Skip to main content
مقال

بناء مستقبل الأردن: أهمية الاستثمارات محددة الأهداف

لطالما كان هناك ميل إلى رؤية العنف وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط على أنهما ينحصران بشكل محدد بالحدود والجيوش الوطنية. لكن، مع استمرار تمدد رقعة القتال في سوريا لتصل إلى العراق، حيث ملئت الجماعات المتشددة الفراغ في السلطة والذي نتج عن انعدام الاستقرار والأمن الداخليين. من الواضح أن المساعدة العسكرية وحدها لا تستطيع احتواء صراعات المنطقة.

والأردن ليس غريباً عن هذه الصراعات، فقد شهد عقوداً من العنف وعدم الاستقرار والاجتياحات في العراق وفلسطين المجاورتين. ومؤخراً، تباطأت التجارة الثنائية مع سوريا، والتي كانت مزدهرة في ما مضى، نتيجة الحرب الأهلية، وأدت إلى لجوء أكثر من 600 ألف سوري إلى الأردن. بالإضافة إلى ذلك، يثير الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المشاعر عند الأردنيين، وخصوصاً عند حدوث أي هجمة عسكرية جديدة، مما يؤدي إلى خروج الأردنيين إلى الشوارع مطالبين بطرد السفير الإسرائيلي وذلك في أعقاب العملية العسكرية ضد قطاع غزة.

ومع آخر التقدمات التي أحرزتها الدولة الإسلامية في العراق والشام، ساد الخوف بأن يكون الأردن الهدف التالي للتنظيم الذي يتنازع مع المملكة على المعابر الحدودية، ويجذب بعض المجتمعات المحلية داخل حدود المملكة.

في مطلع شهر يوليو، تظاهر العشرات من المواطنين دعماً لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في المحافظة الجنوبية، مَعَان. وقد توجه ما لا يقل عن ألف أردني إلى سوريا للقتال في تنظيمات مختلفة، أغلبهم ينحدرون من مناطق منهارة اقتصاديّاً كالزرقاء و الرصيفة. ويثير ذلك المخاوف بأن يعود المزيد من المقاتلين المتشددين إلى المملكة لتأسيس قاعدة دعم في الأردن.

ومع أن الجيش الأردني قوة مقاتلة فعالة، إلا أنه لا يستطيع تحقيق الكثير لمحاربة الشعور بالتهميش الاقتصادي والسياسي في المناطق الريفية. وفيما اعتمدت الحكومة على المخاوف من امتداد النزاع السوري إلى الأردن للحصول على دعم مواطنيها والحكومات الأجنبية، إلا أن الخوف وحده لا يعالج المرارة التي يشعر بها السكان في العديد من مناطق المملكة.

الحفاظ على الأردن كحصنٍ منيع

حفاظاً على الأردن كحصن منيعً بوجه تقدّم المتشددين، على الدول الصديقة أن تقدم أكثر من مجرّد مساعدات مؤقتة أو أسلحة متطورة أو كلمات إشادة. وفيما يعتمد الأردن على المنح لدعم اللاجئين، يحتاج أيضاً إلى دعم طويل الأمد ومحدد الأهداف لاقتصاده.

في هذا السياق، يجب على الاستثمارات أن تحقق نموّاً شاملاً بالاستفادة من السكان الذين يتمتعون بمستوى تعليمي عالي وبنية تحتية تجارية قائمة. وعلى البرامج المختصة أن تستهدف التمويل للاجئين الجدد والمناطق التي تعاني من نقص، للمساعدة في دمج هذين العنصرين في الاقتصاد العام. كما ستحتاج موارد الماء والطاقة في البلاد إلى المزيد من الاستثمار لمواكبة مستوى الطلب المتزايد.

ولطالما شكلت الولايات المتحدة حليفاً للملكة، والتي منحت ملياري دولار أمريكي على شكل قروض في السنة الماضية. إلاّ أن معظم هذه الأموال سيكرّس لدعم النفقات اليومية للحكومة الأردنية وليس لمساعدة الاقتصاد على أن يصبح مستقلاًّ. وتشمل المفاوضات الجديدة، المتوقع حصولها في سبتمبر هذه العام حول برنامج المساعدات على مدى خمس سنوات، فرصة مهمة للولايات المتحدة للمساعدة على توجيه الأموال نحو استثمارات أكثر إنتاجية.

في الواقع، تحتاج الأزمة الحالية إلى جهود أوسع وأكثر تنسيقاً للمساعدة على توسيع الاقتصاد الأردني. وسيكون للتعاون مع جهات فاعلة أخرى في المنطقة دور محوري. وقد تعهّدت دول الخليج بمليارات الدولارات على شكل مساعدات قصيرة الأمد، لكن من الضروري تحقيق درجة تنسيق أوثق مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي في المملكة من أجل توجيه الأموال نحو مشاريع بنى تحتية طويلة الأمد.

وعلى إسرائيل أن تتخطى فكرة أن أمن الأردن مسألة عسكرية محضة لتفهم أن أعمالها في الضفة الغربية وغزة تعيق أمن الأردن وتشكل ضغطاً كبيراً على العلاقات الثنائية. وإيران أيضاً قد تجد دورًا تلعبه فيما تواجه الآن العدو نفسه، وهو الدولة الإسلامية في العراق والشام. من جهتها، على الحكومة الأردنية أن توسع إصلاحاتها السابقة لتحقيق المزيد من الشفافية في أعمالها مع الحفاظ على استقلالية القضاء.

في النهاية، لا شك في أن الحفاظ على اقتصاد الأردن وأمنه هو استثمار سليم واستراتيجي للأسرة الدولية. وكلفة تحقيق هذا الهدف غير مرتفعة بالمقارنة مع عواقب انهيار المملكة.

المؤلف

Get daily updates from Brookings