Skip to main content
مقال

أزمة الشرق الأوسط التي لا تنتهي

في كثير من الأحيان يقول الناس في الشرق الأوسط، خاصة الإسرائيليون والفلسطينيون، أنه “في نهاية المطاف دائماً ما نعود للصراع العربي-الإسرائيلي.” هذا هو بالضبط ما حدث في يوم الخميس 19 آذار/مايو عندما ألقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطاب سياسي رسمي في وزارة الخارجية يقدم فيه مبادئ جديدة للمفاوضات تستند إلى حدود عام 1967، وفي الأسبوع الماضي عندما قُتل ما لا يقل عن 10 متظاهرين عزل بالرصاص الإسرائيلي في اليوم الذي يُطلق عليه الفلسطينيين “النكبة” أو “الكارثة”، وعاد الصراع العربي-الإسرائيلي مرة أخرى إلى محوره.

و لكن إذا كان المجمل العام لهذه القصة أصبح مألوفاً بشكل مؤلم الآن، فإن السياق والتفاصيل الخاصة بهذا الأسبوع قد تشير إلى نوع مختلف من التصعيد، في حين تسعى الولايات المتحدة لاستئناف محادثات السلام. وبطبيعة الحال، فقد ظهرت الثورات العربية: فالفلسطينيون يرون السرد الجديد للثورات العربية للحصول على المزيد من الحريات والعدالة والمساواة للحاق ببحثهم المستمر منذ عقود قديمة للحصول على نفس الشيء ولإقامة دولة خاصة بهم. وبالنسبة للإسرائيليين، فإن الأحد 15 آذار/مايو كان هو اليوم الذي طوقت فيه الصحوة العربية حدودهم المؤقتة الساكنة لتذكرهم مرة أخرى بمدى ضعفهم وإلى أي مدى أصبحوا معزولين.

فقد أنذرت الاحتجاجات المنظمة ضد خطوط الهدنة الإسرائيلية لعام 1949 مع سوريا ولبنان – بالإضافة إلى الضفة الغربية وغزة ومصر والأردن – العديد من الإسرائيليين وأثارت مخاوفهم من أن إسرائيل تفتقر إلى الوسائل العلمية لمواجهة التظاهرات الحاشدة في المستقبل. ففي الواقع لم يمنع المتظاهرين من محاصرة المنطقة سوى الوجود الأمني الكثيف بالقرب من الحدود المصرية والأردنية مع إسرائيل. يُدرك الإسرائيليون الآثار الملموسة للمنطقة المتغيرة سريعاً التي تموت فيها الحقائق القديمة وتتجدد المخاوف من عودة الصراع.

وفي الوقت نفسه، يستخدم اللاجئين الفلسطينيين أدوات الثورات اليوم – شبكة الإنترنت بشكل عام والموقع الاجتماعي فيس بوك بشكل خاص – لتنظيم التظاهرات وللتأكيد على حقهم في العودة إلى ديارهم التي تعرف الآن بإسرائيل. فهناك ما يُقدر بـ600000 فلسطيني يستخدمون الفيس بوك في الضفة الغربية وغزة فقط، ومن المعتقد أن ثلثهم متأثرين سياسياً بالإعلام الاجتماعي. عندما وقعا كل من فتح وحماس اتفاق مصالحة أخيراً قبل أسبوعين في القاهرة، فقد كان ذلك استجابة منهم لحملة تدعو إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية والتي نظمها ناشطو الإنترنت والتي تمكنت من حشد الآلاف في كلِ من الضفة الغربية وغزة. وقد تشجع النشطاء بهذه التطورات وقاموا بتنظيم المزيد من التظاهرات والمسيرات الشعبية للضغط على إسرائيل والمجتمع الدولي وقاداتهم حيث فرض الفلسطينيون موعداً نهائياً لمناهج السيادة في أيلول/سبتمبر.

رغم ذلك فإن ما أدى إلى جعل يوم النكبة الذي حدث هذا العام أكثر وضوحاً كانت الأحداث التي دارت على الحدود السورية-الإسرائيلية الفعلية. فقد تحطم ثمانية وثلاثون عاماً من الهدوء شبه التام الذي كان يسود على طول الحدود التي يبلغ طولها حوالي 50 ميلاً حيث قام العشرات من المتظاهرين الفلسطينيين بعرقلة طريقهم من خلال السياج الأمني الموجود في مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل. ويمثل هذا الحدث فشل المخابرات الإسرائيلية والجيش ويُظهر عجز قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك المكونة من 1250 عضو والتي تأسست لمراقبة اتفاقية عام 1974 لفصل القوات، كما أظهر أن النظام البعثي للرئيس بشار الأسد على استعداد لتصدير عدم الاستقرار إذا لوم الأمر، وبخاصة إلى إسرائيل. وبالنظر إلى درجة القيود المفروضة على الحركة في المنطقة، فمن غير المقنع أن يتمكن المتظاهرين من الوصول إلى السياج الأمني بدون موافقة ومشاركة السلطات السورية والقوات الأمنية.

ومع احتمالية تدهور الأوضاع في سوريا خلال الأسابيع المقبلة، فهل كان هذا الخرق لعبة سلطة من نظام عاقد العزم على تعزيز النقطة التي لا يمكن لغيرها أن يضمن الاستقرار؟ أو هل كانت هذه وسيلة لتحويل الانتباه عن حملة فرض النظام الخاصة بسوريا وتقويض وثائق الأسد كنظام للمقاومة ضد إسرائيل؟ في الواقع، كان من المحتمل أن يكون كلاهما. مع ذلك، فقد تأتي الحركة بنتائج عكسية مما يؤدي إلى استنتاج الجيش الإسرائيلي أنه لا يمكن الاعتماد على الأسد ونظامه لتوفير الهدوء على طول حدودهم الحساسة. ومع أحداث 15 آذار/مايو، فإن التأكيد الذي ينص على أن الاستقرار لا يتحقق إلا في ظل وجود الرئيس الأسد وأنه من بعده ستعم الفوضى قد تحول رأساً على عقب. هذه هي اللحظة التي يتعين فيها على المجتمع الدولي أن يرسل إشارة واضحة بأنه لن يتسامح في ابتزاز نظام الأسد له، وبخاصة عندما يكون استقرار وأمن المنطقة في خطر.

وقد أثبت خطاب أوباما الذي ألقاه يوم الخميس أن قادة أمريكا وإسرائيل يمكنهم تأجيل الحديث عن هذه القضايا، ولكن ليس لفترة طويلة. فقد أثارت إشارة الرئيس لحدود 1967، باعتبارها أساس لإجراء محادثات مع الفلسطينيين، رداً حاداً من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حتى قبل أن يصل على متن الطائرة المتجهة إلى واشنطن، حيث من المقرر أن يجتمع مع الرئيس أوباما في 20 آذار/مايو ويتحدث أمام جلسة مشتركة للكونغرس في 24 آذار/مايو. فقد رفض نتنياهو انسحاب إسرائيل إلى مثل هذه الحدود التي “لا يمكن الدفاع عنها”. وكما ذكر كاتب العامود هآرتز ألوف بن الذي في مقاله الافتتاحي مؤخراً قائلاً أن نتنياهو يهدف إلى تعزيز الدفاعات الإسرائيلية ضد الانتفاضة الثالثة – وليس التنازلات الرئيسية الحالية.

فقد وضع أوباما في النهاية أبعاد بشأن قضيتين من القضايا الرئيسية (القضيتان الأخرتان هما القدس واللاجئين) للصراع وذلك من خلال تقديم أفكار بشأن الترتيبات الأمنية لدولة فلسطينية منزوعة السلاح فضلاً عن الحدود. كما أنه أكد على أهمية قيام دولة فلسطينية قريبة وقابلة للنمو وتقع على حدود كلِ من مصر والأردن، لكنه رفض فكرة أن يقوم الفلسطينيون بإقامة دولة من خلال التصويت في الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر.

المشكلة أن هذه الأفكار جاءت بعد فوات الأوان بعامين. فالأحزاب لا تتحدث إلى بعضها البعض وقد أظهرت آخر محاولة لهم للقيام بذلك مدى تباعد أفكارهم. وهناك أيضاً شكوك خطيرة ما إذا كان الرئيس الأمريكي لديه الإرادة والاستراتيجية السياسية لدفع كلِ من الإسرائيليين والفلسطينيين حيث أنه يخوض حملة لإعادة انتخابه. وفي أحسن الأحوال، فقد ضغط أوباما على زر إعادة التشغيل من أجل بدء المحادثات، فهو لم يشرح بطريقة أخرى واضحة بدلاً من دعوة مبهمة للولايات المتحدة واللجنة الرباعية بالشرق الأوسط والدول العربية “لمواصلة كل جهد لتجاوز المأزق الحالي.” في الوقت نفسه، يشعر القادة الفلسطينيون، ولاسيما الرئيس محمود عباس، بالتحرر بسبب اتفاق الوحدة الوطنية الفلسطيني وسيواصلون جهودهم من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة ما لم تبدأ مفاوضات جدية قريباً – على الرغم من رفض أوباما الصريح لهذه الخطوة.

أحدثت تغييرات هذا العام التي حدثت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أثراً عميقاً على آفاق السلام في المنطقة. فالناس في العالم العربي لم يعدوا على استعداد للتعامل على أساس القواعد القديمة، حيث يتحدد صنع السلام من خلال الشواغل الأمنية الإسرائيلية والتقويم الانتخابي في الولايات المتحدة. هناك نفاذ متزايد للصبر لضمان العدالة للفلسطينيين وإقامة دولة خاصة بهم. وبالتالي، فهناك حاجة إلى تحركات جادة من أجل تأسيس دولتين هذا العام، إسرائيل وفلسطين. الوضع يتطلب جهداً دولياً جديداً على غرار مؤتمر مدريد الذي أقيم عقب حرب الخليج الأولى عام 1991. آنذاك، كانت القيادة الأمريكية هي التي قامت بجلب دوافع جديدة لتحقيق السلام بين العرب والإسرائيليين، وهذه المرة، فإن المعايير الواضحة على الحدود والترتيبات الأمنية، كما عرضها الرئيس أوباما يوم الخميس، بالإضافة إلى القضايا الأساسية الأخرى من الممكن أن توفر الأساس والدوافع للوصول إلى اتفاق حول الوضع النهائي.

إذا تعذر ذلك، فستواصل العلاقة بين كلِ من المخاوف الإسرائيلية والجهود الأمريكية تراجعها حيث يتولى الفلسطينيون زمام المبادرة في جو تفرضه الإرادة الشعبية العربية. فهذا يبشر بصيف طويل وساخن في منطقة الشرق الأوسط.

Get daily updates from Brookings