Skip to main content
مقال

تسوية ساحة الأعمال الدولية

في حفل إعادة تنصيب الرئيس باراك أوباما في العام 2009، قال إنّ “الشفافية… ستكون الحجر الأساس في هذه الولاية”. قد يبدو هذا التصريح أكثر مصداقية بالنسبة للصناعة الاستخراجية العالمية استناداً إلى عدد مبادرات الشفافية الانتقالية المتزايد، ونطاق التشريعات الدولية، والتشديد المتزايد على الإدارة المؤسساتية والمقاضاة المتعددة الجنسية التي خضعت لها مؤخراً عدد من الشركات على غرار بايكر هيوز، هاليبورتون، آي بي بي، فيتكوغراي، رويال دوتش شيل، توتال وسيمنز.

إن حقيقة الفساد في الدول الريعية، لا سيما تلك التي تشهد تحولاً إلى نظام حكم لامركزي وديمقراطي كالعراق، تكمن في أن الحكومات المضيفة وقعت في مفارقة أساسية. من جهة، يبدو أن موارد الطاقة الكبيرة تستبعد الحكومات الريعية عن الضغوطات لمحاربة الفساد والاعتماد على مواطنيها للحصول على العائدات من خلال الضرائب. من جهة ثانية، إنّ التأثير السلبي على الاستثمار الأجنبي المباشر الذي هو في علاقة مباشرة مع ترتيب البلد وفقاً لمسوحات الفساد العالمي بالإضافة إلى المصادقة على الاتفاقيات والمبادرات المتعددة الأطراف، يبدو بطيئاً ولكن مؤكداً يقلب الأمور رأساً على عقب في ما يتعلق بالمستوى الحكومي والفساد الإداري.

بالإضافة إلى ذلك والأهم من ذلك، تتعرض شركات الصناعات الاستخراجية إلى ضغط متزايد لتتلاءم مع روح ونص التشريعات الدولية لمكافحة الفساد. وبالتالي، فهي تتوقع من الحكومات المضيفة المساعدة للتعامل مع مشاكل صناعة القرار التقديرية والغامضة التي من شأنها أن تساوي الجميع مع العميل/ الشريك الأجنبي الخاضع لعقوبات جزائية ومدنية محلية ودولية.

يقدم هذا المقال للقراء لمحةً عن إطار العمل الحالي الخاص بالاتفاقيات والقوانين والمبادرات والتطورات الدولية المصممة للترويج لنظام متكامل من الشفافية العالمية المتعلقة بالصناعات الاستخراجية.

اتفاقية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

تفرض اتفاقية مكافحة رشوة الموظفين الأجانب في المعاملات التجارية الدولية على الدول الأعضاء ضمان خضوع الرشوة وعائدات الرشوة التي يحصل عليها مسؤول أجنبي لعقوبات مالية، بما في ذلك المصادرة. إن إلزام البنوك الاستثمارية الدولية التي تستلم عائدات الفساد بالكشف عن معلومات تقع تحت إطار قوانين محلية متعلقة بسرية المصارف يبقى رهن النقاش. ولكن كما رأينا في المعاملات بين السلطات الأمريكية والسويسرية، يبدو أن الزخم الذي حظيت به الشفافية بدأ يتراجع.

اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد

تتميز هذه الاتفاقية، التي تجمع أكثر من 140 عضواً، بأن عدداً من الدول الأعضاء ليس منتسب إلى أي معاهدة أخرى لمكافحة الفساد. تكمن أهمية هذه الاتفاقية في أنها تمنح حقوقاً خاصة بالتصرف ضدّ الدول الأعضاء، تسهّل التعاون بين الحكومات لإعادة الأموال المسروقة أو التي يُساء استخدامها إلى موطنها وتمنح الحكومات حقّ اتخاذ إجراءات ضدّ الفساد من خلال إلغاء العقود “المشبوهة” أو سحب الامتيازات.

مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية

تضمّ مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية الدول الأعضاء وأكثر من 25 شركة رائدة في مجال النفط والغاز وقطاعات المناجم. تلتزم الدول الأعضاء في هذه المبادرة بالكشف عن إنتاج النفط وعائداته بهدف الاستخدام الأمثل لتلك العائدات.

إلا أن هذه المبادرة نشرت معايير جديدة وأكبر تتطلب كشفاً دقيقاً من قبل الدول الأعضاء، بما في ذلك مخصصات الإيرادات والنفقات بدلاً من مجرد جمع المعلومات والتوفيق بينها. قد يشكل ذلك تحدياً كبيراً للدول الريعية كالعراق خاصةً بسبب الطريقة المشتتة التي تتبعها الوزارات الفدرالية المتنوعة عند العمل بعضها مع بعضها الآخر والنقص المزمن في قدرات القطاع العام من ذوي الخبرة.

مخالب التشريع الأمريكي

سيستمر البترودولار في الوقت الراهن في ضمان سريان مفعول قوانين مكافحة الفساد خارج الأراضي الأمريكية على غرار قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة الذي أصدره الكونغرس الأمريكي في العام 1977 وقانون ساربان – أوكسلي الصادر في العام 2002 الذي يركز على التزام الشركات.

تبدو النتائج العملية ذات أهمية كبيرة في عددِ من النواحي. ستأخذ وزارة العدل الأمريكية في تحقيقاتها بعين الاعتبار مسائل على غرار قدرة مسؤول أجنبي على التأثير على نتائج القرارات في القطاع العام في الدولة المضيفة. ثانياً، تتمتع وزارة العدل الأمريكية (نظرياً) بالقدرة على وضع تشريع أمريكي في ما يتعلق بدعوى فساد خارج الولايات المتحدة استناداً إلى رسائل إلكترونية مرسلة إلى كمبيوتر داخل الولايات المتحدة أو نقل العائدات الإجرامية إلى حساب مصرفي أمريكي. ثالثاُ، يجوز اعتبار الشركة الأم التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها مسؤولة عن أعمال الشركات التابعة لها.

من الجدير ذكره أن الشركات الاستخراجية الأمريكية تصرّ على نحوٍ متزايد على فرض التزامات تعاقدية على شركات النفط الوطنية كجزء من المفاوضات الخاصة بالمناقصات لتتلاءم مع سياسة أخلاقيات العمل في الشركة، وإن كان ذلك قابلاً للتطبيق من حيث الممارسة وإلى أي مدى يبدو هذا التطبيق غير أكيد ولكن قد يعتمد ذلك على سياسة مكافحة الفساد المعتمدة في شركة النفط الوطنية وأي قوانين إلزامية لمكافحة الرشوة والفساد.

إن تطبيق قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة” يبدو أقل وضوحاً في ما يتعلق بتطبيقه على شركات النفط الوطنية المملوكة جزئياً من قبل شركة نفط دولية من خلال مشروع مشترك وحيث تمتلك الحكومة المضيفة حصة غالبة مسيطرة وكذلك سياسية تشغيلية تملي الأوامر. تمتلك شركات النفط الوطنية في بعض دول الخليج التي لديها مساهمين أجانب سياسات شاملة للتعامل مع ممارسات مكافحة الفساد التي تشكل جزءاً من إدارة الشركات وكذلك أحكامها الخاصة بالمناقصات والعقود. ولكن التطبيق العملي من قبل شركات النفط الوطنية لهذا النوع من السياسات وللتشريع الوطني لمكافحة الفساد سيعتمد في الحقيقة على درجة الفصل بين السلطات وفقاً لما توفره دساتير هذه الدول وعواملها الجيوسياسية.

البنك الدولي/ البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية

من الضروري أن نشير إلى أنّ هاتين المؤسستين قد أصدرتا توجيهات تحدد العقوبات عند خرق تدابير مكافحة الفساد المرعية الإجراء في ما يتعلق بالحكومة المضيفة المقترضة، وطاقم عمل المصرف، والأشخاص ذوي الصلة بسلسلة التموين التي تتلقى مبالغ عن المشاريع الممولة. تشمل هذه العقوبات إحالة القضايا الجرمية إلى الدول الوطنية، إلغاء مكافآت العقود و وضع المقترضين في اللائحة السوداء مما يمنعهم من الحصول على تمويل في المستقبل.  

المؤلف

منظمة الشفافية الدولية

أسست منظمة الشفافية الدولية نفسها كهيئة مستقلة رائدة مصممة لجذب انتباه العالم لمستوى الفساد المؤسسي في 177 دولة، لا سيما في الدول التي تتميز بصناعات استخراجية. تصدر هذه الهيئة تقرير “مؤشر مدركات الفساد” الذي يقيس مستويات الفساد في القطاع العام في مختلف دول العالم على مقياس من 0 (وجود تصور بدرجة عالية من الفساد) إلى 100 (وجود تصور بأن الدولة نظيفة للغاية).

وتفيد النتائج الأساسية التي نشرتها هذه الهيئة في تقريرها للعام 2013 بأن الأحزاب السياسية هي المؤسسات الأكثر فساداً وأنّ أياً من البلدان مثالي!

وأفاد التقرير أن العراق يعاني “فساداً في أعلى المستويات في الدولة”.

منظمة “ترايس” الدولية

منظمة ترايس الدولية وترايس إنكوربوريتد هما منظمتان مستقلتان غير ربحيتين تقدمان بشكل جماعي للأعضاء والشركات المتعددة الجنسيات والشركات القانونية الدولية خدمات، بما في ذلك التدريب لمكافحة الرشوة لإدارة الشركات، التقييم الموثوق لقوانين مكافحة الفساد والرشوة ولإطار العمل التنظيمي للدول التي تتميز بصناعات استخراجية وكذلك العناية الخاصة لكل أولئك المشاركين في سلسلة تموين للدولة المضيفة بما في ذلك الوكلاء أو الوسطاء التجاريين.

مبادرة بيرل

تأسست هذه المبادرة في العام 2010 بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة للشراكات والاتفاق العالمي للأمم المتحدة، كمنظمة غير ربحية تعمل عن طريق الشركات ومن أجلها لتحسين المحاسبة والشفافية في منطقة الخليج. تحظى المبادرة اليوم بدعم مجموعة متنامية تتألف من أربعين شركة مقرها في الشرق الأوسط وشركات متعددة الجنسيات من قطاعات مختلفة، بما في ذلك الصناعات الاستخراجية. وهي مبادرة قطاع خاص ترمي إلى تشجيع الشركات على العمل بشكلٍ سباّق و نشط لرفع معايير الإدارة والنزاهة ومكافحة الفساد والإبلاغ، لأنها تدعم نجاح الشركات.

تضم مبادرة بيرل عدداً من البرامج المخصصة لمكافحة الفساد، بما في ذلك الهيئة السعودية الوطنية لمكافحة الفساد، نزاهة، وهي تطور مجموعة من ورش العمل ذات الصلة بالتعاون مع منظمة الاتفاق العالمي للأمم المتحدة التي تتوقع أن تسود في مختلف أرجاء المنطقة.

خاتمة

بات ميدان العمل الخاص بالجهود العابرة للحدود الرامية إلى مكافحة الفساد أكثر عدائية وعلى الأرجح أكثر فعالية وفقاً لعدد المحاكمات والتحقيقات المتعددة التشريع رفيعة المستوى التابعة اللاعبين الأساسيين.

ولكن ليست مبادرات وتشريعات الشفافية هي وحدها التي تؤدي إلى الشفافية في مجال الصناعة الاستخراجية. مؤخراً، أطلقت الاتحاد الدولي للمحامين بالتعاون مع هيئات على غرار برنامج الاتفاق العالمي بمنظمة الأمم المتحدة ، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة المشروع الأول العالمي لمكافحة الفساد المصمم في جزءٍ منه لرفع مستوى التوعية في ما يتعلق بآثار الفساد والترويج لأفضل الممارسات في هذا المجال بين الخبراء القانونيين.

إن الاتحاد الدولي لمنتجي النفط والغاز التي ينتج أعضاؤها في الصناعة النفطية أكثر من نصف نفط العالم، تروج أيضاً للتوعية في ما يتعلق بشفافية العائدات ومكافحة الفساد.

أخيراً، إنه تطور مرحبٌ به وإيجابي أن يُصبح الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالأحكام التشريعية والتنظيمية في مختلف الدولة الريعية حراً وسهلاً بفضل تكنولوجيا الهواتف الذكية. إن تطور التطبيقات يساعد على تسهيل إعادة تقييم “احتساب الخطر – الجائزة” الخاص باقتراف ممارسات الفساد وبالتعاون مع المبادرات العالمية والاتفاقيات والقوانين وممارسات الشركات التي تساعد على تحسين ميدان العمل في ما يتعلق بالشفافية في الصناعة الاستخراجية العالمية.

Get daily updates from Brookings