Skip to main content
مقال

الصراع على العرش في المملكة العربية السعودية

بعد أكثر من عشرة أيام بقليل على وجوده في الحكم، انتقل العاهل السعودي الملك سلمان بسرعة إلى ترسيخ سلطته. وبذلك، فقد أبرز شخصيتين ممن يسمون بالجيل الثالث من الأمراء في العائلة المالكة – وهما الأمير محمد بن نايف، وليّ وليّ العهد ووزير الداخلية، والأمير محمد بن سلمان، نجل الملك الأصغر، الذي يشغل الآن منصب وزير الدفاع ورئيس الديوان الملكي – وهمّش العديد من أبناء عمومتهم. ففي أسرة توزّعت فيها السلطة السياسية، على مدى عقود، بين عدة أفراد، لا بد لمركزية السلطة أن تثير الدهشة. كما وأنها تثير التساؤلات حول كيفية إدارة العلاقات السعودية-الأمريكية تحت حكم العاهل الجديد، علماً أنّ هذه العلاقات تخطّت العديد من الأزمات المعاصرة (على غرار أحداث 9 سبتمبر، وحرب العراق، والربيع العربي).

منذ عهد الملك فيصل (الذي امتد بين العامين 1964 و1975)، تم تقاسم سلطة فعالة لاتخاذ القرارات في المملكة العربية السعودية بين مجموعة من الأخوة غير الأشقاء الذين دعموا فيصل في صراعه على السلطة ضد أخيه الأكبر، الملك سعود (1953-1964). ومنذ ذلك الحين، كان جميع الملوك الذين اعتلوا عرش السعودية من “معسكر فيصل” هذا: بدءاً من الملك خالد (1975-1982)، مروراً بالملك فهد (1982-2005)، ووصولاً إلى الملك عبدالله (2005-2015)، والآن الملك سلمان. وليس هذا فحسب، فقد مسك معسكر فيصل مناصب مهمة، على غرار وزارة الدفاع بقيادة الأمير سلطان، ووزارة الداخلية بقيادة الأمير نايف. (وقد توفي كلاهما قبل أن تتحقق فرصتهما بالجلوس على العرش). أما الملك، فكان بطبيعة الحال الأول بين أقرانه من الأخوة غير الأشقاء، إلا أنّ بقية أعضاء المجموعة بقوا يتمتعون بنفوذ كبير من خلال سيطرتهم على المناصب البيروقراطية المهمة ومن خلال عملية صناعة القرار المبهمة بالكامل إلا أنها كانت فعّالة في نهاية المطاف.

بيد أنّ معسكر فيصل قد انتهى. إذ إنّ سلمان هو آخر عضو فيه، وولي عهده، الأمير مقرن، كان أصغر من أن يكون مشاركاً في المكائد السياسية التي جلبت هذا المعسكر إلى السلطة في ستينيات القرن الماضي. ومع مرور جيل واحد، واجهت سلمان فرصة لإعادة هيكلة عملية صناعة القرار في بلاده. وبدلاً من أن يقوم بإعادة إنشاء النظام القديم لعملية صناعة القرار الجماعية في المملكة، قام سلمان بوضع السلطة في أيدي شخصيتين من الجيل الثالث وذلك من خلال المراسيم الملكية التي أصدرها في 29 يناير.

لم تكن تسمية أحدى هاتين الشخصيتين القويتين بمفاجئة. إذ شغل الأمير محمد بن نايف، البالغ من العمر 55 عاماً، منصب وزير الداخلية (المسؤول عن القطاع الأمني في البلاد فعلياً) منذ وفاة والده، في العام 2012. وقبل ذلك، كان مساعداً لوزير الداخلية للشؤون الأمنية والمسؤول عن استراتيجية البلاد لمكافحة الإرهاب في منتصف الألفية الثانية. أما السمعة التي اكتسبها، فلم تتوقف عند كونه مديراً واستراتيجياً فعّالاً، بل أيضاً لكونه ضد المعارضة السياسية. إذ قاد حملة لقمع النشطاء السياسيين الإسلاميين وممن يميلون إلى التوجه الليبرالي على حد سواء منذ بدايات الربيع العربي. وأصبح بالتالي الرجل المناسب لتبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالإرهاب مع الولايات المتحدة، مما جعل واشنطن تعتبره شخصية غاية في الأهمية.

بالتالي، لم يكن أمراً مفاجئاً عندما أسند سلمان منصب ولي ولي العهد لمحمد بن نايف ، مما جعل هذا الأخير المرشح الأوفر حظاً ليكون أول ملك من أبناء جيله، ولكن هذا لا يضمن لمحمد بن نايف اعتلاء العرش – إذ يمكن لسلمان أن يفصله من منصبه، والأمر سيان بالنسبة لمقرن، عندما يصبح وإذا أصبح ملكاً – إلا أنّه يجعله الوريث المفترض بعد مقرن. إذا تمّ كلّ شيء بحسب المعتاد، إنّ استلام محمد بن نايف العرش من شأنه أن يحل المشكلة الشائكة حول كيفية تمريره إلى الجيل القادم. كما وعيّن الملك أيضاً محمد بن نايف رئيساً لمجلس الشؤون السياسية والأمنية التي تمّ إنشاؤه حديثاً، وهو أحد المجلسين الشاملين اللذين أنشأهما سلمان لتنسيق السياسات من أجل تشغيل العملية السياسية.

إنّ الرجل الثاني الذي عيّنه الملك الجديد مثير للدهشة ومثير للقلق أكثر في نواح كثيرة. لقد أعطى سلمان نجله محمد بن سلمان قدراً هائلاً من السلطة. لا بد أن نذكر أن الأمير محمد، البالغ من العمر 34 سنة، هو أصغر بكثير من ابن عمه محمد بن نايف. وخلافاً لمعظم أبناء جيله من آل سعود، فهو لم يدرس في الخارج، ولم يشغل أبداً منصباً حكومياً كبيراً. كان رئيس مكتب والده عندما كان سلمان ولياً للعهد، أما الآن، فأصبح للأمير الشاب، الذي لم يتم اختباره بعد، ثلاث وظائف رئيسية. فهو الآن وزير الدفاع، يترأس القوات المسلحة السعودية ويدير إحدى أكبر الميزانيات في المملكة. وهو رئيس الديوان الملكي، أي ما يعادل رئيس موظفي البيت الأبيض. كما وأنه سيكون “حارس البوابة” أي سيكون من يقرر من يقابل والده ومن لا يمكنه مقابلته. وهو أيضاً رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي سيتولى تنسيق السياسات الاقتصادية للمملكة.

من خلال تمكينه لكل من محمد بن سلمان ومحمد بن نايف، لقد اقصى سلمان العديد من الأمراء الآخرين. في المراسيم الملكية التي أصدرها في 29 يناير، أبعد اثنين من أولاد الملك الراحل عبدالله من إمارة الرياض ومكة المهمتين. شهِد الأمير بندر بن سلطان، الذي شغل لفترة طويلة منصب السفير السعودي في واشنطن، وهو المسؤول عن السياسة الخارجية بالنيابة عن النظام، أنّ مجلس الأمن الوطني السعودي الذي كان يترأسه قد تم حلّه. أما الأمير خالد بن بندر، رئيس الاستخبارات العامة، فقد استُبدِل بشخصٍ من عامة الشعب. وأعفي الأمير خالد الفيصل، أكبر أولاد الملك الراحل فيصل، من منصبه في وزارة التربية والتعليم وأعيد إلى منصبه السابق كأمير لمكة. لا يُعتبر ذلك بالضرورة تقليلاً لرتبته، إنما يبعده عن العاصمة. لقد أبعد عبدالله في السابق أفراداً بارزين آخرين من جيل العائلة هذا، بمن فيهم الأمير محمد بن فهد، نجل الملك الأسبق والحاكم السابق للمنطقة الشرقية (الغنية بالنفط)، والأمير خالد بن سلطان، ابن وزير الدفاع الأسبق ونائب وزير الدفاع السابق، المعروف في الغرب كقائد القوات السعودية في حرب الخليج.

في خضم هذا التغيير، احتفظ بعض أمراء هذا الجيل البارزين بمواقعهم. فالأمير متعب بن عبدالله، نجل الملك الراحل ورئيس الحرس الوطني، حافظ على رتبته ومنصبه الوزاري الذي يأتي معها. كما وأنّ الأمير سعود الفيصل، الذي شغل منصب وزير خارجية المملكة منذ العام 1975 بقي في منصبه. (كان الأمير سعود، الذي عانى مشاكل صحية مزمنة، في الولايات المتحدة من أجل الخضوع لعملية جراحية أثناء انتقال السلطة). لم يكن عزل سلمان لعدد من الأمراء إعادةً لترتيب بيت آل سعود بشكل نهائي، ولكن من الصعب الوصول إلى استنتاج باستثناء أن السلطة الحاكمة تتركّز ضمن مجموعة تضم أفراداً أقل من أي وقتٍ مضى في تاريخ السعودية الحديث.

نظراً للحذر الذي تتوخاه أسرة آل سعود في ما يتعلق بسياساتها الداخلية، من الصعب معرفة كيف ستمر هذه التغيرات على العائلة الممتدة لأي ملك سعودي. أشار المرسوم الملكي الذي أعلن فيه محمد بن نايف ولياً لولي العهد إلى أن “أغلبية” أعضاء هيئة البيعة، أي مجلس العائلة الذي أسسه عبدالله لمحاولة مأسسة مسائل الخلافة، وافقوا على هذا التعيين. قد يتساءل المرء عن حجم هذه الأغلبية. على الأقل، يُعتبر محمد بن نايف شخصاً مضموناً. لكن في عائلة حيث تحظى الأقدمية في العمر بأهمية كبيرة، وحيث يقف الأمراء في المناسبات العامة في الصف وفقاً للعمر، من الصعب فهم كيف سيمر وصول شخص لا يبلغ من العمر إلا 34 عاماً متخطياً عدداً من أولاد عمه )وإخوته( إلى السلطة. حين يبدأ سلمان بمنع أولاد عمومه الأكبر سناً الوصول إلى الملك، وهذا هو عمله كرئيس للديوان الملكي، سيكون للمراقبين الكثير ليسمعوه.

ترى الولايات المتحدة أن المسألة الأكثر إلحاحاً خلال الفترة الانتقالية هي التعاون العسكري بين الطرفين. (قام محمد بن نايف خلال السنوات الأخيرة بإدارة التعاون الاستخباراتي، أحد أعمدة العلاقات الأمريكية- السعودية، ولا بد لذلك أن يستمر من دون أي تغيير). بصفته وزيراً للدفاع، سيكون محمد بن سلمان الآن الشخص الأهم في ذلك المجال. كما وأنّ آراءه حول القضايا المتصلة بالعلاقات السعودية-الأمريكية غير معروفة علنياً. ونظراً لمركزية علاقات التعاون العسكري بين الطرفين، يثير تعيينه التساؤلات حول العملية اليومية لهذا العنصر في العلاقات الثنائية. لن يقوم الوزير الجديد بتغيير الشراكة السعودية-الأمريكية التي امتدت على مدى عقود طويلة بشكل جذري. تشكل العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة جزءاً من توافق السياسة الذي وحّد “معسكر فيصل” على مرّ العقود، وكان سلمان جزءاً من هذا التوافق. إلا أن مدى هذا التعاون وعمقه سيتوقف على الطريقة التي سيتبعها نجله في إدارة وزارته والعلاقة مع واشنطن.

على غرار ذلك، من غير المحتمل أن تتغير الخطوط العريضة العامة للسياسة السعودية في ما يتعلق بمجموعة من المسائل المهمة الأخرى. إن إعادة تعيين وزراء تكنوقراطيين مهمين – كوزير البترول علي النعيمي ووزير المالية إبراهيم العساف – تشير إلى الاستمرارية. كذلك، حافظ وزير العمل عادل فقيه على منصبه، علماً أنه ترأس جهوداً كبيرة لزيادة عدد المواطنين السعوديين في القطاع الخاص، مسبباً الإزعاج لعددٍ من الشركات السعودية الخاصة.

رغم ذلك، من غير الممكن أن نحاول توقع توجهات سياسة الملك السعودي الجديد على المدى الطويل. إن الرأي التقليدي حول عبدالله قبل توليه السلطة أظهره رجلاً قبلياً، محافظاً على الصعيد الاجتماعي، وطنياً عروبياً مناهضاً للأمريكيين. ربما كان كذلك في قرارة نفسه، إلا أن طريقته في الحكم لم تكن كذلك. ليس لدينا فكرة واسعة عن أهداف سلمان على المدى الطويل، أو إن كان لديه أصلاً أهدافاً. لكن تعييناته الأولى تشير بعض الشيء إلى توجهاته. فقد عيّن ضمن حكومته الجديدة ثلاثة أعضاء من أسرة آل الشيخ. تنحدر هذه الأسرة من الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رجل الدين المتشدد ومؤسس الوهابية، الذي عقد معه محمد بن سعود التحالف المصيري في العام 1744 الذي أتى بأسرة آل سعود إلى الحكم في شبه الجزيرة العربية. ليس جميع أفراد هذه الأسرة، الذين هم متنوعون وممتدون مثل آل سعود أنفسهم، على نفس مستوى تعصب أجدادهم، إلا أنهم يمثلون الولاء السعودي المستمر إلى تفسير الإسلام المحافظ والمعادي للأجانب، وأن الإسلام هو الدين الرسمي في المملكة العربية السعودية. أحد أفراد هذه الأسرة ممن فقدوا وظيفتهم كان عبداللطيف آل الشيخ، رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي اعتُبر ليبرالياً نوعاً ما والذي سعى إلى الحد من تجاوزات قوته.

بالإضافة إلى ذلك، ومع انخفاض أسعار النفط لأكثر من 50 بالمئة منذ منتصف 2014، قد يتوقع المرء أن يلجأ سلمان إلى بعض القيود المالية في أولى مراسيمه. إلا أن ذلك لم يحصل. فقد منح الملك الجديد عند اعتلائه العرش السعوديين العاملين في القطاع العام (والأغلبية الساحقة من السعوديين في القوى العاملة التابعة للدولة) والمتقاعدين من وظائف الدولة راتب شهرين كعلاوة، مما كلفه نحو 30 مليار دولار. تملك المملكة العربية السعودية أموالاً طائلة، نحو 750 مليار دولار في الاحتياطي، مما يعني وجود متكأ مالي كبير. لكن في حال بقيت أسعار النفط عند هذا المستوى المتدني غير المسبوق لبعض الوقت، فلا بد لأي ملك يود فعلاً أن يبني سمعة حسنة أن يواجه بعض الخيارات الصعبة بشأن الإنفاق الحكومي.

لا بد من القول أنّه، على المدى المباشر، كان انتقال العرش من الملك عبدالله إلى سلمان سلساً للغاية. ليس هناك أي سبب للشك في استقرار الدولة السعودية في المستقبل القريب. كما أنها تخطّت ثورات الربيع العربي ولديها الاحتياط المالي الكافي لدعم نظام رعايتها لعدة سنوات. أما القطاعات الرئيسية من المجتمع التي قد تتجمع نظرياً ضد النظام للضغط عليه من أجل تغيير سياسي – بما فيها الوهابيين المحافظين والأقلية الشيعية والنخب الأكثر ليبرالية وتكنوقراطية – فهي تخاف بعضها البعض أكثر من معارضتها للنظام. وبالتالي، لا يوجد أي احتمال لانفجار سياسي جاد من الأسفل في المدى القريب.

ولكن، لا بد من الإشارة إلى أنّ التحديات التي تواجهها الأنظمة لا تأتيها من الأسفل فقط. إذ قد تواجه هذه الأنظمة أزمات لو انقسمت من الداخل. وكان سلوك أسرة آل سعود جيداً في المطلق خلال السنوات الخمسين الماضية، ولكن لا يخلو تاريخ الأسرة الطويل على العرش وجود مناسبات عديدة نشبت فيها خلافات داخل الأسرة، حتى وأنها أسقطت الحكم السعودي في شبه الجزيرة العربية. من شأن تركيز سلمان السلطة في أيدي بعض أفراد الأسرة أن يكون له على المدى الطويل رد فعل عنيف بين العديد من أفراد الجيل الثالث الذين على ما يبدو تم إبعادهم عن السلطة في قراراته الأخيرة. وللمرة الأولى منذ عقود، قد يكون هناك معركة سياسية حقيقية داخل الأسرة الحاكمة. ستكون المرحلة المقبلة اختباراً للمهارات السياسية للملك الجديد ولولي عهده وعلى وجه الخصوص نجله الأصغر الذي استثمر فيه الكثير من السلطة بغية تجنب تلك النتيجة الخطيرة.

المؤلف

Get daily updates from Brookings