Skip to main content
A group of Tunisian migrants arrive on a rubber boat after being rescued by the Tunisian  coast guard off the coast of Bizerte, Tunisia October 12, 2017. Picture taken October 12, 2017. REUTERS/Zoubeir Souissi - RC15BE82E6B0

الهجرة التونسية إلى الشمال وما تعكسه عن أزمة الدمقرطة في البلاد

لا تزال روح محمد البوعزيزي حيّةً في تونس اليوم، حيث يحرق الشبابُ الإطارات ويحتجّون في ذكرى وفاة البائع المتجوّل التي أطلقت شرارةَ الثورة في البلاد- والربيع العربي في المنطقة – في ديسمبر 2010. ويبقى الشباب الذين ليس لديهم ما يخسرونه جريئين. ففي كلّ عام، يراهن الآلاف منهم على حياتهم، فيركبون قوارب، غالباً ما تكون مكتظّة ومفتقرة إلى الموارد بشكل خطير، ويعبرون البحر المتوسّط سعياً إلى الهروب من التهميش في تونس. 

Larbi Sadiki

زميل سابق

Nonresident Fellow, Brookings Doha Center

Professor, Department of International Affairs, Qatar University

وتُعرَف الرحلة الهادفة إلى البحث عن وضع أفضل في الشمال بـ”الحَرقة”. والحرقة عبارة عن استراتيجية مغادرة يلجأ إليها أولئك الذين يعانون تهميشاً شديداً في بلادهم. فيسعون إلى الاغتراب في بلدان أجنبية؛ فقد يكون هذا الاغتراب أقلّ ألماً من الانعزال الاجتماعي الاقتصادي والسياسي في بلادهم. في غضون ذلك، عجزت الحكومة التونسية عن معالجة المشاكل الأعمق لأوضاع عدم المساواة المتزايدة التي تكمن وراء الحرقة.

الهجرة إلى الشمال

لقد شارك الكثير من الشباب الذين يلجأون إلى الحرقة في ثورة العام 2011. فمنذ ذلك الحين، انفصل الكثير منهم عن جميع أشكال الالتزام المدني والسياسي بسبب عزلهم عن الحياة العامة وحرمانهم من اهتمام الدولة وسلطتها العادلَين. وحتّى اليوم، لا يشكّل التعليم الجامعي معبراً نحو إيجاد وظيفة أو تحقيق أمن مالي أو القدرة على تأسيس عائلة. فلم يعطِ الاستقلالُ ولا الثورة الخلاص للتونسيين. إذ يواجه هؤلاء الشباب غضب البحار، مخاطرين بمواجهة رفض جديد عند وصولهم. وقد لجأ بعض الشباب إلى رحلة الحرقة الفاشلة أكثر من مرّة. أمّا الشباب المهاجرون “الذين نجحوا بالوصول إلى وجهتهم” فواجهوا مشاكل جديدة في أوروبا، كالشرطة والمراقبة وأنظمة الشنغن وغيرها.

وحتّى في الهروب من البؤس تظهر التراتبية. فهذه هي حال سلسلة الهجرة شمالاً، وقد تمّ تخليد مرارتها ما بعد الاستعمار في كتاب الطيّب صالح الكلاسيكي بعنوان “موسم الهجرة إلى الشمال”. فيسافر المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء شمالاً إلى تونس، فيما يهاجر التونسيون شمالاً أكثر إلى إيطاليا. ويفوق معدّل البطالة الوطنية في تونس نسبة 15 في المئة، وتصل هذه النسبة في بعض المناطق الجنوبية إلى ضعف هذا الرقم. لكن التناقض في الموضوع أنّ تونس تواجه نقصاً حادّاً في عدد العاملين الزراعيين. فغدت البلاد تعتمد على آلاف من المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء الذين يُقدَّر عددهم بحوالي 60 ألفاً.

ويعمل هؤلاء لقاء أجرٍ أدنى في سعيهم إلى وظائف موسمية، منتظرين دورهم للانطلاق في الرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى أوروبا.

والأرقام المسجّلة في هذا الخصوص صاعقة. فبحلول نهاية أغسطس 2018، وصل حوالي 3811 مهاجراً غير موثّق إلى إيطاليا، بحسب المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية. ومنعت السلطات التونسية 6369 تونسياً من مغادرة البلاد بصورة غير شرعية في العام 2018، وهو حوالي ضعف العدد المسجّل في العام الذي سبقه. مع ذلك، لقي قرابة 1600 تونسيٍّ حتفه في البحر، مع العلم أنّ 1721 تونسياً قد توفي في العام 2017.

الردّ من العاصمة تونس

مع مهاجرة الشباب بالسرّ في اليخوت، تبرز شكوك في احتمال أن يكون بعضٌ من أصحاب السلطة وراء الحرقة، فيساعد أصحاب الامتيازات في تونس مَن هم بلا امتيازات على الهروب من البلاد. وفي جزر قرقنة في يونيو الماضي، غرق قرابة مئة مهاجر جرّاء انقلاب قارب مكتظّ، غير أنّ إقالة وزير الداخلية والتحقيق الحكومي السطحي عجزا عن إبعاد الشكوك عن احتمال تدخّل مسؤولين أمنيين في عملية الإتجار بالبشر.

ولا تُخمد مفاتحات الحكومة، التي تتضمّن مفاخرات في وقف محاولات الهجرة، النارَ التي تتسبّب بلجوء الشباب إلى الحرقة أصلاً. فكما قال مروان ابن العشرين ربيعاً الذي قام برحلة الحرقة الخطرة فأعادت السلطات الإيطالية ترحيله إلى بلاده: “تمنّيت لو أنّ الطائرة تتحطّم وأن أغرق، بدلاً من أن أعود من جديد إلى المجهول [في تونس]”.

وتطرح هذه الظاهرة أسئلةً صعبة. فهل بإمكان الحكومة التونسية عدم الردّ على تطلّعات الثورة ومطالب أولئك الذين ثاروا ضدّ نظام زين العابدين بن علي؟

وفي ظلّ القيادة المتقطّعة للباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي، ليست تونس اليوم بلداً يعمل على تحقيق تطلّعات شبابه الاستشرافية. وعندما تعجز الدولة عن احتواء ظاهرة مأساوية وغادرة من هذا النوع، تصبح هي بذاتها جزءاً من المشكلة.

يركّز الساسة التونسيون في معالجة موضوع الهجرة على سياسات الأمم الأوروبية المستقبِلة للمهاجرين، مستنكرين عمليات الترحيل القسرية، والحقّ معهم في ذلك. مع ذلك، يتفادى المسؤولون مسؤوليات حكومةٍ “للشعب”. ولا تكمن المشكلة في “ردم الهوّة” بين البلدان الشمالية والجنوبية فحسب، كما أعلن مؤخّراً وزير الشؤون الاجتماعية التونسي. فمن جهة تونس، يتعلّق الموضوع بشكل أساسي أكثر بتوزيع الموارد والفرص، بالإضافة إلى التنميتَين المحلّية والإقليمية.

وينكث المسؤولون، من الرئيس السابق المنصف المرزوقي إلى الرئيس الحالي السبسي، باستمرار بوعودهم بأن يلتقوا بعائلات المفقودين. وقد شكّلت العائلات، التي لم تفقد الأمل، مجموعات مناصَرة في هذا الخصوص، فنصبت الخيام أمام المباني الحكومية، مصرّةً على الحصول على أجوبة.

في خضمّ وضع الارتياب هذا وعدم دوام الحكومة (مع تقاتل داخلي وتحالفات متغيّرة)، تبقى الاحتجاجات دائمة وثابتة. فقد أقام التونسيون أكثر من 700 تظاهرة في أنحاء البلاد في نوفمبر 2018، مع بروز الاحتجاجات مؤخّراً في عمق البلاد. وترفض الضغوط الشعبية أن يتمّ إسكاتها. ولعلّ المحتجّين يملأهم أملٌ جريء بأن يتحسّن الوضع من جديد في تونس، مع احتمال أن ينعم التونسيون بمستقبل آمن ومزدهر في أرض الحرّية والكرامة.

أزمة الدمقرطة؟

وما نزوح الشباب التونسيين المأساوي والجريء سوى عارض واحد من عوارض ما يُعرف بـ”أزمة الدمقرطة”. وهي شبيهة نوعاً ما بما يُعرف بـ”أزمة الديمقراطية” التي تهدّد الديمقراطيات الأكثر ترسّخاً.

وعنوان هذه الأزمة العريض في تونس هو قصر النظر وغياب الدراية السياسية لدى النخب. فقد عجزت الحكومات المتعاقبة منذ ثورة العام 2011، من المرزوقي إلى السبسي، عن التحلّي بالمسؤولية الكافية لإدارة دولة فقيرة في عالم الاقتصادات الحديثة.

فالإسلامويون واليساريون و”الدستوريون القدماء” (مَن تبقّى من الحزب الحاكم السابق، الحزب الحرّ الدستوري الجديد التابع لحبيب بورقيبة، بالإضافة إلى الرئيس السبسي) عالقون في خلاف سياسي، كما لو أنّهم عازمون على تصفية حسابات سياسية بدلاً من معالجة المسائل الخطيرة التي تشكّلها هجرة الأدمغة الشباب والمناطق المهمّشة والدين المرتفع والاستياء المنتشر. فقد أنهى قائد حركة نداء تونس الرئيس السبسي تحالفاً سياسياً لطالما كان ضعيفاً مع حركة النهضة الإسلاموية. وفي جمهورية الشيخَين هذه (في إشارة إلى حكم الطاعنين في السنّ للبلاد)، فات هاتَين “البطّتَين العرجاوَين” درسٌ مهمٌّ في السياسة، ألا وهو أنّ مَن يحصل علام ومتى وكيف أمرٌ مهمّ للغاية. وحتّى لو لم يتنبّهوا لمقولة هارولد لاسويل، فعليهما أن يستمعا إلى أقوال ابن بلادهما ابن خلدون الذي اعتبر المساواة الاقتصادية مسألةَ أخلاقيات إسلامية. ومع غياب شرعية الأداء، بدأ التوافق الذي حقّقه هذان الشريكان غير المتوقّعين يفقد زخمه. علاوة على ذلك، يستنفد التقاتل العاصف داخل هذَين الحزبَين رأسمالاً سياسياً محدوداً أصلاً.

وقد برز منذ العام 2011، في ما يُمكن تسميته “دمقرطة مزيّفة”، واقعٌ منقسم. فصحيح أنّه يتمّ تطبيق دمقرطة سياسية، من خلال دستور ديمقراطي وانتخابات ديمقراطية، غير أنّها لا تأتي مصحوبة بالعدالة الاجتماعية التي تشكّل مكوّناً اجتماعياً اقتصادياً مرافقاً لهذه الدمقرطة. فلا يزال الحرمان الشديد ونسبة البطالة المرتفعة قائمَين منذ العام 2011، مع تزايد الانقسام بين “التونسيّتَين” (أي المناطق الشمالية والساحلية الغنية مقابل المناطق الداخلية والجنوبية المحرومة).

ومع تخفيض قيمة الدينار التونسي، الذي شكّل شرطاً من الشروط المرافقة للقرض بقيمة 2,9 مليار دولار أمريكي الذي حصلت عليه تونس من صندوق النقد الدولي، ارتفعت أسعار الأغذية والمنتجات الاستهلاكية الأساسية أكثر. ولتبرير “الوقت” الذي ستستغرقه إصلاحات صندوق النقد الدولي لكي تصبح فاعلة، قال رئيس الوزراء يوسف الشاهد للتونسيين إنّ الوضع الاجتماعي الاقتصادي لن يتحسّن قبل العام 2020. بالتالي، تصبح الرسالة بأن يعملوا ولا يلجأوا إلى الإضراب وأن يتحلّوا بالصبر. غير أنّ اتحاد العمّال الأكبر في البلاد لم يقتنع، فدعا إلى إضراب عام انطلق منذ 17 يناير.

وقد أدّى قانون موازنة العام 2019 الذي صدر حديثاً إلى بروز ردود فعل كبيرة من الناشطين ومجموعات المجتمع المدني. فهم يعترضون على التأخّر في جباية الضرائب من أصحاب الأعمال الأثرياء وعلى قانون المصالحة الإدارية الصادر في العام 2017. إذ أنّ الحكومة قد منحت العفو لمسؤولين فاسدين في نظام بن علي، غير عابئة على ما يبدو بنكبة الشعب المهمَّش.

ومن المفترض أن تجري الانتخابات في الخريف المقبل. غير أنّ نسبة الاقتراع المتضائلة منذ العام 2011، التي قاربت 30 في المئة في الانتخابات البلدية في العام 2018، تُعَدّ إشارة سيّئة. فيقول 70 في المئة من الناخبين إنّهم لا يعلمون لأيّ حزب يصوّتون لو كان التصويت غداً.

ما يجدر بالعاصمة تونس أن تفعل

ينبغي على القادة التونسيين أن يدركوا بأنّ معالجة مسألة الحرقة يتطلّب أكثر من مقاربة أمنية. فعلى الحلّ الشامل والطويل الأمد أن يعالج الدافعَين إليها، أي اللامساواة والتهميش.

علاوة على ذلك، يترافق الإدماج الاجتماعي الاقتصادي والإدماج السياسي يداً بيد، وعلى الدولة أن تركّز على الحدّ من اللامساواة كجزء من جهودها إلى زيادة نسبة الاقتراع مثلاً. وبشكل عام، يشكّل التهميش الخطر الأكبر على دمقرطة تونس. بالتالي، ينبغي على السياسيين أن يعملوا على التخفيف من الاستقطاب السياسي وتعزيز الفرص للمناطق والشعوب المهمّشة.

الحرقة عبارة عن عبور جريء ومقدام مع خرق جميع القواعد ومخالفة جميع المعايير. لقد لجأ بوعزيزي إلى النار، أما هؤلاء المهاجرون فلجأوا إلى الماء. وعلى غرار مصير الراوي في “موسم الهجرة إلى الشمال”، يبقى مستقبل شباب تونس غير مضمون. لكنّ هذا العبور يتخطّى مجرّد تصرّف جسدي. إذ يبدو وكأنّه من خلال الحرقة يحاول هؤلاء الشباب أن يطهّروا وجودهم المهمَّش وإقصاءَهم، من خلال عملية تطهيرية للتضحية بالذات. ويأخذ الشبّان مهرَ والداتهم من الذهب ليموّلوا هروبهم من وطنهم الأمّ. ومع كلّ العنف والعذاب الذي تجلبه الحرقة معها، هي تشكّل قمّة المأساة التونسية.

Get daily updates from Brookings