma, North Carolina, U.S. November 3, 2016. REUTERS/Carlo Allegr
مقال

أمريكا في عهد ترامب ستظل تقصف داعش، إلا أنها لن تسحقها

انطلاقاً مما نعرفه حتى الآن، ستقوم السياسة الخارجية لدونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية بخفض “تدخلات أمريكا المكلفة” في الشرق الأوسط. سيتم تقليص مبادرات بناء المؤسسات والدول، إذا لم يتم إيقافها بالكامل. تستمر الحرب على داعش، ولكن على الأرجح جواً على شكل غارات جوية مطّردة، وربما مكثّفة على أهداف في العراق وسوريا. ومن المرجح أن تتفاوض إدارته مع نظام الأسد ورعاته في روسيا للتوصل إلى اتفاق.

من شأن كل هذا أن يضع حداً لما يُسمّى بالخلافة إلا أنه لن “يسحق” داعش نفسها. لقد انبثقت داعش من قلب الصراع وستتخطى القنابل التي تعترضها. فإن غابت الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار وتركيزها على سيادة القانون والحكم الرشيد في مناطق ما بعد الصراع، ستظل داعش (بالإضافة إلى العديد من المجموعات المسلحة الأخرى في المنطقة) تجد المكان والموارد للتعبئة، وبالتالي لتهديد مصالح الولايات المتحدة.

يختلف الشرق الأوسط الذي يواجهه ترامب عن ذلك الذي واجهه أسلافه. قُوّض نظام المنطقة المتمركز على الدولة القومية– حيث انهارت دولٌ أو تعرّضت أخرى لخطر شديد، وأصبحت مجموعات مسلحة وجهات فاعلة غير حكومية عنيفة تسيطر أكثر فأكثر على الهياكل السياسية والأمنية، بدلاً من القوات المسلحة التقليدية التي كانت موجودة من قبل وخاضعة للأنظمة التي تعاونت معها الولايات المتحدة على مر التاريخ.

قد لا تسيطر داعش على الأراضي بالطريقة نفسها التي سيطرت عليها خلال العامين الماضيين، إلا أنه من شبه المؤكد أنها ستستمر بالاستفادة من هذه الأراضي لإعادة بناء صفوفها وتنظيمها. وما سيأتي بعد داعش غير واضح. إذ تحت الضغط، قد تنقسم المجموعة إلى عدة مجموعات أو بدلاً من ذلك، قد تندمج مع حركات جهادية أخرى لتشكيل جبهة مشتركة وموحدة.

ما لم يخطط ترامب للجلوس مع المجموعات المسلحة في المنطقة والتفاوض معها، يبقى الخيار الوحيد القابل للتطبيق أمامه هو أن يساعد على إنشاء هياكل سياسية ذات مصداقية تتمتّع بالاحترام والشرعية في سوريا والعراق. إنّ عملية بناء القدرات هي التي تؤدي إلى استقرار الدول، وإنعاش الاقتصادات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية للمساعدة في إعادة تأهيل المدن المدمرة، والتي تضمن أن المجموعات الجهادية والمجموعات المسلحة الأخرى غير قادرة على تعبئة صفوفها من الضعفاء والفقراء.

يمكن أن تحتوي الإصلاحات قصيرة الأجل داعش، بيد أنها لن تحتوي التهديد العابر للحدود الذي تطرحه المجموعة. أصبح من غير المقبول التحدث عن تهديدات بعيدة في زمن العولمة والقدرة على الحشد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لا تقتصر هزيمة المجموعات كداعش والقضاء على خطر المجموعات الجهادية على ربح الحرب فحسب، بل أيضاً على ربح السلام.

لقد استثمرت الولايات المتحدة بشكل كبير في أماكن مثل العراق وأفغانستان، وكانت التكاليف باهظة. ولكن، صحيح أنه ما من نيّة أو سبب منطقي لنشر عشرات آلاف الأفراد في الجيش الأمريكي مرة أخرى، إلا أنّ ذلك لا يعني أن الموقف يجب أن يصبح في الطرف المعاكس.

تتداخل المكونات الإنسانية والأمنية للحرب على داعش بشكل كبير. فالاستقرار يخلق بيئة أمنية أقوى واستقرار سياسي أكثر فعالية، وذلك من شأنه أن يساهم في التخفيف من حدة الأزمات الإنسانية. على سبيل المثال، لقد ساعد تدخّل الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة في تخفيف التوترات العرقية والطائفية بين الفصائل العراقية المتناحرة، ويمكن تكرار ذلك في سوريا.

قد يتوجب أن يكون نظام الأسد جزءاً من التسوية للصراع، بيد أنّ ذلك لا يعني إعطاؤه وروسيا وإيران تفويضاً مطلقاً. إذ إنّ الأسد وممارسات نظامه هي التي مكّنت داعش من أن تصبح ما هي عليه اليوم. لقد قتل نظام الأسد مئات الآلاف مقارنة بداعش التي قتلت بضعة آلاف من الناس. بغض النظر عما إذا تم التوصل إلى اتفاق أو لا، هناك على الأقل 100,000 مقاتل سوري مكرّس لإسقاط النظام.

سيكون لفكرة تسليم مسؤولية الأمن الإقليمي والدولي لروسيا والطغاة والأنظمة الاستبدادية التي يعتقد ترامب أنها ستكون “جيدة في محاربة الإرهاب” تداعيات أمنية خطيرة على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بأسره. ومن شأنها أيضاً أن تغيّر ميزان القوى في المنطقة أكثر فأكثر لصالح منافسي أمريكا، كما أنها تقدّم لهم المزيد من النفوذ في ما يتعلق بالصراعات والنزاعات خارج منطقة الشرق الأوسط.

فما إذاً الذي سيمنع روسيا من استخدام نفوذها المتزايد في الشرق الأوسط ضد مصالح أمريكا في أوروبا أو منطقة آسيا والمحيط الهادئ؟ وما الذي سيمنع الصين من الاستفادة من إطار أمني شهد تغيّراً كبيراً ومن الشكوك التي يخلقها؟ سيحتاج ترامب أن يكون أكثر إبداعاً وطموحاً. وحدها الحوكمة الرشيدة والجهود المبذولة من أجل تحقيق الاستقرار، بالإضافة إلى استراتيجية عسكرية، من شأنها أن تمنع صعود نجم داعش مرة أخرى، وليس اهتمام أمريكا بقضاياها الداخلية فقط. فهذه الأخيرة، مهما حاولت، لا يمكنها أن تحمي نفسها من التهديدات العالمية من خلال الانفصال عن هذا العالم المترابط الذي نعيش فيه.

Get daily updates from Brookings