Skip to main content
syria_rocket001
مقال

الحرب الأهلية السورية: الحالة السياسية والعسكرية

و

مع المرحلة المسلحة من الثورة السورية التي دخلت الآن شهرها الرابعين والثلاثين، تغير الكثير منذ اندلاع الاحتجاجات الأولى في مارس 2011. لاقى أكثر من 130 ألف شخص حتفهم، وتوقفت الأمم المتحدة بعد ذلك عن العدّ نظراً لندرة المعلومات الموثوقة. لطالما كانت الجوانب السياسية والعسكرية للصراع معقدة، إلا أن طبيعة هذا التعقيد هي التي تغيّرت لأن أطراف الصراع أعادوا تقييم مواقفهم مع استمرار الحرب الأهلية.

مع انتهاء الجولة الثانية من محادثات السلام التي جرت في مدينة جنيف السويسرية، وتحوّل الديناميات القائمة على أرض الواقع في ظلّ محاربة قوات المتمردين السورية لمتطرفي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وإعادة هيكلة قوات المتمردين المعتدلة، بات الوقت الآن مناسباً لتقييم مصالح اللاعبين الرئيسيين وقدراتهم.

اللاعبون الدوليون

روسيا: تحتل المرتبة الثانية بعد إيران، وهي الداعم الرئيس والقوي لسوريا. يحمي حقّ النقض (الفيتو) الذي تتمع به روسيا في مجلس الأمن الدولي الأسد من تدخل الأمم المتحدة، ويحمي استمرار بيع روسيا للأسلحة المتطورة والأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة التقليدية نظام الأسد من المعارضة ذات التسليح الضعيف نسبياً والتي تمردت ضده. إن مصالح روسيا المتداخلة مع الدول الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، يقطع الطريق أيضاً أمام العمل الخارجي واسع النطاقٍ ضد الأسد والذي قد يضر بالعلاقات مع القوة العظمى السابقة.

تتحمل روسيا بسعادة ما تواجهه من ازدراء دولي نتيجة دعمها للأسد وذلك لتتمكن من المحافظة على إمكانية الوصول إلى قاعدتها البحرية الأخيرة النائية في طرطوس، والتي لا تزال تشكل رمزاً للامتداد الروسي العالمي؛ ومن تثبيط التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لبلد معين؛ والأهم من ذلك، لتبقى قوة موازية للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط. يشير السببان الأخيران إلى أن موسكو لن تتخلى بسرعة عن تحالفها طويل الأجل مع آل الأسد حتى وإن تمكنت المعارضة السورية من ضمان علاقات عسكرية جيدة مع روسيا بعد سقوط الأسد.

الولايات المتحدة الأمريكية: أرادت الولايات المتحدة في البداية سقوط الأسد لأن الأغلبية السنية في سوريا قد تظاهروا سلمياً من أجل ذلك ولأن نهاية الأسد قد تساهم في تدهور قدرة إيران على دعم حزب الله ضد أحد حلفاء الولايات المتحدة الأساسيين أي إسرائيل. حين قمع الأسد بعنف الاحتجاجات وأجبر السُنة على تشكيل ميليشيات دفاع محلية لمحاربة النظام، لم تكن الولايات المتحدة راغبة بتزويد المتمردين بالأسلحة المضادة للطائرات التي يحتاجونها ليتمكنوا من هزيمة نظام الأسد، خوفاً من وقوع أسلحة مماثلة بين أيدي المتطرفين السُنة. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لمهاجمة قوات الأسد في شكلٍ مباشر بسبب الاعتراضات الروسية ولأن الرأي العام الأميركي لا يريد خوض حربٍ أخرى في الشرق الأوسط. الشيء الوحيد الذي أضعف رغبة الولايات المتحدة بالهجوم – استعمال الأسد للأسلحة الكيميائية – عندما وافق الأسد على اقتراح روسي يقضي بتسليم الأسلحة.

مع انتهاء المناقشات حول الأسلحة الكيميائية، ووقوع المعارضة الخارجية ضدّ الأسد في حالة من الفوضى، وسيطرة الإسلاميين على حركة التمرد، وعدم الرضا الأمريكي العام عن الحروب الخارجية، تشعر إدارة أوباما أن لا خيارات أخرى أمامها غير اتخاذ إجراءات لمنع الحرب الأهلية من زعزعة استقرار الدول المجاورة لسوريا ومن إلحاق الضرر بأمن الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن أكبر مخاوف الإدارة المباشرة تتمحور حول اللاجئين في الدول المحيطة وعدد المقاتلين الأجانب الكبير الذين يقاتلون في سوريا تحت راية الجماعات الجهادية التي أيدت حرب تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة. في مفارقة لافتة، أصبح من الممكن الآن وبشكلٍ واضح أن تبدي الولايات المتحدة استعداداً للعمل مع حكومة الأسد حول هاتين المسألتين في حال استمرت الحرب إلى ما لا نهاية.

تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية: تُعد تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية أكبر خصومٍ للأسد على الصعيد الإقليمي، وتنقسم الخصوم هذه وفقاً لذوق كلّ واحدةٍ منها في الصراع بالوكالة. تفضل المملكة العربية السعودية أغلب الجماعات ذات التفكير الوطني، ربما لأن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في التسعينيات والجهاديين في أوائل القرن العشرين تحدوا حكم العائلة المالكة. وبهذا دعمت السعودية سطوع نجم الشخصية القبلية السورية أحمد الجربا داخل الائتلاف الوطني السوري ودعمت ثوار الجبهة السورية الخاضعين لقيادة غير إسلامية في شمال غرب سوريا. بالإضافة إلى الولايات المتحدة، تُعتبر السعودية أيضاً الداعم الرئيس للجيش السوري الحرّ/ المجلس العسكري الأعلى، الذي يُعتبر على الأقل أقل إسلامية من غيره من الائتلافات المتمردة والأساسية الأخرى في سوريا. أما تركيا وقطر فقد فضلتا الحلفاء الإسلاميين الإقليميين لأنهم يتمتعون بتنظيم جيد وبسبب تدني احتمال خطر النكسة. (يحكم الإسلاميون المعتدلون تركيا، في حين اختارت قطر دعم الجماعة الإسلامية الأقوى على الصعيد الإقليمي أي الإخوان المسلمين). عملت قطر وتركيا معاً لتعزيز نفوذ جماعة الإخوان المسلمين السورية على المعارضة الخارجية، التي تراجعت رغم ما بذلته الدولتان من جهود جبارة في هذا المجال. في ساحة المعركة، يبدو أن تركيا قد غضت الطرف عن الجهاديين السُنة الذين عبروا إلى شمال سوريا في حين اتُهمت قطر على نطاق واسع بدعم الميليشيات الإسلامية السلفية المحافظة الموحدة تحت لواء الجبهة الإسلامية.

تأمل هذه البلدان الثلاثة بنهاية سريعة لحكم الأسد وقد أصيبت بخيبة أمل عندما فشلت الولايات المتحدة في تحقيق ذلك من خلال تسليح المتمردين أو من خلال مهاجمة النظام على أثر استخدامه للأسلحة الكيميائية. لا تزال كلّ من تركيا وقطر ملتزمةً بالسعي لسقوط الأسد، إلا أن الدولتان لم تقطعا علاقاتهما يإيران، مما يشير إلى أنهما قد تعمدان إلى التهرب من رهاناتهما في حال بقي الأسد. في غضون ذلك، تخوض المملكة العربية السعودية حرباً إقليمية باردة مع إيران، وتبدو غير مستعدة لتقديم أي تنازلات في سوريا. والآن يبدو أن المملكة العربية السعودية وقطر تريدان توحيد عملائهما المتمردين تحت راية تنظيمٍ واحدة.

إيران: إن سوريا هي الحليف الاستراتيجي الرئيس لإيران في المنطقة، فهي بلد مهم لإعادة تموين حزب الله حليف إيران في لبنان، والذي يشكل رادعاً هاماً ضد أي عمل عسكري إسرائيلي ضد إيران. وبما أن آل الأسد أمنوا حماية طرق الإمداد هذه، فمن غير المرجح أن تعتقد إيران بإمكانية قيام أي نظام سياسي “غير أسدي” بالشيء عينه.

وقد أثبتت إيران جدية التزامها بالحفاظ على نظام الأسد من خلال المساعدة في توفير وقود وأسلحة بأسعار منخفضة ونشر أفراد قواتها المسلحة، بما في ذلك قوة القدس الخاصة، لتدريب القوات السورية شبه العسكرية وتنسيق العمليات العسكرية ضد المتمردين. من المحتمل أن شجعت إيران مشاركة حزب الله العلنية في الحرب إلى جانب النظام العلوي، حتى وإن كان ذلك على حساب سمعته الإقليمية كمدافع عن العرب السنة.

اللاعبون السوريون

المؤلف

حكومة الأسد: تتمتع الحكومة السورية بقوة أكبر من تلك التي يتمتع بها معارضوها على الصعيدين العسكري والسياسي. منح التغيير الأمريكي في سبتمبر 2013 في ما يتعلق بتهديد الولايات المتحدة بشن غارات تأديبية لصالح توقيع اتفاق يقضي بإزالة مخزونات الأسلحة الكيميائية في سوريا وتدميرها الرئيس الأسد فرصة دبلوماسية لكسب الوقت وإحباط اتفاق السلام. ما لم تتغير موازين القوى، سيستفيد الأسد من دفاع روسيا عنه ومن مساندة إيران العسكرية والمالية. في ظلّ موقف مفيد كهذا، لعب وفد النظام في جنيف ببطء ليضمن أن المعارضة لن تحصل إلا على فائدة ضئيلة من المشاركة في هذا المؤتمر.

عسكرياً، يستفيد الجيش العربي السوري من دعم قوات الدفاع الوطني شبه العسكرية المهنية المتزايدة وعدد لا يحصى من الميليشيات الشيعية المحلية والأجنبية. اتقنت القوات الحكومية فناً قديماً من فرض الحواجز والحصار والقصف القديم، وبالتالي تجويع المدنيين حتى الموت، وقتل عشرات آخرين بنيران المدفعية والبراميل المتفجرة سيئة السمعة ذات التأثير المدمر المتزايد. تشجع حكومة الأسد بثقة انقسام المعارضة من خلال الوسائل المباشرة وغير المباشرة. ولكن، من دون قوات الدفاع الوطني، حزب الله، وكثرة الميليشيات الشيعية، ما كان الجيش العربي السوري ببساطة ليحصد هذا الموقع المفيد نسبياً الذي يحتله اليوم.

الميليشيات الموالية للحكومة: في المراحل الأولى من الصراع السوري، نسبت تقارير النشطاء والإعلام هجومات “البلطجية” المسلحة إلى ما عُرِف بميليشيات الشبيحة – أي عصابات من العلويين وأحياناً الشيعة الذين أخذت أهدافهم الإجرامية أساساً أكثر ميلاً للسياسة. في حين استمر ذلك بالتأكيد، كما زعم البعض، وغالباً بعلم أفراد قوات الأمن المتمركزة وتوجيهها، ظهرت التنظيمات المسلحة القائمة على أسس طائفية أكثر قيمة من الناحية الاستراتيجية منذ أوائل العام 2013.

كشف تقييم الأداء العسكري السوري في العام 2012 أن الجيش العربي السوري يفتقر إلى القدرة العددية والقيادية التي تتيح له الحفاظ على فعالية العمليات في المحافل المحلية العديدة. ابتداءً من منتصف العام 2012 وحتى أواخره، بدأ الجيش العربي السوري بدمج – مع تدريب واضح ومساعدة تنسيقية من الحرس الثوري الإيراني – “اللجنة الشعبية” القائمة لميليشيات الحماية المحلية لتتحول إلى قوة منظمة ومدربة شبه عسكرية تمنح أفرادها أجراً، قوات الدفاع الوطني. مذاك، أصبحت قوات الدفاع الوطني جزءاً حيوياً من البنية العسكرية السورية، وغالباً ما كانت تُستخدم للحفاظ على الأراضي التي تسيطر عليها ولتعزيز الهجمات المنسقة.

أدى حزب الله اللبناني دوراً بارزاً في الصراع منذ أواسط العام 2012 وأمّن للنظام موقفاً مميزاً. بيّن نشر وحدات من قوات حزب الله الخاصة بغرض توجيه هجوم الجيش العربي السوري وقيادته في القصير في مايو ويونيو 2013 قيمة القوة التي شددت تشديداً عظيماً على التدريب على حرب المدن في السنوات الأخيرة. علاوةً على ذلك، استفاد الجيش العربي السوري كذلك من تكتل الميليشيات الشيعية الكبيرة على نحو متزايد، والتي يمكن ربط عددٍ كبير منها بالمنظمات التي سبق وظهرت في العراق، كعصائب أهل الحق، كتائب حزب الله، كتائب اليوم الموعود، وتنظيم بدر. وقد اتسع نطاق هذه القوات من حيث القوى البشرية والانتشار الجغرافي على مدى الأشهر 9 – 12 الماضية وبدت وكأنها تتمتع بمصادر تمويل متينة.

المعارضة الخارجية: يُعتبر الائتلاف الوطني السوري الهيئة الرئيسة التي تمثل مختلف فصائل المعارضة السورية خارج سوريا. أضعف الاقتتال الداخلي الدائر بين الجماعات المتنافسة الائتلاف على الصعيد الهيكلي. واحتدم الاقتتال الداخلي ليصل إلى ذروته في 18 يناير 2014 حين قاطع ثلث أعضائه التصويت على المشاركة في محادثات جنيف الثانية. ونتيجةً لذلك، انسحب المجلس الوطني السوري الخاضع لسيطرة الإخوان والذي يُعتبر أحد مكونات الائتلاف الوطني السوري الرئيسية، من الائتلاف. نتج الاقتتال الداخلي عن الصراعات القائمة بين مؤيدي الفصائل الإقليميين أو الاختلافات المتضاربة حول مستقبل سوريا. يعاني الائتلاف الوطني السوري أيضاً نقصاً شبه كامل في الدعم من الجماعات الإسلامية الكبرى المشاركة في القتال داخل سوريا، في حين تبدو الفصائل الأكثر اعتدالاً وقومية حالياً حيادية فيما يتعلق باتخاذ موقف بشأن الائتلاف الوطني السوري.

الجيش السوري الحر/ مجلس القيادة العسكرية العليا للجيش الحر: لم يمثل الجيش السوري الحر تنظيماً عسكرياً خاصاً لفترة طويلة. اليوم، يمثل اسم الجيش السوري الحر أكثر من مجموعة أو مظلة تضم أساساً الوطنيين وغالباً المجموعات العلمانية. أما المجلس العسكري الأعلى، فيمثل نفسه كبنية متماسكة مع عناصر محلية، إقليمية ووطنية تحت قيادة سليم إدريس. إلا أن البنية القيادية، لم تثبت نفسها على الصعيد الوطني وبدا إدريس موزعاً للمساعدة العسكرية أكثر من كونه قائداً. تميّز مجلس القيادة العسكرية العليا للجيش الحر ببعض الروابط المتينة بالوحدات المجاورة للحدود الجنوبية مع الأردن والحدود الشمالية مع تركيا إلا أن المجموعات المشاركة في ساحة المعركة غالباً ما كانت تعمل عسكرياً على عاتقها استنادً لديناميات محلية.

عانى مجلس القيادة العسكرية العليا للجيش الحر ضربةً أضعفت عزيمته حين تأسست الجبهة الإسلامية المنافسة في 22 نوفمبر 2013. وكانت ثلاث مجموعات من مجموعات الجبهة الجديدة السبعة (لواء التوحيد، صقور الشام وجيش الإسلام) قد شملت سابقاً قسماً هاماً من قوة مجلس القيادة العسكرية العليا للجيش الحر العسكرية، لا سيما في شمال سوريا. ومما لا شكّ فيه أن الانشقاق هذا حثّ تقريياً قوات أخرى من مجلس القيادة العسكرية العليا للجيش الحر في إدلب وحلب على تشكيل مجموعاتها الخاصة تحت راية المجلس بعد بضع أسابيع: جبهة الثوار السوريين وجيش المجاهدين على التوالي. كانت ثقة المجموعتان بالجبهة الإسلامية متزعزعة (جيش المجاهدين على نحو أقل) وكانتا كذلك مناهضتين بشدة لداعش. مؤخراً في 14 فبراير، شكلت 49 مجموعة محلية صغيرة في جنوب سوريا الجبهة الجنوبية، التي يُقال أنها تحافظ على روابط مجلس القيادة العسكرية العليا للجيش الحر بـ”غرفة العمليات” (المدعومة من ممثلي الجيش والمخابرات من مختلف دول الأعضاء في أصدقاء سوريا البالغ عددهم 11) في عمّان، الأردن.

يشير دمج القوى المعتدلة تحت عدة جبهات إقليمية – وجميعها تُقيم روابط واضحة مع القيادة والتنظيمات المرتبطة بمجلس القيادة العسكرية خارجياً– إلى وجود رعاية من دولة خارجية لا سيما المملكة العربية السعودية، تسعى إلى إعادة تنشيط المنظمة. وتُعد إقالة زعيم مجلس القيادة العسكرية العليا للجيش الحر سليم إدريس مؤخراً في 16 فبراير، التي اعتُبِرت على نطاقٍ واسعٍ إجراءً غير فعال، واستبداله بقائد الجبهة الجنوبية الرئيسة، عبد الإله البشير (الرئيس الحالي لمجلس القيادة العسكرية العليا للجيش الحر في محافظة القنيطرة)، دليلاً آخر على أن هذه الخطوة ترمي إلى تعزيز مجلس القيادة العسكرية العليا للجيش الحر. يعطي تعيين البشير الأولوية للقوات الجنوبية على تلك التي كانت مرتبطة سابقاً بإدريس في الشمال ويواجه رغبةً أشاع عنها أنصار المعارضة الخارجية منذ فترة طويلة بتشجيع حملة منسقة تنطلق من الجنوب نحو دمشق.

الجبهة الإسلامية: تمثل الجبهة الإسلامية المنظمة العسكرية الوحيدة والأقوى التابعة للمعارضة في سوريا، مع ما يقدر بنحو 50 ألف – 60 ألف مقاتل في 13 من أصل 14 محافظة سورية. ويدعو ميثاق الجبهة الإسلامية السياسي لإقامة دولة إسلامية في سوريا تحكمها الشريعة، إلا أنه غامض في ما يتعلق بتفاصيل ما قد يتضمن ذلك فعلاً. في حين أن مختلف المجموعات المكوِّنة السبعة في الجبهة الإسلامية هي بالتأكيد مجموعات إسلامية، فأنها تمثّل في الحقيقة شريحة واسعة نسبياً. وقد دمجت مجموعة واحدة، لواء الحق، فعلياً وحدات محلية في مدينة حمص تتراوح أيديولوجياً بين السلفية المتشددة والمعتدلة الصوفية، في حين أن مجموعة أحرار الشام تُعلن عن نفسها كسلفية العقيدة، تنسق بشكلٍ مكثفٍ مع جبهة النصرة المرتبطة رسمياً بتنظيم القاعدة في سوريا، وتضم قيادتها عضو سابق في تنظيم القاعدة، يُفترض بوجود علاقة شخصية تربطه بأسامة بن لادن وأيمن الظواهري.

نظراً لهذه الوقائع، تبدو الجبهة الإسلامية منظمة تترقب بحذر الأشهر المقبلة. ومن المرجح أن تجعلها ميولها العسكرية المطلقة لاعباً لا مجال إطلاقاً للشكّ في أهميته بالنسبة للمعارضة السورية بأكملها. من هنا لا شكّ أن أي سياسة تعتمدها المعارضة وتتجاهل فيها الجبهة الإسلامية أو تعارضها ستفشل بالتأكيد في ميدان القتال. إلا أن الجبهة الإسلامية لم تعمل بعد على ضم بنى المجموعة المُكوِّنة السبعة في منظمةٍ واحدة. في يناير، بدت الانقسامات واضحة في بيانات الجبهة العامة المتضاربة. وظهرت الاختلافات كذلك جلية بين المجموعات المكونة للجبهة الإسلامية حول ما إذا كانت ستعترف بالمعارك مع داعش وتدافع عنها علناً، وبالتالي تشير إلى أن اتساع الأيديولوجيات داخل الجبهة الإسلامية يمكن أن تشكل نقطة ضعفٍ.

جبهة النصرة: إنها المجموعة الرسمية التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا ولاعب استراتيجي ذو أهمية كبيرة داخل المعارضة المسلحة في سوريا. رغم العلاقات المعترف بها مع تنظيم القاعدة، أثبتت جبهة النصرة منذ منتصف العام 2012 وحتى أواخره مستوى ملحوظاً من البراغماتية في المسائل الدينية والسياسية والعسكرية. لقد أثبتت قواتها العسكرية باستمرار مستويات من الاحتراف والقيادة الفعّالة والسيطرة مكنتها من التفوق على الجماعات المعتدلة نسبياً. بينما تمثل جبهة النصرة منظمة أصغر حجماً عددياً بالمقارنة مع معظم أعضاء الجبهة الإسلامية، فإن مقاتليها غالباً ما يمثلون شيئا أقرب منه إلى القوات الخاصة، مضطلعةً بدور مواجهة بارز في العمليات الهجومية. ولما كانت المجموعة تحارب بفعالية ولا تسعى للسيطرة على المعارضة، فعلاقتها تبدو صحية مع مختلف الجماعات المتمردة السورية بدءاً من المعتدلة وصولاً إلى السلفية. إن توفير الخدمات الاجتماعية على نطاق واسع للسكان المدنيين من خلال قسم الإغاثة وتجنيب صفوف المدنيين تكبد الخسائر في مناطق معادية للأسد ساهمت في منح المجموعة هذه دعماً شعبياً هائلاً.

وقد رسخت جبهة النصرة وجودها بشكلٍ ملموس في سوريا وستستمر في أداء دورٍ بارز في الصراع. وقد وسعت جبهة النصرة كذلك عملياتها في لبنان من خلال جناحٍ خاص يُعرّف أفراده عن أنفسهم بأنهم جبهة النصرة في لبنان التي تتعاون تعاوناً وثيقاً مع كتائب عبد الله عزام المرتبطة بتنظيم القاعدة. يمكن القول أن جبهة النصرة تمثّل أصول تنظيم القاعدة الأكثر قيمة وهي على هذا النحو ستستمر في تلقي الدعم المالي من الجهات المانحة الخاصة في الخارج الرامية إلى المحافظة عليها على المدى الطويل.

الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش): منذ نشأتها كمجموعة مسلحة فاعلة في سوريا في أواخر أبريل/ أوائل مايو 2013، ركزت داعش على السيطرة على المناطق في شرق وشمال سوريا وعلى المحافظة على هذه السيطرة لا سيما في المناطق المجاورة للعراق وتركيا. ومع تقدم ذلك، بدأت داعش بإنشاء نقاط مركزية أكثر في الداخل السوري في حماه وحمص والمناطق المحيطة بدمشق، وفي شكلٍ ملحوظ في القلمون والغوطة الشرقية. ومع توسع نفوذها وارتفاع مستوى الثقة بها، بدأت داعش بفرض قوانين سلوكية قاسية وخطفت معارضيها وسجنتهم وأعدمتهم في بعض الأحيان. وشاعت عمليات قطع الرؤوس العلنية، والأهم من ذلك، ارتفعت حدة أعمال العنف ضدّ المجموعات المتمردة الأخرى.

منذ أن تحوّلت الجماعات الإسلامية الأخرى عن داعش في أوائل يناير 2014 بسبب سلوكها السيئ، فقدت داعش أراضي في شمال سوريا إلا أنها وحدت سيطرتها في سلسلة من البلديات الرئيسة التي كانت تسيطر عليها سابقاً مع آخرين. حافظت داعش على سيطرتها على مدينة الرقة (عاصمة المحافظة الوحيدة التي لا تخضع لسيطرة الحكومة)، والعديد من البلديات الرئيسة في شمال حلب، وأجزاء كبيرة من ريف الرقة وأجزاء من جنوب الحسكة. وردت المجموعة أيضاً من خلال تنفيذ عمليات تفجيرية عبر سيارات مفخخة وانتحاريين استهدفت المنشآت الرئيسة للجبهة الإسلامية، وجبهة ثوار سوريا، وجيش المجاهدين ونقاط التفتيش التابعة لهذه المجموعات وشخصياتها القيادية. رغم أن حدة هذه الهجمات الانتقامية قد تتقلب مع مرور الوقت، إلا أنه من غير المحتمل أن تتوقف تماماً.

رغم انكار تنظيم القاعدة لأي علاقات تربطه بداعش انكاراً كلياً، لا تزال المجموعة منظمة تتمتع بتنظيم عسكري فعال وتستفيد من مصادر تمويل موثوق بها. ورغم عزلتها المتزايدة في سوريا، من المرجح أن تبقى داعش قوية في محافظة الرقة وشمال حلب وشرقها، ما لم تقرر الجبهة الإسلامية شنّ هجوم مكلفٍ ضدها. لن تكون الجماعات المتمردة الأخرى قادرة على التصدي بفاعلية لقوات الحكومة السورية ما دامت داعش تحافظ على جناحها الخاص.

يشير ذلك إلى أن مستويات العدائية المتزايدة بين داعش وجبهة النصرة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل داعش في سوريا. تحتفظ جبهة النصرة بدعم شعبي مهم على الأرض بين المدنيين والمجموعات المتمردة الأخرى، الأمر الذي قد يلحق ضرراً شديداً بداعش في حال توسعت المعارك بين جبهة النصرة وداعش لتتحول إلى حملات أكثر إقليمية وحتى وطنية.

الخاتمة

قد تثير مجموعات الأطراف المشاركة في النزاع السوري ودوافعها الحيرة، ولكن في نواحٍ كثيرة اتسمت الأيام الأولى من الحرب الأهلية السورية بالتعقيد. وكان عدد من دوافع القوى الفاعلة غير واضح وكانت القوات المسلحة التابعة لطرفي النزاع غير مكتملة، مما جعلها ليّنة. أما اليوم فقد باتت مصالح المتحاربين وأشكالهم أكثر وضوحاً. ولكن، والوضوح في هذه الحالة لا يشكل سبباً يدعو للتفاؤل بإمكاينة انتهاء الصراع سريعاً. اليوم بات إخضاع ما كان بالإمكان ذات يوم تحديد شكله وقولبته أقل احتمالاً.

Get daily updates from Brookings