Commentary

Op-ed

عودة المياه إلى مجاريها: الطريق نحو المصالحة الخليجية

Saudi Arabia's Crown Prince Mohammed bin Salman welcomes Bahraini King Hamad bin Isa al-Khalifa upon his arrival to attend the Gulf Cooperation Council's (GCC) 41st Summit in Al-Ula, Saudi Arabia January 5, 2021. Bandar Algaloud/Courtesy of Saudi Royal Court/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY
Editor's note:

 تقول نهى أبو الدهب إنّه من أجل تصحيح العلاقات، ينبغي على الدول الخليجية المنخرطة في أزمة مجلس التعاون الخليجي خوض عملية مصالحة. نُشرت هذه المقالة بدايةً على موقع الجزيرة وهذه ترجمتها. 

يبدو أنّ الأزمة الخليجية المريرة التي سبّبها حصار جوّي وبرّي وبحري فرضته البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة ومصر حصاراً على قطر لثلاث سنوات ونصف السنة، قد انتهى. وفي أوائل يناير، أفضت جهود دبلوماسية إلى توقيع إعلان يستأنف العلاقات بين الدول الخليجية ويرفع الحصار في خلال قمّة مجلس التعاون الخليجي المُنتظَرة بشدّة في مدينة العلا في المملكة العربية السعودية.

وفيما تقلب قطر والدول المحاصِرة الأربعة الصفحة وتسير قدماً، ينبغي على منطقة الخليج استعراض الضرر السياسي والاجتماعي الذي سبّبته الأزمة الخليجية ومعالجته والإقرار به. فالتصدّعات في النسيج الاجتماعي الخليجي لا يمكن عكسها ولا نسيانها بسهولة.

فقد أثّر الحصار تأثيراً كبيراً في شعوب منطقة الخليج التي بُترت روابطها العائلية والقبلية الوثيقة عبر الحدود بشكل مفاجئ. فتداعت الثقة الاجتماعية في المجتمعات الخليجية التي كانت وثيقة ووطيدة سابقاً. وتمّ تراشق الإهانات وحرّضت حملات من المعلومات المغلوطة المجتمع القطري والمجتمعات الخليجية الأخرى الواحد على الآخر. وبالترافق مع إغلاق مفاجئ للحدود والمجال الجوّي نحو قطر، هزّت أزمة مجلس التعاون الخليجي كيان الشعب القطري وولّدت شعوراً عميقاً بأنّ جيرانهم الخليجيّين خانوهم.

وإن طوت منطقة الخليج الصفحة واقتصرت المصالحة على إعادة فتح الحدود واستئناف العلاقات الدبلوماسية، ستبقى الثقة بين قطر والدول المجاورة لها ركيكة وسيستمرّ الاستياء بالتزايد، ممّا يحتمل أن يمهّد الطريق لأزمة مضرّة أخرى.

لهذا السبب، تبرز الحاجة إلى مسار عدالة انتقالية لضمان حلّ فعّال ودائم للأزمة الخليجية. فالعدالة الانتقالية تمنح عدداً من الخيارات للمجتمعات التي عانت الأذى في الماضي لكي تسير قدماً، بما في ذلك تقصّي الحقائق والتعويضات والإصلاح المؤسّساتي وإحياء الذكرى والتوثيق والمصالحة الوطنية والمساءلة الجنائية. ونتيجة للأثر الاجتماعي للأزمة الخليجية، تشكّل عملية مصالحة تعالج الماضي بطريقة بناءة آليةً من آليات العدالة الانتقالية التي ستكون ضرورية لإعادة بناء الثقة وتفادي أزمات مماثلة في المستقبل.

روابط متضرّرة

مباشرة بعد فرض الحصار في العام 2017، طردت كل من البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة المواطنين القطريين وأمرت مواطنيها بمغادرة قطر. وعوضاً عن اتّخاذ إجراءات انتقامية ضدّ الدول المحاصِرة، سمحت قطر لمواطني تلك الدول بالبقاء في البلد. وغادر الكثير من قاطني دول مجلس التعاون الخليجي قطر، لكنّ بعضهم شعروا بأنّ عليهم البقاء لأنّهم مرتبطون بعائلاتهم وأعمالهم ودراستهم.

لكنّ لهذا الطرد والاستدعاء للمواطنين الخليجيين تأثيراً اجتماعياً كبيراً لأنّه أفضى إلى فصل غير معهود للعائلات. فقد بات الأشقاء والأهل والأنسباء وغيرهم من الأقرباء عاجزين عن زيارة بعضهم بعضاً. وغدا التواصل عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي صعباً أيضاً لا بل خطراً، لأنّ قوانين الرقابة في البلاد المحاصِرة فرضت عقوبات قاسية على انتقاد السلطات وإبداء التعاطف مع قطر.

وما كان من الحصار الذي دام قرابة أربعة أعوام وبحر التوتّرات السياسية الذي رافقه إلا أنّ رسّخ شعور الاستياء وانعدام الثقة ضمن العائلات وبين المواطنين الخليجيين على حدّ سواء. فقسّمت حملات المعلومات المغلوطة والدعاية على الإنترنت العائلات التي لها روابط عبر الحدود.

فالأقارب الذين كانوا متلازمين في السابق توقّفوا فجأة عن التخاطب، فيما انخرط آخرون في معارك سياسية وتراشقوا الاتّهامات القاسية. ونشبت خلافات سياسية مريرة في مجموعات العائلات على تطبيق “واتساب”، وحظر الأعضاء بعضهم بعضاً. وكان العداء شديداً جداً في العلاقات القطرية الإمارتية بشكلٍ خاص في فترة الحصار.

وقال لي حمد المرّي، وهو قطري لديه أقرباء سعوديون، في مقابلة أجريتها معه مؤخّراً: “كان من الصعب التحدّث مع الأقارب الذين لطالما كنت متّفقاً معهم. فقد ساد الشعور بأنه إمّا تكون معهم أو ضدّهم”.

بالتالي، كانت مهمّة اللحظة التي رحّب فيها ولي العهد السعودي محمّد بن سلمان بالأمير القطري الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بمعانقة على أرض المدرج في العلا في وقت سابق من هذا الشهر. لكنّ الغضب والشعور بالتعرّض للخيانة الشديدَين اللذين سبّبتهما الأزمة الخليجية على المستوى الشعبي لا يمكن معالجته من خلال لحظات رمزية كهذه ولا من خلال اتّفاقية سياسية تمّ التفاوض عليها سرّاً.

لذا ستتطلّب المصالحة الخليجية جهوداً تعالج الماضي المرير بغية تفادي وقوع أزمة أخرى كهذه الأزمة. وهذا هو جوهر أهداف العدالة الانتقالية.

عدالة انتقالية تركّز على المصالحة

وكثيراً ما تُعتَبر العدالة الانتقالية عملية تلجأ دولة ما عند انتقالها من حالة حرب إلى سلام أو من نظام قمعي إلى الديمقراطية، إلا أنّها تقدّم إطار عمل ثمين للمصالحة الخليجية.

فغالباً ما تتطلّب العدالة الانتقالية إجراء تصفية حساب ملائمة مع الماضي قبل أن يتمكّن المجتمع من “قلب الصفحة” والسير قدماً. وقد تركت هذه الأزمة جرحاً مفتوحاً كبيراً يتطلّب مبادرات مصالحة يقوم بها كلّ من القادة والمواطنين الخليجيين المتأثّرون على حدّ سواء.

وشرحت باحثة قطرية مرموقة في مقابلة لها قائلة: “يحدث التغيير في الخليج عادة من الأعلى إلى الأسفل”. وشدّدت هي والقطريون الآخرون الذين قابلتهم، من ضمنهم أولئك الذين ينتمون إلى عائلات خليجية ممزوجة، على أنّ أيّ مصالحة فعّالة ينبغي أن تكون مدعومة من الدولة وبقيادتها. ويُعزى ذلك الأمر إلى أنّ العلاقات بين الدولة والمجتمع في الخليج تتّسم بمستوى كبير من الإخلاص والثقة يسمح للقادة بالتأثير في العلاقات الاجتماعية.

ومثلما حرّض بعض القادة ووسائل الإعلام الحليفة لهم على انهيار الثقة الاجتماعية منذ العام 2017، يمكنهم أيضاً المساعدة في إعادة بنائها. وستكون البيانات الرسمية الداعمة لحماية نسيج المنطقة الاجتماعي من الانفصالات السياسية مسألةً ضرورية للمساعدة على ترسيخ عملية المصالحة. وبإمكان الحكومات الإقليمية الإضافية إطلاق مبادرات تعاونية عبر الحدود في مجالات مختلفة من الحياة العامة للمساعدة على إعادة بناء الثقة.

وعلى المستوى المجتمعي، يكون مسار العدالة الانتقالية شخصياً للغاية وينبغي أن يصمّمه أولئك المـتأثرون تأثراً مباشراً بالأزمة الخليجية. ويمكن أن تضمّ مبادرات المصالحة سرد الحكايات من خلال التوثيق والتاريخ الشفهي ولقاءات العائلات عبر الحدود والتنقّل المحمي العابر للوطن للمواطنين الخليجيين وعودة لنشاطات التعاون الإقليمية في مجالات الأعمال والفنون والرياضة. وتُبرز المبادرات الفنّية التعاونية التي توثّق حكايات العائلات المنفصلة مثلاً تأثيرها في أرجاء المنطقة وتشكّل تذكيراً بالأذى الذي سبّبته الأزمة.

ويشكّل الإقرار بالماضي جزءاً مهمّاً من عملية المصالحة. وسبق أن شرعت قطر في هذا الأمر من خلال إحياء الذكرى في المساحات العامة. فهي تبني النُصب وتسمّي المساحات العامة “5/6” في إشارة إلى تاريخ بدء الحصار. وهذه جهود غايتها الحرص على أن تبقى ذكرى الحصار في العقول، بطريقة أشبه بشعار “لن ننسى”.

ومثلما قال أحد القطريّين الذي طُرد أفراد عائلته من المملكة العربية السعودية في خلال الأزمة: “لا شك في أنّه علينا قلب الصفحة، لكن لا ينبغي علينا حذف الصفحات التي أتت قبلها، وإلا سنشهد أزمة أخرى في المستقبل”.

في الفترة التي سبقت قمّة العلا، أُفيد بأنّ قطر وافقت على إسقاط دعاواها الدولية ضدّ الدول المحاصِرة كخطوة مصالحة. مع ذلك، تبعث جهودها لحماية الذاكرة الشعبية عن الحصار رسالةً واضحة بأنّه سيتمّ تذكّر السنوات الثلاثة ونصف السنة الماضية على أنّها فترة ظلم ومقاومة وصمود، وليس مجرّد فترة من التوتّرات السياسية.

والعدالة الانتقالية مهمّة لكي يتخطّى مجتمع ما ماضياً مريراً عاشه. وسيكون للمبادرات في هذا الاتّجاه التي تقوم بها قطر تأثيرٌ إيجابي بالتأكيد على الدول المجاورة لها وستساعد على الاستفادة من ماضي المنطقة المتداخل لإعادة بناء الثقة في المستقبل.