Skip to main content
Up Front

المقاطعة، لما لا؟ المعارضة المصرية وانتخابات نوفمبر

في وقت سابق من هذا الشهر، بدأت مقاطعة المعارضة للانتخابات البرلمانية المصرية المقبلة تبدو وكأنها احتمال حقيقي. وقد أثار هذا الاحتمال عددًا من الأسئلة الصعبة: هل تجدي المقاطعات؟ وكيف يمكن تنظيمها؟ لقد كان أي التباس مفهومًا؛ فقد كانت آخر مقاطعة جماعية تمت على يد المعارضة العنيدة في مصر منذ ما يقرب من عقدين من الزمان.

بعد انتشار ادعاءات بتزوير انتخابات مجلس الشورى في يونيو/حزيران، ازدادت الدعاوى إلى المقاطعة، بقيادة المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والمرشح للرئاسة، محمد البرادعي. وفي يوم 7 تموز/يوليو، عقد حسن نافعة، المنسق العام للجمعية الوطنية للتغيير التي أسسها البرادعي، اجتماعًا مهمًا مع زعيم جماعة الإخوان المسلمين محمد بديع لمناقشة الفكرة باستفاضة أكثر. ومن العجيب أن جماعة الإخوان المسلمين، التي مبدأها الأٍساسي هو خوض أية انتخابات، تقبلت الفكرة، وذكرت أنها مستعدة للالتزام بالمقاطعة إذا كان هناك توافق كافٍ في الآراء. غير أنه ثبت أن بناء هذا التوافق في الآراء كان أمرًا عسيرًا، حيث لقيت الفكرة معارضة من حزب الوفد، وهو أقدم حزب ليبرالي في مصر، بحجة واهية مفادها أن المقاطعة لا معنى لها نظرًا لعدم وجود توافق كاف في الآراء.

حتى جماعة الإخوان المسلمون بدأت في المراوغة بعد أن أبدت تأييدها في البداية لدعوة البرادعي. وقد أوضح سعد الحسيني، عضو مكتب الإرشاد للجماعة، قائلاً: “نحن لن تتخلى عن المشاركة في الانتخابات إلا في حالة وجود مقاطعة جماعية، مع تقديم ضمانات بألا يتراجع أي طرف آخر عن قراره …. فالإخوان تفضل دخول الانتخابات وعدم ترك الساحة السياسية [للحزب الحاكم] وحده…

من الصعب تنظيم المقاطعات لأن الأمر لا يتطلب إلا تخلي حزب رئيسي واحد فقط عن دوره. ومن المعلوم أنه عندما يتخلى حزب واحد عن دوره، فهذا من شأنه تحفيز الأحزاب الأخرى لتفعل الشيء نفسه. فكل حزب يريد أن يكون هو الحزب الوحيد المشارك في الانتخابات، لكن لا يريد أحد أن يكون هو الوحيد الذي يقاطع.

ولكن حتى عندما تكون المعارضة موحدة نسبيًا، كما فعلت المعارضة المصرية في عام 1990، تظل المقاطعة اقتراحًا ضعيفًا ومحفوفًا بالمخاطر. في 20 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1990، عقد حزب الوفد وحزب العمل والأحزاب الليبرالية، فضلاً عن الإخوان، وهي بلا ريب أكبر جماعة المعارضة في مصر، مؤتمرًا صحفيًا مشتركًا لإعلان قرارهم بالامتناع عن المشاركة في الانتخابات. وطوال الثمانينات، أدت هذه الأحزاب عن طيب خاطر دور “المعارضة الموالية”، ومع ذلك فقد كافئهم النظام عندما قام بشكل انفرادي بإصدار تشريعات انتخابية جديدة وتمديد قانون الطوارئ.

واليوم، غالبًا ما يُنظر لمقاطعة عام 1990 باعتبارها إما خاطئة أو فاشلة، أو كلاهما معًا. يقول حسنين توفيق إبراهيم وهدى عوض في كتابهما “الإخوان المسلمون والسياسة في مصر [الدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ظل التعددية السياسية المحدودة في مصر]: “من الإنصاف القول بأن قرار جماعة الإخوان المسلمين بالمقاطعة كان قرارًا تاريخيًا، وهو بداية لمرحلة جديدة في العلاقة بين الإخوان المسلمين والنظام الحاكم”. وقد اتسمت هذه “المرحلة الجديدة” بالقمع المكثف والإغلاق المأساوي للفضاء السياسي. والواقع أن الأنظمة، وعلى ما يبدو الرئيس حسني مبارك نفسه، تعتبر المقاطعة أمرًا شخصيًا إلى حد ما. أما حزب الوفد، فقد أعرب عن شعور مماثل بالندم. فقد كان يحظى بـ 50 مقعدًا في عام 1984 و35 مقعدًا في عام 1987، وكلاهما يُعد أداءً قويًا. ولكن بعد مقاطعة انتخابات عام 1990، فقد الحزب منصته الحقيقية الوحيدة التي تربطه بالشعب. ولم يستعد عافيته قط.

إن التهديد بالمقاطعة شأن والمقاطعة الفعلية شأن آخر. فالتهديد يعني الضغط على الأنظمة الحاكمة وانتزاع شروط أفضل للمشاركة في الانتخابات. لكن الحكومة المصرية – المتمرسة في زرع الفرقة – تدرك تمامًا أن هناك بعض الأمور بعيدة الاحتمال بشكل أكثر من مقاطعة موحدة. لذا فلم تمنح أية امتيازات. وتراجعت المعارضة.

ورغم ذلك، بالنظر إلى وسيلة أخرى، تبدو الحجج المؤيدة للمقاطعة أقل قوةً الآن من ذي قبل. ففي حين أن المعارضة لا تزال تعاني من الانقسامات الداخلية، إلا أنها تزداد ثقة. ومع تدهور صحة مبارك، تبدو الإشاعات بوجود صراعات داخل الحزب الحاكم أكثر قبولاً ويمكن تصديقها. وبالرغم من وجود عدد من العثرات، فقد سمح البرادعي للمصريين بأن يصدقوا – للمرة الأولى – أن هناك بديل حقيقي لخلافة جمال مبارك، نجل الرئيس. وبالتالي، ليس من المستغرب أن تبدأ المعارضة في تهيئة نفسها للتحول المنتظر. فمن الواضح أن أحدًا لا يريد أن يُنحّى جانبًا ومصر تتخلص من ماضيها الاستبدادي.

Get daily updates from Brookings