Skip to main content
anbar_tribal_fighters001
مقال

هجوم المالكي على الأنبار تخطى كل الخطوط الحمراء

قد تكون منطقتا الفلوجة والرمادي قد نالتا نصيبهما من إراقة الدماء بشكل كبير في الأيام الأخيرة، إلا أنّ سُنّة محافظة الأنبار ، حيث تقع هاتان المدينتان، ينظرون ومنذ فترة طويلة بازدراء إلى حكومة رئيس الوزراء (الشيعي) نوري المالكي.

تهيمن على السياسة العراقية والعديد من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية علاقات عدوانية بين سكان العراق السنة والشيعة. وهذا الأمر يبدو جلياً في الأنبار أكثر من أي كان آخر. إنّ منطقتي الفلوجة والرمادي هما الآن خارج سيطرة الحكومة المركزية وأصبحتا، بدرجات متفاوتة، تحت سلطة الميليشيات السنية، والشرطة المحلية (التي يطغى عليها الطابع العشائري)، والمسلحين المتطرفين من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام” داعش”.

بعد الهجوم العسكري الكبير الذي شنّه الجيش العراقي على “داعش” في تضاريس الأنبار الصحراوية في 23 ديسمبر، تحول اهتمام الجيش نحو تأمين البلدات والمدن الرئيسية في المحافظة.

لقد أثار اعتقال أحمد العلواني، النائب السني البارز من الرمادي – وقتل شقيقه علي – في 28 ديسمبر غضب سكان الأنبار. إلا أنّ العملية العسكرية المنسّقة التي جاءت بعد يومين لفضّ الاعتصام المناهض للحكومة كانت خطوة تجاوزت كل الخطوط الحمراء. 

طالبت معظم العشائر بالتسلح وبانسحاب جميع القوات المسلحة الاتحادية من المحافظة. وسرعان ما تبع ذلك قتال عنيف، وقام الجيش بسحب قواته من كافة المدن، وتدفقت قوافل “داعش” المدججة بالسلاح في الرمادي والفلوجة، حيث تم هزم المقاومة الأمنية المحلية بسرعة والسيطرة عليها. 

ما تبدو عليه الأمور اليوم هو أنّ الجيش متأهبٌ لشنّ هجوم كبير على الفلوجة، حيث يشكّل مقاتلو “داعش” ورجال العشائر المحلية القوة الغالبة. وفي الوقت نفسه في الرمادي، اتخذ رجال العشائر السنية – لا سيما عشائر البو بالي والغانم – نهجاً أكثر واقعية، وتعاونوا مع قوات الأمن المحلية في عمليات محدودة ضد مقاتلي “داعش”.

كان الوضع الأمني في العراق في حالة يرثى لها قبل اندلاع أعمال العنف الدامية في الأنبار. واعتُبر العام 2013 الأكثر دموية في العراق منذ العام 2008. يعزى جزء كبير من هذا إلى تصعيد وتيرة عمليات “داعش” داخل الأراضي العراقية، والتي بلا شك ساعدها توسعها في الصراع الأهلي في سوريا في أبريل 2013. ومع اقتراب موعد الانتخابات العراقية المقرر إجراؤها في شهر أبريل، يرزح رئيس الوزراء نوري المالكي على الأرجح تحت ضغط وجوب تقديم صورة الرجل القوي، وخصوصاُ أمام ناخبيه في القواعد الانتخابية الشيعية.

على مرّ الأشهر الأخيرة، اعتمد المالكي في أكثر من مناسبة خطاباً طائفياً حاداً عندما كان يشير إلى السنة المعارضين لحكومته. كما وأنه غالباً ما كان يشير إلى حركة الاحتجاج السنية (بما في ذلك معسكر الرمادي) على أنّها مرتبطة بطبيعتها بتنظيم القاعدة. وفي ظل غياب أدلة موضوعية لدعم هذه الأقوال، بدا أن تنظيم القاعدة كان يُستخدم كأداة سياسية بشكل متزايد.

هذا لا يشير بأي شكل من الأشكال إلى أنّ “داعش” (وهو تنظيم لم يعد تابعاً لتنظيم القاعدة بشكلٍ رسمي في العام 2007) لا يشكل تهديداً؛ بل على العكس تماماً. إلا أنّ العشائر تتمتّع بنفوذ كبير في محافظة الأنبار، وأنّ مركزها المهيمن داخل قوات الأمن المحلية – الشرطة على وجه الخصوص – يعني أنّه كان قد تمّ تقليص وجود “داعش” ليقتصر على الصحراء.

والأمر المثير للسخرية هو أنّ حملة المالكي على ساحة الاعتصام في الرمادي وعملية اعتقال أحمد العلواني غير المتقنة ربما خلقتا الظرف المناسب لمتشددي “داعش” للدخول إلى المدن. إلا أنّ “داعش” ليست القوة الوحيدة على الأرض. إذا يمكن القول أنّ أفراد الشرطة المحلية المنشقون ورجال العشائر المسلحون المعارضون للحكومة الاتحادية في الفلوجة يمثلون قوة أكبر.

بالنسبة للمالكي، كان تحييد حركة الاحتجاج قبل الانتخابات أمراً غاية في الأهمية. مما لا شكّ فيه أنّ استغلال تهديدات “داعش” من أجل فرض سلطة عسكرية على معاقل السنة العشائرية في الأنبار كان خطوة جريئة. كما وأنّ نشر أعداد كبيرة من أفراد الجيش من محافظات ميسان وذي قار والبصرة ذات الأغلبية الشيعية، يؤكد على ضرورة إشراك القوات الموالية للنظام في المعركة الدامية التي ستحدث لا محال.

تبدو الفلوجة الآن البؤرة المحورية. ففي حين تمّ تعليق الهجوم العسكري على المدينة بصورة مؤقّتة من أجل إجراء مفاوضات عشائرية، يبدو أنّه لا مفر من هجوم عسكري، ولو بالحد الأدنى. على الأرجح، سيوجّه الجيش ضربات بالطيران والمدفعية وقذائف الهاون تمهيداً لهجوم بري. مع الأسف، إنّ مثل هذه التكتيكات يكبد خسائر كبيرة في صفوف المدنيين، مما سيؤدي بدوره إلى تنامي المشاعر المناهضة للحكومة وتشجيع العدائية في صفوف العشائر.

إنّ الحصار على الفلوجة لن ينتهي في أيام أو أسابيع، وهذا ما اكتشفته القوات الأمريكية وقوات التحالف في العام 2004. نظراً لطبيعة المعارضة العشائرية لحكومة المالكي على المستوى الاجتماعي وتعقيد احتمال إلحاق الهزيمة بأي جماعة متمردة في بيئة حضرية، فمن المرجح أن يتم نشر قوات الجيش داخل المراكز الحيوية في محافظة الأنبار وحولها لبعض الوقت – وهذا ما قد يطيل التوترات أكثر.

نظراً للاهتمام الكبير الذي يحظى به دور “داعش” في هذه الأوضاع القاتمة، من غير المستغرب أن وزير الخارجية الأمريكية جون كيري قد تعهد بدعم هجوم المالكي على الأنبار – حتى وإن لم يترجم دعمه هذا بقوات على أرض الواقع.

في شهر ديسمبر، أرسلت الولايات المتحدة 75 صاروخ هيلفاير جو-أرض إلى الجيش العراقي وتعهدت بتسريع تسليم 100 صاروخ إضافي لتكون جاهزة للتسليم الربيع المقبل. هذا وبالإضافة إلى طيارات استطلاع بدون طيار أمريكية من طراز ScanEagle وRaven التي من شأنها تعزيز قدرة الجيش العراقي على مكافحة الإرهاب.

قد تكون هذه سياسة منطقية نظرياً، أمّا فعلياً، وعندما توضع في سياق الديناميكيات الجيوبوليتيكية الأخيرة على الساحة الإقليمية، فإنها تعزّز التصور الشائع داخل المجتمعات السنية في الشرق الأوسط بأن الولايات المتحدة قد غيّرت سياستها بشكل جوهري، وأضحت الآن في صفّ القوى الشيعية على حساب القوى السنية.

لقد ضرّ الاتفاق الأمريكي-الروسي في 14 سبتمبر بشأن الأسلحة الكيميائية السورية – ناهيك عن الاتفاق النووي المؤقت الذي وقعته الولايات المتحدة مع إيران بعد شهرين – بعلاقات الولايات المتحدة مع دول الخليج وأضعف علاقاتها مع مكونات المعارضة السورية كافة. إنّ من شأن تأمين معدات عسكرية متطورة للجيش العراقي، الذي يقوده ضباط من الطائفة الشيعية والذي يرسل قوات موالية شيعية إلى مناطق عشائرية سنية تتسم بالعدائية، أن يعزز هذا التفسير الحديث بشأن السياسات الجيوبوليتيكية الدولية.

قد يكون من شأن عرض إيراني بتزويد المعدات العسكرية والدعم الاستشاري في الأنبار – وهذا يُعتبر خطوة ملائمة سياسياً من قبل إيران – تشجيع المالكي، إلا أنّ مما لا شكّ فيه أنّ هذا العرض لن يساعد الولايات المتحدة في تغيير التصور القائم بأنها غيّرت موقفها إلى حد معيّن.

تبقى “داعش” بالنسبة للمالكي والعراق مشكلة أساسية. لقد أصبح لـ “داعش” الآن وجوداً حيوياً في الأنبار – في الفلوجة على وجه الخصوص وفي الرمادي بصورة أقل – وأصبح من الواجب إزالته. في هذه الحالة، وفي حالات أخرى في الشرق الأوسط، سيكون للعشائر دوراً قيادياً لتؤدّيه. وبالنسبة لأولئك الذين لم يقفوا عملياً إلى جانب السلطات الاتحادية، يجب على المالكي تغيير التصور الشائع في الأنبار بأنه هو عدوّهم الأكبر، وليس “داعش”.

Get daily updates from Brookings