Skip to main content
مقال

خطاب نتنياهو… الطريق إلى الكارثة

موظِفاً لكنته النيويوركية، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي خطاباً لا يخلو من بلاغة أمام الكونجرس الأميركي قبل أسبوعين، واضعاً المزيد من العراقيل أمام السلام في الشرق الأوسط، فهو لم يفشل فقط في طرح رؤية واضحة لعملية السلام في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات، بل طرح مجموعة من الشروط والعبارات التي تعرقل جهود السلام وتجعله أبعد منالًا من أي وقت مضى.

فيما طالب نتنياهو بعدم ربط اتفاق نهائي للسلام بما أسماه خطوطاً “لا يكمن الدفاع عنها”، إلا أنه لم يوضح قصده، كما لم يتقدم ببديل يشير إلى الحدود التي تعتقد إسرائيل أنها قابلة للدفاع، وهو ما سعى إليه منذ البداية عبر إشاعة حالة من الغموض تتطلب سنوات من المفاوضات لمجرد تبديد اللبس واستجلاء المعنى، لا سيما وأن عالم اليوم الذي تلعب فيه التكنولوجيا دوراً متزايداً يجعل من الصعب تعريف الحدود، كما أشار إلى ذلك أوباما وكما أثبتت الثورتان في تونس ومصر.

وحتى لو اقتنعنا بوجود “حدود يمكن الدفاع عنها” فإن ملامح تلك الحدود مازالت غير واضحة في ذهن نتنياهو، هذا الغموض يمثل السابقة الأولى التي تمنح نتنياهو “مبرراً” لضم الأراضي الفلسطينية، بدعوى أن أي حدود لا يمكن الدفاع عنها، ومن ثم لا مفر من ابتلاع كامل الأراضي الفلسطينية ضماناً لأمن إسرائيل المزعوم. ورغم رفضه للمبادرات الإسرائيلية التي وصفها بالسخية، فقد اعتمد عليها للادعاء بعدم وجود نية حقيقية لدى المفاوض الفلسطيني للتوصل إلى سلام دائم وعادل. بيد أن “المبادرات السخية” التي أشار إليها نتنياهو، لا تعدو -كما بينت ذلك الوثائق الفلسطينية- فتاتاً على طاولة المفاوضات يراد للفلسطينيين قبوله.

وبما أن نتنياهو سبق أن رفض مساعي الحكومات الإسرائيلية “السخية”، فقد يعني ذلك تراجعه عنها إلى ما هو أقل كثيراً مما طرح، وحرمان الفلسطينيين من المكتسبات التي توصلوا إليها من خلال جولات متواصلة وشاقة من المفاوضات، بل أكثر من ذلك أشار نتنياهو في خطابه أمام جلسة الكونجرس المشتركة إلى “التنازلات المؤلمة” التي ستقدمها إسرائيل، دون أن يوضح ماذا يعني بها، لاسيما وأن التاريخ الخاص لنتنياهو في الحكم والطبقة السياسة التي ينتمي إليها في أقصى اليمين، لا يدل على أنه مستعد لتقديم ما يسمح للفلسطينيين ببناء دولتهم المستقلة والقابلة للحياة.

فبالنظر إلى أجندته اليمينية، وتحالفه السياسي مع قوى التعصب الإسرائيلي المنخرطة في الحكومة، سيكون من الصعب التخلي عن أجزاء من الضفة الغربية لمصلحة الفلسطينيين، ولن يقبل حلفاؤه في الحكومة بذلك. هذا الغموض في تحديد “التنازلات المؤلمة” التي تحدث عنها نتنياهو، يدل فقط على مناورة لإبقاء حلم الدولة الفلسطينية بعيداً.

وفيما عدا سياسة الغموض المتعمدة التي لجأ إليها نتنياهو في خطابه، سواء تعلـق الأمـر بالحدود غير قابلـة للدفـاع، أو بحديثـه عن “تـنـازلات” لا أحد يعـرف ما هي على وجه الدقة، ينتقل رئيـس الوزراء الإسرائيلـي إلى ما هو أكثر راديكاليـة وتشدداً بإقصائه لقضايا الحل النهائي من طاولة المفاوضات، مثل القدس والحدود وعودة اللاجئين، ليبقى التساؤل عن الهدف من المفاوضات إذا كانت ستستثني كل هذه القضايا المهمة.

الحقيقة أن الإجابة تمكن في الممارسات الإسرائيلية على أرض الواقع، إذ في الوقت الذي يدعو فيه نتنياهو الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات، يستمر النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية ليثبت أن الهدف الإسرائيلي حالياً، إنما هو تمطيط المفاوضات لتستمر دون أفق محدد وتتواصل لسنوات قادمة، وبرجوع نتنياهو إلى ما قبل اتفاقات أسلو عام 1993، والتي حددت الإطار المرجعي للمفاوضات، فهو يريد القول بأنه يمكن انتظار 18 سنة أخرى من المفاوضات على تحديد المفاهيم فقط دون الدخول في لب الموضوع.

لذا يظل خطاب نتنياهو أمام الكونجرس الطريق الأكيد نحو الكارثة، رغم التصفيقات التي قوبل بها، وهو يأتي في غير مصلحة الفلسطينيين كما الأميركيين والإسرائيليين. فالخطاب هو صفعة لرئيس السلطة الفلسطينية الذي راهن منذ البداية على خيار المفاوضات مع إسرائيل، وضربة أيضاً لفياض الذي استثمر كثيراً في بناء هياكل الدولة المقبلة دون جدوى، هذا بالإضافة إلى تضرر إسرائيل بفحوى الخطاب الذي يفشل في قراءة الواقع المتغير في المنطقة ويُفوت عليها فرصة التقارب مع شعوبها بدل تحالفها مع بعض القادة المستبدين.

وقد حان الوقت كي يطلق الإسرائيليون انتفاضتهم الخاصة على حكامهم، مثلما حصل في ميدان التحرير بالقاهرة لمعارضة أجندة حكومتهم اليمينية، وربما يكون ذلك قد بدأت إرهاصاته الأولية مع صرخة اليهودية “راي أبيلي” التي قاطعت نتنياهو أثناء إلقاء خطابه أمام الكونجرس قائلة: “ليس باسمي، أوقفوا الاحتلال”، وهي الصرخة التي قد تجد لها صدى داخل إسرائيل لتحريك الجمود وتحرير الفلسطينيين من الاحتلال.

إبراهيم شرقية
نائب مدير مركز “بروكينز” في الدوحة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان سيانس مونيتور»

المؤلف

المزيد

Get daily updates from Brookings