Commentary

Op-ed

الضربة التي شلّت سلفيي سوريا المتجددين

فقدت حركة أحرار الشام، أكبر المجموعات المتمردة في سوريا، يوم الثلاثاء قيادتها العليا بأكملها تقريباً، في انفجار لم تتبين ملابساته بعد وقع أثناء اجتماع سري في محافظة إدلب شمال سوريا على مقربة من الحدود مع تركيا. وبينما قالت بعض التقارير إنّ سبب الانفجار كان عملية انتحارية، هجوم كيميائي أو سيارة مفخخة، إلا أنّ السيناريو الأقرب إلى الواقع يتجلى في غارة جوية شنتها الحكومة على موقع الاجتماع الذي عُقِد في ملجأ تحت الأرض. سببت الغارة الجوية حريقاً هائلاً في ملحق لتخزين الذخيرة فملأ الدخان الحرّاق الملجأ واختنق الحاضرون. ويبدو أن غياب أي جراح في جسد الضحايا يؤكد هذا الأمر.

أياً كانت أسباب الوفاة، فقد سقط من بين الضحايا قائد حركة أحرار الشام، حسان عبود (أبو عبدالله الحموي)، الذي كان أيضاً رئيس الهيئة السياسية في الجبهة الإسلامية – وهو عبارة عن قوة إسلامية هامة تتألف من نحو 50 ألف مقاتل – في خضم الصراع ضدّ الحكومة السورية. وكحصيلة عامة، أودى هذا الهجوم الكبير بحياة 45 شخصاً على الأقل، علماً أن بعض التقديرات تشير إلى أن عدد القتلى وصل إلى 75. استناداً إلى التقرير الأصلي (بما في ذلك لائحة أولية صدرت عن الجبهة الإسلامية)، فقد سقط في هذه الغارة القادة الواردة أسماؤهم في ما يلي: 

– حسان عبود، قائد حركة أحرار الشام ورئيس الهيئة السياسية في الجبهة الإسلامية
– أبو يزن الشامي، مسؤول كبير في أحرار الشام وعضو في المجلس الأعلى في الجبهة الإسلامية
– أبو طلحة المخزومي، القائد العسكري لأحرار الشام ونائب القائد العسكري في الجبهة الإسلامية
– أبو عبد الملك، المسؤول الشرعي الأول في الجبهة الإسلامية
– أبو أيمن رام حمدان، مسؤول مكتب التخطيط في حركة أحرار الشام
– أبو حمزة، قائد عسكري أول في حركة أحرار الشام
– أبو أيمن الحموي
– أبو سارية الشامي
– أبو يوسف بنش
– طلال الأحمد تمام
– أبو زبير الحموي

في الصباج التالي للهجوم، أعلن مجلس الشورى في حركة أحرار الشام تعيين أفراد جدد في القيادة العليا للحركة، فتمّ تعيين هاشم الشيخ (أبو جابر) قائداً جديداً لحركة أحرار الشام، وأبو صالح طحان قائداً عسكرياً جديداً. وأبو جابر هو القائد السابق لعمليات أحرار الشام في بلدة مسكنة شرق حلب، حيث اشتبكت قواته علانية مع داعش في أواخر العام 2013. وفي حين ساهمت الخطوة المتسارعة بشكلٍ مفاجئ لهذه التعيينات في التأكيد على السمعة التي لا طالما حظيت بها الحركة على أنها عالية التنظيم ، إلا أنه من غير الواضح حتى الآن أي اتجاه سيقود تعيين أبو جابر الحركة. إلا أن حركة أحرار الشام ستبقى من دون شك قوةً عازمة تقف في وجه داعش في الأسابيع والأشهر المقبلة.

لطالما اعتُبرت حركة أحرار الشام، أكبر مجموعة متمردة في سوريا، إحدى أكثر المجموعات تشدّداً نظراً للعلاقات الوثيقة التي تجمع بين عددٍ من كبار أعضائها وتنظيم القاعدة. فعلى سبيل المثال، ساعد محمد بهايا (أبو خالد السوري)، على تأسيس حركة أحرار الشام بالتعاون مع حسان عبود في خريف العام 2011، إلا أن تاريخه الممتد (والذي يعود إلى أواخر التسعينيات) ضمن أعلى مراتب تنظيم القاعدة يعني أن أيمن الظواهري عيّنه كبير الوسطاء عقب اندلاع الاعتداءات بين جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة و (داعش) في أوائل العام 2014. بالتالي، ألقي اللوم على داعش في وفاة أبو خالد في تفجير انتحاري في فبراير.

رغم أن الجبهة الإسلامية ناضلت لتبقى ائتلافاً موحداً حقيقياً في الأشهر الماضية، قامت القيادة العليا في حركة أحرار الشام بتحركات مهمة لتبني موقفٍ أكثر براغماتية في سوريا. منذ أوائل أبريل من العام 2014، أظهر كبار المسؤولين السياسيين موقفاً أكثر اعتدالاً وتعاوناً في تصريحاتهم العلنية والخاصة، لا سيما في ما يتعلق بالأهداف الدينية-السياسية للمجموعة.

بالإضافة إلى ذلك، بدأ مسؤولو حركة أحرار الشام مناقشة إمكانية الانضمام إلى بنية معارضة أوسع وأكثر تمثيلاً، تضم كلاً من المكونات العسكرية والسياسية. وشكّلت هيئة الأركان هذه – وهي فكرة يتشاركها عدد من الفصائل الأخرى – موضوع نقاش رائج بين عناصر المعارضة السورية المسلحة. رغم أن اسم أحرار الشام استُثني من إعلان الثالث من أغسطس من قبل 18 مجموعة متمردة – بما في ذلك جيش الإسلام وصقور الشام التابعة للجبهة الإسلامية، وكذلك عدد من المجموعات التي تدعمها الولايات المتحدة – التي اجتمعت تحت لواء مجلس قيادي ثوري جديد، انضمّت حركة أحرار الشام لاحقاً إلى اللائحة في 21 أغسطس.

وعلى نحوٍ مثير للاهتمام، استهدف الهجوم اجتماعاً قد يكون عُقد لمناقشة ما إذا كان بإمكان أحرار الشام الانضمام إلى ائتلاف تمرد معتدل منبثق حديثاً، يُعرف باسم مجلس قيادة الثورة. إلا أن ذلك يبقى حتى الآن غير مؤكد.

أياً كانت الجهة المسؤولة عن هذا الهجوم، فإن العواقب المحتملة قد تكون كبيرة جداً. كان حسان عبود يحظى باحترام واسع هو الذي يتمتع بمهارات فكرية وبطلاقة في اللغة الإنكليزية – فقد سبق وعلّم اللغة الإنكليزية، وقد عُرف عنه أنه كان يطلق تغريداته أثناء الصراع باللغة الإنكليزية مقتبساً في بعض الأحيان أقوال مارغريت تاتشر – الأمر الذي منحه نفوذاً هاماً في قلب حركة أحرار الشام والجبهة الإسلامية وخارجها. لقد شكّل تقريباً حاجزاً هاماً منع المقاتلين الشباب السوريين ضمن حركة أحرار الشام من الانضمام إلى تنظيم القاعدة (جبهة النصرة) أو حتى إلى داعش.

على مدى سنتين من النقاشات الدورية التي أجراها الكاتب مع عبود، بدا هذا الأخير شخصاً متعارضاً أكاديمياً، إذ جذبه من جهة الجهاديين الأصليين كعبد الله عزام وأبو مصعب السوري، مما شجع على التقوى الدينية وضرورة الجهاد كوسيلة لمحاربة الظلم. أما من الجهة الأخرى، فكان عبود أقرب إلى الثورة السورية الحالية الأكثر اعتدالاً، المصممة خصيصاً لهزيمة الأسد وإرساء سوريا بلداً أكثر ازدهاراً. ومع احتدام الصراع الأهلي السوري في أوائل العام 2012، تحدث بشغفٍ عن الغياب الكامل للفهم الإسلامي عند عدد من الجماعات منها الشباب وبوكو حرام وبشكل كبير حركة طالبان.

بالنظر إلى هويات أولئك الذي قضوا في التفجير وطبيعة أولئك الذين بقوا على قيد الحياة، بمن فيهم أبو جابر، يبدو أن القيادة العليا في حركة أحرار الشام قد فقدت توازناً سبق وأرسته بين المعتدلين والمتشددين، علماً أن السيطرة تبدو حالياً وبصراحة بيد المتشددين.

أياً كانت قدرة القيادة الجديدة لحركة أحرار الشام – التي تشمل أفراداً آخرين نجوا من التفجير كمحمد طلال بازرباشي (أبو عبد الرحمن السوري)، أبو مصطفى، أبو سفيان الشامي وخالد أبو أنس – يبدو أن الأمر لن يخلو إلى حدٍ ما من الانشقاق. قد تنفع قيادة أكثر تشدداً وسيطرة ظاهرياً ضمن حركة أحرار الشام في إعادة بناء علاقات مع جبهة النصرة وفي إفادة فاعلين عند نهاية المطاف المتطرفة، رغم أن ذلك قد يدفع أيضاً بعض المقاتلين للانشقاق والانضمام إلى المعتدلين.

في حين يبدو أنه من غير المرجح أن تكون ديناميكيات الصراع الحالي ضدّ الحكومة وداعش قد تأثرت سلبياً (ربما باستثناء العمليات في حلب)، إلا أنّ النتيجة الأهم قد تكون في اليأس الذي يحوم حول مصير الجبهة الإسلامية. بالإضافة إلى حركة أحرار الشام، بدأت فصائل الجبهة الإسلامية الثلاثة، أي جيش الإسلام، وصقور الشام ولواء التوحيد، بالتقرب من المعسكر المعتدل في الأسابيع الأخيرة، مما يضغط على استمرارية الائتلاف الإسلامي الذي تأسس في نوفمبر 2013 كتعبير صريح عن الاعتراض على هيئات المعارضة المعتدلة المرتبطة بقيادة المعارضة السورية المنفية. في حال حصل ذلك، سيكون حلّ الجبهة الإسلامية عملية مطوّلة وممتدة، إلا أنه قد يقدّم فرصة قيّمة لبنى المعارضة المعتدلة لاختيار ما لطالما اعتُبِر أقوى الفصائل المتمرّدة السورية شريكاً جديداً لها.