Skip to main content
A boy holding a placard with pictures of (L-R) President Hassan Rouhani, the late founder of the Islamic Revolution Ayatollah Ruhollah Khomeini, and Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei, poses for camera in front of a model of Simorgh satellite-carrier rocket during a ceremony marking the 37th anniversary of the Islamic Revolution, in Tehran February 11, 2016. REUTERS/Raheb Homavandi/TIMAATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. FOR EDITORIAL USE ONLY. - GF10000304511
مقال

أسباب الاحتجاجات في إيران: مبرّرات أوّلية

ملاحظة المحرر:

 

تم نشر هذا المقال باللغة الانكليزية في موقع الجزيرة باللغة الإنجليزية .

لا عجب في أنّ أسباب الثورة التي تهزّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي بدأت منذ أسبوع أسبابٌ بنيوية وعَرَضية على حدّ سواء. فبعد أن انطلقت الثورة بدايةً مع الشباب المحرومين اقتصادياً لتنضمّ إليهم في ما بعد الفئات الأدنى من الطبقة المتوسّطة والطلاب، بالإضافة إلى بعضٍ من المتقاعدين، توسّعت على نطاق جغرافي لم يسبق له مثيل، إذ امتدّت الاحتجاجات لتشمل سبعين مدينة وبلدة في جميع أرجاء البلاد. وبحسب ما أفادت به السلطات، شارك في الاحتجاجات 42 ألف شخص لا يتخطّى عُمر 90 في المئة منهم 25 عاماً، في حين أنّ عدد المشاركين الفعلي قد يفوق هذا الرقم. وقد تصدّت أجهزة الدولة الأمنية لهذه التحرّكات بشتّى أنواع القمع، ممّا أسفر عن وفاة عشرين شخصاً (وهذا ليس سوى تِبعاً للأرقام الرسمية) وسَجنِ ألفٍ وجرحِ عدد لم يتمّ إحصاؤه.

وإلى جانب العوامل الهيكلية التي تُعدّ خاصّية شبه ثابتة في حكم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أضافت الأشهر والأسابيع الأخيرة مستوى جديداً من النقمة على النظام ككلّ، ممّا دفعني إلى التكهّن في أنّ موجات الاحتجاجات الأخيرة “قد لا تكون إلّا بداية للمزيد من الاحتجاجات القادمة”.

أمّا الشرارة الأولى، فكانت تظاهرة نظّمها خصومُ روحاني المحافظون اليمينيون في مدينة مشهد ضدّ أداء الرئيس الاقتصادي الذي خرج عن السيطرة. وكما تنتشر النار في الهشيم، اندلعت حينئذٍ الاحتجاجات في البلاد بأكملها، مطلقةً شعارات مزجت بين العدالة الاجتماعية ومناهَضة النظام. غير أنّ كلّ هذه التطورات قد جرت على خلفية موجةٍ من الاحتجاجات قام بها العمّال والمتقاعدون والأساتذة والطلّاب في الأشهر والأسابيع السابقة.

موجةٌ من الاحتجاجات منذ العام 2016

منذ العام 2016، شهدت إيران 1700 احتجاج اجتماعي، وذلك بحسب جمعية فدائيّي الثورة، وهو حزب محافظ كان محمود أحمدي نجاد عضواً مؤسّساً له. وعلى مدى العام 2017، قام العمّال والمتقاعدون والأساتذة والطلّاب بمئات الاحتجاجات. وقد استمرّت الاحتجاجات العمّالية بسبب عدم دفع الأجور والسياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة ومقاومة تنظيم العمل النقابي، غير أنّ القوى الأمنية قمعتها بشدّة وتمّت المعاقبة عليها من خلال سلسلة من الطرد التعسّفي.

ومع أنّ موجات من هذا النوع من الاحتجاجات قد جرت في عهد الرئيس أحمدي نجاد، ما كان من موقف الرئيس روحاني ضدّ حقوق العمّال والحصول على أجر بحدّ أدنى لائق إلا أن فاقم الوضع. وفي خلال العام 2017، نظّم المتقاعدون والأساتذة الكثير من الاحتجاجات بسبب معاشات التقاعد غير المدفوعة والأجور المتدنّية، غير أنّ السلطات تجاهلت مخاوفهم. وشهد يوم الطالب في 7 ديسمبر موجة من الاحتجاجات الجامعية نادى الطلاب في خلالها بالعدالة الاجتماعية وبوقف الوصاية السياسية، فيما أشاروا إلى أنّ أجواء العمل النشاطي تزداد سوءاً.

خيبة أمل شعبية إزاء جميع فصائل النظام

أدّى عددٌ من الأحداث الهامّة في العام 2017 إلى وصول خيبة الأمل الشعبية بالنظام ككلّ إلى مستوى جديد. ففي مايو، بعد انفجار مدمّرٍ لمنجم في شمال إيران، صبّ عمّال المنجم جام غضبهم على الرئيس روحاني، فهاجم عمّالٌ غاضبون سيارته المصفّحة عندما حاول زيارة موقع الانفجار. وفي أواسط نوفمبر، أظهرت الزلازل التي هزّت البلاد لجميع الإيرانيين شدّةَ إهمال النظام لاحتياجاتهم الأكثر حيوية، بدءاً من المساكن الاجتماعية التي بُنيت في ظروف فاسدة في خلال ولاية أحمدي نجاد والتي انهارت بصورة مفاجئة، دافنةً أعداداً لا تحصى من الأشخاص تحت أنقاض منازلهم وصولاً إلى التردّد الذي أبدته إدارة روحاني في تقديم مساعدة للضحايا، ممّا ترك الكثيرين في العَراء فريسة البرد.

أمّا الشعرة القاصفة التي أُضيفت إلى هذه الإحباطات المتراكمة فكانت إعلان إدارة روحاني موازنتها السنوية القادمة التي عارضت وعود الرئيس الجريئة بأن يعالج أخيراً مسألة العدالة الاجتماعية. فقد خُصّصت عوضاً عن ذلك مبالغُ كبيرة لمؤسّسات دينية تديرها معسكرات النظام المحافظة والإصلاحية على حدّ سواء، بالإضافة إلى تخصيص مبالغ للحرس الثوري. وأدّى هذا التصرّف إلى انتقاد الموازنة المقترحة على مواقع التواصل الاجتماعي. وبدأ ناخبو روحاني الخائبون حملةً على موقع تويتر ضدّ “حامل أملهم” السابق تحت وسم أو هاشتاغ “أنا نادم” (Pashimanam). بالتالي، اعتبر الكثيرون أنّ الموازنة التي وضعها روحاني قد قضتْ على أيّ أمل بأنّ البلاد تتوجّه نحو العدالة الاجتماعية ونحو إضعاف الهيكليات السلطوية.

“المعتدلون” في مواجهة مع الشعب

لا عجب في أنّ الفئة الأكثر اعتدالاً في النخبة الإيرانية، أي الإصلاحيين، الذين دعموا الرئيس الوسطي، قد استهدفهم غضب المحتجّين أيضاً. فبعد أن اختبر الإيرانيون فساد إدارة أحمدي نجاد الكبير، سرعان ما علموا بقضايا متعلّقة بالفساد في محيط الرئيس روحاني، ذاك الشخص نفسه الذي أخذ على عاتقه قضية مكافحة الفساد.

وفي خلال فصل الصيف الماضي، اشتدّ غضب الإيرانيين بسبب المحسوبية بين النخبة، ولا سيّما في صفوف المعسكر الإصلاحي. وقد برز هذا الامتعاض بعد مقابلة في 20 يوليو عزا في خلالها ابنُ القائد السياسي الإصلاحي محمد رضا عارف نجاحَه المهني إلى “جيناته الجيدة”. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، كشف الإيرانيون عن قضايا إضافية من “أبناء النخبة” (آقازاده) الذين شغلوا وظائف مربحة بسبب مناصب آبائهم في النظام. فمن جهة شوّه هذا التصرّف سمعة الإصلاحيين الملطّخة أكثر فأكثر، وبدا واضحاً أنّهم يشكّلون بلا شكّ جزءاً من النخبة الحاكمة ولا يقفون إلى جانب الشعب الذي يدّعون أنّهم يمثّلونه. ومن جهة أخرى، بدا لمعظم الإيرانيين أنّه من غير الممكن تجاوز الجدار الهيكلي الذي شُيّد بعد الثورة بين مَن هم ضمن النظام ويستفيدون من موارد الدولة ونفوذها ومَن هم خارجه.

إحباط اقتصادي اجتماعي بعد خطّة العمل الشاملة المشتركة

لقد أتت كلّ هذه التطورات التي وقعت في الأسابيع والأشهر الماضية نتيجة إحباط اجتماعي (وهو بلا شكّ عامل مهمّ لاندلاع أيّ ثورة) تزايدَ في خلال السنوات الخمسة الماضية من ولاية الرئيس روحاني بسبب عدم تبلور التوقّعات الاقتصادية واقعاً ملموساً. ومع أنّ إجمالي الناتج المحلّي في إيران شهد نمواً من جديد في عهد روحاني (بنسبة 5 في المئة تقريباً)، لا يُعتبر النمو الاقتصادي بحدّ ذاته مؤشّراً موثوقاً به للتنمية الاقتصادية الاجتماعية. والمهمّ أنّ هذا النموّ لم يكن شاملاً، أيّ أنّ عائداته لم تُوزَّع بالتساوي. فبدل أن تستفيد فئات أكبر من السكان، زادت النخبة ثرواتها ليس إلا. فإعادة التنشيط الجزئية التي شهدتها التجارة والاستثمار مع العالم الخارجي مثلاً عادت بالفائدة على النفوذ الاقتصادي للحرس الثوري والمرشد الأعلى بشكل حصري تقريباً. ونظراً إلى أن الهيكليات السياسية الاقتصادية في إيران لا تعطي للقطاع الخاص سوى دور هامشي، لم تشكّل هذه النتائج غير المتوازنة مفاجأة، لكنّها سبّبت عدم ارتياح بالرغم من ذلك. أخيراً، ازداد في عهد روحاني الفقرُ والتفاوتُ في المداخيل، ولا سيّما في المدن الأصغر.

نموذج روحاني الليبرالي الجديد السلطوي

بعبارة أخرى، وعلى عكس وعود روحاني، بالكاد استفاد السكّان من العائدات. ونظراً إلى توجّهات الإدارة الليبرالية الجديدة، اعتمدت سياساتها الاقتصادية بشدّة على التقشّف. وقد شكّل التقّشف والأمن الدعامتَين الثابتتين في مخصّصات روحاني في الموازنة. ولم يؤدِّ هذا المزيج بين السلطوية والليبرالية الجديدة إلى التخفيف من بؤس الإيرانيين الاقتصادي الاجتماعي ولا إلى إضعاف الهيكليات السلطوية.

وعلى صعيد هيكلي، لطالما شكّل البؤسُ الاجتماعي المستمرّ وطبيعةُ النظام السياسي الاستبدادي والقمعي الجوهر الثنائي والمترابط لنظامٍ احتكر القوى الاقتصادية والسياسية. إذ يعيش اليوم حوالي نصف السكان الإيرانيين تقريباً في جوار خطّ الفقر الذي يقع فوق الحدّ الأدنى الرسمي للأجور، وهذا بحدّ ذاته يفسّر الكثير. ورسمياً، تصل نسبة البطالة عموماً إلى 12,5 في المئة، وترتفع نسبتها إلى 25 في المئة في صفوف الشباب. لكن في الواقع من المفترض أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بكثير. لقد كان هذا الجيل العشريني من الشباب الفقير هو بالضبط مَن قاد الثورة. فبحسب التقديرات، 40 في المئة من الشباب عاطلٌ عن العمل.

لا يشكّل ذلك سوى سرد أوّلي للعوامل التي أرى أنه من الضروري أخذها في عين الاعتبار. وعلى غرار كلّ التحاليل المماثلة التي تتناول على وجه السرعة مظاهر اجتماعية جارية، تُعدّ التوقّعات المعروضة هنا مبدئية وغير شاملة. لكن ما أعرُضه هنا للنقاش هو أنّ الشرّ المزدوج الذي تشكّله سياسات روحاني الاقتصادية الليبرالية الجديدة وسلطوية الجمهورية الإسلامية ولّد هذا المستوى الجديد من عدم الرضى الذي أشعل فتيل الثورة. وبسبب هذا المزيج الفظيع، أعتبر أنّ اندلاعها كان مجرّد مسألة وقت ليس إلا.

بالضبط بعد حوالي سبع سنوات من بدء الربيع العربي وثماني سنوات من الحركة الخضراء الإيرانية، نزل أشخاصٌ من خلفيات اجتماعية مماثلة ولهم مطالب اقتصادية اجتماعية وسياسية مماثلة إلى الشارع بجرأة وعزم، وهزّوا أسس سلطة استبدادية أخرى دامت أربعة عقود في الشرق الأوسط. والأهمّ في الموضوع أنّ آمالهم قد خيّبتها مراراً وتكراراً فئتا النظام الإيراني، المحافظة والإصلاحية على حدّ سواء، كما أظهرت ذلك شعارات احتجاجية كثيرة. ولا يمكن التوصّل إلى خيار ثالث ضروري إلّا حينما تسمح هذه الفصائل ببروز بديل سياسي حُرم منه الإيرانيون منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع نظامها السياسي الإسلامي الحصري.

قد تكون موجة الاحتجاجات قد بدأت تخفّ الآن بعد مرور أسبوع على بدايتها، وذلك بسبب القمع وغياب الدعم من الفئة الإصلاحية من الطبقة الوسطى. غير أنّ الغضب المستمرّ، القائم على الظروف الثابتة نفسها التي ولّدته في المقام الأوّل، لا يزال يؤجّج نار هذه الاحتجاجات التي لا تزال تشكّل تهديداً حقيقياً للنخبة بكاملها. والساخر في الموضوع هو أنّ بعد أن تسلّمت النخبةُ الحكمَ لتمثّل مصالح “المقموعين” المهملة، تحوّل هؤلاء ليصبحوا خارجين عن النظام ليصبحوا عنصراً ملازماً لمصير إيران بحدّ ذاته.

 

Get daily updates from Brookings