Skip to main content
A Kurdish Peshmerga fighter looks at the Shi'ite Popular Mobilization Forces (PMF) in the Southwest of Kirkuk, Iraq October 13, 2017.
مقال

إن أراد ترامب مواجهة إيران، فليبدأ في كركوك

ملاحظة المحرر:

تم نشر هذا المقال باللغة الإنكليزية في موقع فورين بوليسي.

عندما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عدم التصديق على الاتفاق النووي مع إيران، علّل قراره بالدور الذي تضطلع به طهران في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. وما هي إلا أيام قليلة، كما لو أنه لتأكيد حجّة ترامب، شنّت ميليشيات شيعية عراقية موالية لإيران هجوماً على قوات البشمركة الكردية في إقليم كركوك الغني بالنفط والمتنازع عليه. وأتيحت الآن فرصة أمام ترامب ليُبرهن على أن خطابه بشأن إيران ليس مجرد وسيلة لإبهار جمهوره، وليبيّن أنه جادّ في مواجهة ما وصفه بأنه محاولات إيرانية لغرس “الصراع، والإرهاب، والاضطرابات” في الشرق الأوسط.

ومنذ العام 2014، ملأت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران جزءاً كبيراً من الفراغ الذي خلّفه انهيار الجيش العراقي. وكجزء من منظمة ميليشيات أوسع تعرف باسم قوّات الحشد الشعبي، أدّت هذه القوات دوراً محورياً في الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، ولهذا السبب اكتفت الولايات المتحدة عموماً باسترضائها وتهدئتها. إلا أنّ واشنطن تغاضت لفترة طويلة جداً عن الطريقة التي تهدّد بها هذه الميليشيات استقرارَ العراق، من خلال الانخراط في مجازر طائفية والمشاركة في مقتل الآلاف من الأمريكيين (والعراقيين) والتغلغل في النظام السياسي العراقي.

وينبغي أن يقف ذلك عند حدّه الآن. فمع انجلاء الغبار عن الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، لا يمكن أن تبقى الولايات المتحدة على الحياد. فالخصوم العراقيون للميليشيات الشيعية كُثر، مثل البشمركة الكردية والعرب السنّة والفصائل الشيعية المعتدلة والعشائر ورجال الدين الذين لا يرغبون في رؤية العراق يغرق أكثر في فلك النفوذ الإيراني. ويستحقّ هؤلاء دعم أميركا، أقلّه لأنهم يؤيّدون نظاماً سياسياً عراقياً يكون في نهاية المطاف في مصلحة أميركا..

وعلى مدى الساعات الأربع والعشرين الماضية، استعادت الميليشيات الموالية لإيران كركوك إلى جانب قوات الأمن العراقية. فحتّى بعض القوّات الحكومية العراقية خاضع لتأثير هذه الميليشيات، فمثلاً، تخضع وحدة الاستجابة إلى الطوارئ في وزارة الداخلية لسيطرة منظمة بدر التي أنشأها الحرس الثوري الإسلامي الإيراني في الثمانينيات في خلال الحرب العراقية الإيرانية. وقد أنزل زعيم منظمة ة بدر، هادي العامري، وأبو مهدي المهندس الذي تعتبره الولايات المتحدة إرهابياً، وهو رئيس ميليشيا كتائب حزب الله المدعومة من إيران، عَلمَ كردستان اليوم في مجلس محافظة كركوك.

وكانت الهزيمة الكردية في كركوك هزيمة أيضاً للولايات المتحدة، إلا أنه باستطاعة واشنطن استعادة نفوذها في العراق.

فعليها رسم خطوط حمراء في المنطقة لا يسمح لطهران بتجاوزها تحت طائلة تدخّل الولايات المتحدة ضد مصالحها والفصائل التي تتصرّف بالوكالة عنها، وتحت طائلة أنها قد تزوّد القوات الكردية بالأسلحة والتدريب لتصبح بمثابة قوّة فعّالة موازنة للقوّة الإيرانية. وبدعم من الولايات المتحدة أو بدونها، سيواصل الأكراد الكفاح من أجل كركوك، إذ تمثّل المدينة المُتنازع عليها لأكراد العراق ما تمثّله مدينة النجف المقدسة للشيعة العراقيين. وينبغي على الولايات المتحدة التوفيق بين هذا الهدف وسياستها الخاصّة المتمثّلة باحتواء إيران، بالإضافة إلى تسهيل عملية الحوار والمصالحة في أعقاب الصراع في كركوك واستفتاء الاستقلال الكردي، لكي لا تواصل الولايات المتحدة ترك هذه العملية لأعدائها في المنطقة.

والأهم من ذلك كلّه، على الولايات المتحدة أن تعاين الوضع بمجمله في الشرق الأوسط، إذ ينبثق نظام سياسي من رماد الحرب في سوريا والعراق، ويطالب أعداء أميركا بحصّتهم في مستقبل المنطقة. وتحذو حكومة إقليم كردستان حذوهم، فأجرت استفتاءً على الاستقلال منذ ثلاثة أسابيع بالرغم من رفض واشنطن. ومع ذلك، ما يتجلّى في العراق والشرق الأوسط اليوم أكبر بكثير من استقلال الأكراد، فهو سيحدّد جيوسياسة المنطقة في العقود المقبلة، وسيبيّن أيضاً ما إذا كانت الأحداث ستجري بطريقة تخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

وعندما تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، سيملأ أعداؤها الفراغ الذي ستخلّفه. فهذا ما حدث عام 2011، عندما تنامى نفوذ إيران في بغداد بعد انسحاب القوّات الأميركية. فلم تكتسب طهران حصّة أكبر في العراق فحسب، بل أطلِقت يدُها لتوسيع مواردها وتنظيماتها بالوكالة في الحرب الأهلية اللاحقة في سوريا، حيث ضمنت طهران استمرارية نظام بشار الأسد.

وقد أتى استثمار إيران في تنظيمات مسلحة تعمل بالوكالة عنها في العالم العربي ثمارَه. ففيما كانت جهات فاعلة كثيرة غير مهيأة للنظام الإقليمي الناشئ في بعض الأماكن التي حلّت فيها الجماعات المسلحة محلّ الدول المنهارة جزئياً، كان لإيران خبرةُ عقودٍ في هذا الإطار، إذ أصبحت الحرب بالوكالة أسلوب عمل لديهم: فقد أدّى حزب الله اللبناني دوراً حاسماً في سوريا منذ أن استولى على بلدة القصير الاستراتيجية في العام 2013، وانتشرت الميليشيات الشيعية العراقية في سوريا للقتال إلى جانب النظام، وكان كثير من هذه الميلشيات قد اكتسب خبرات قتالية عالية بعد مقاتلة الجنود الأمريكيين والبريطانيين في العراق على مدى عقد من الزمن.

إلا أنه في شمال العراق، للولايات المتحدة إمكانية تأمين تكافؤ في الفرص. فالبشمركة هيمنت على كركوك لأن الجيش العراقي انهار وانسحب من تلك المحافظة في العام 2014 عندما شنّت الدولة الإسلامية هجومها. ولو بقيت الأراضي الغنية بالنفط تحت السيطرة الكردية، لغيّر ذلك العلاقة بين بغداد وإربيل تغييراً كبيراً في وقت تواجه فيه الطبقة السياسية الشيعية في بغداد أزمة قوّة بسبب نقص الوظائف والخدمات والأمن. وبالنسبة إلى إيران، فإن تعاظم قوّة كردستان يزيد حُكماً من نفوذ الولايات المتحدة التي تبني قواعد عسكرية دائمة في كردستان. وتقع كركوك أيضاً بالقرب من تلعفر التي عززّت فيها التنظيماتُ العاملة بالوكالة عن إيران موقفها في خلال الحرب على الدولة الإسلامية والتي تشكّل نقطة عبور مهمة لدعم المقاتلين ومدّهم بالمؤن في سوريا.

لقد حان الوقت لوضع حدّ لعقلية الإفلات من العقاب التي تصرفت على أساسها الميليشيات الشيعية العراقية ورُعاتها في العراق منذ الانسحاب الأميركي. وينبغي على الأقل أن تُحثّ هذه المجموعات على أخذِ موقفِ الولايات المتحدة في الاعتبار. وينبغي أيضاً عدم التقليل من الأهمية السياسية والرمزية للوجود الأميركي في العراق، لا بل ستتعزز قوّته إذا كان مدعوماً بإمكانية اتخاذ تدابير قسرية لتنفيذ خطوط حمراء واضحة لا يسمح لإيران وحلفائها بتجاوزها في العراق.

Get daily updates from Brookings