Skip to main content
تقرير

التهجير في العالم الإسلامي

و

في طول وعرض العالم الإسلامي، اضطر ملايين الأشخاص إلى الفرار من منازلهم ومجتمعاتهم لأسباب متعددة منها: الحروب الأهلية، والصراعات بين الدول، والحملات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، إعصار تسونامي، الزلازل، وعدد لا حصر له من الكوارث الأخرى. فقد قام العديد منهم بعبور الحدود الوطنية للعيش في البلدان المجاورة كلاجئين. أما العديد منهم ممن يعيشون داخل حدود بلادهم فلا يزالون في تعداد المهجرين داخليًا. فالبعض منهم مهجرين بشكل مؤقت ويمكنهم العودة إلى مجتمعاتهم حينما تضع الصراعات أوزارها أو عندما تتراجع مياه الفيضانات. لكن الغالبية العظمى منهم يعيشون على مدى العديد من الأعوام كلاجئين في بلاد أخرى أو مهجرين داخليًا. يرى البعض أن مشكلة التهجير استمرت على مدى العديد من الأجيال.

وهذا النزوح الجماعي للأشخاص يؤثر على خطط التنمية الوطنية والتنمية البشرية الفردية على حدٍ سواء. ويلقي بظلاله على الأمن الوطني وأمن الأفراد. ويؤثر على العلاقات بين الدول المتجاورة ومناقشات مجلس الأمن بالأمم المتحدة وعمليات السلام. بإيجاز، يمكن القول بأن فهم – وحل مشكلة التهجير هما الركيزة الأساسية للتنمية والسلام والأمن.

ظاهرة واسعة الانتشار

تمثل السودان إحدى البلدان التي تعاني في الوقت الحالي من زيادة أعداد الأشخاص المهجرين – أكثر من نصف مليون لاجئ وقرابة ستة ملايين من المهجرين داخليًا. فلقد نزح السودانيون فرارًا من العديد من الحروب الأهلية والنتائج المدمرة لتغير المناخ، بما فيها الفيضانات وأشكال الجفاف والمجاعات. في منطقة شرق دارفور وحدها، هناك مليوني شخص من المهجرين داخليًا نتيجة الصراع، تعتمد الغالبية منهم على المساعدات الإنسانية الخارجية للبقاء على قيد الحياة.

أما أكبر حالات التهجير وأطولها أمدًا فهو تهجير الشعب الفلسطيني. فقد بدأ في عام 1948، بفرار الفلسطينيين من المدن والقرى – سواء كان ذلك بالقوة أو بدافع الخوف – وأدى إلى إقامة مخيمات اللاجئين في المنطقة. كما أدى ذلك إلى إنشاء وكالة الأمم المتحدة للإغاثة والتشغيل (UNRWA) وهي الوكالة التي تقدم، حتى يومنا هذا، الإغاثة والتنمية لما يزيد عن 4.6 مليون مهجّر فلسطيني في الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. [1] وكانت مسألة اللاجئين الفلسطينيين هي محور مفاوضات السلام على مدة عدة عقود – وهي القضية التي لم تتم تسويتها بعد.

أما أحدث حالات التهجير، فهي تهجير العراقيين – سواء كان داخليًا أو عبر حدود العراق – التي ألقت بظلالها بشكل مثير على العالم الإسلامي. في الوقت الذي واجه فيه العراقيون هجمات جماعية وحالات تهجير تحت وطأة نظام صدام حسين، فقد أدى العنف الطائفي –العرقي وانعدام الأمن العام الذي ساد تحت وطأة الاحتلال الأميركي إلى فرار أعداد غير مسبوقة من العائلات والأسر العراقية من منازلهم أو من بلادهم في بعض الأحيان. واليوم، هناك ما يقرب من مليوني عراقي في تعداد اللاجئين، فضلًا عن 2.8 مليون آخرين في تعداد المهجرين داخليًا.

تأثرت أيضًا جنوب آسيا وبشكل خاص من جراء التهجير واسع النطاق. فيما يتعلق باللاجئين تحت تفويض الهيئة العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (UNHCR) (بخلاف الفلسطينيين)، كانت أفغانستان هي كبرى بلاد منشأ تصدير اللاجئين مع نهاية 2007، حيث استضافت باكستان وإيران 3.1 مليون لاجئ. [2] هذا بالإضافة إلى تهجير 200.000 آخر من الأفغان داخل بلادهم؛ تم تهجير العديد منهم عدة مرات ولا يمكنهم العودة إلى مجتمعاتهم نتيجة غياب الأمن هناك. الجدير بالذكر أن إجمالي عدد اللاجئين العراقيين والأفغان عام 2007 كان يمثل نصف تعداد اللاجئين على مستوى العالم التابعين للهيئة العليا لشئون اللاجئين والإغاثة التابعة للأمم المتحدة (UNHCR).

بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد كبير من المهجرين داخليًا في أنحاء دول منظمة المؤتمر الإسلامي (OIC) أيضًا. وبصرف النظر عن السودان والعراق، اللتان تأويان إجمالي 8.8 مليون من المهجرين داخليًا، فإن البلدان مثل تركيا، أوغندا، والصومال يوجد بكل منها ما يقرب من 1 مليون من المهجرين داخليًا. أما أذربيجان وبنجلادش وساحل العاج فهي تأوي أكثر من نصف مليون مهجّر. والعديد من مجتمعات العالم الإسلامي تأوي تجمعات أعداد كبيرة من السكان اللاجئين أيضًا. ومن بين أكبر البلدان التي كانت تأوي اللاجئين في العالم عام 2007 هي الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي (OIC). باكستان، سوريا، وإيران [3]. فقد أعلنت جميعًا عن وجود تسعة إلى عشرة ملايين لاجئ في العالم الإسلامي، وما لا يقل عن 14 مليون من الأشخاص المهجرين داخليًا. وهذا يعني أن هناك لاجئ واحد من بين كل 140 شخص في العالم العربي، فضلًا عن شخص من المهجرين داخليًا من بين كل 100 شخص. لو كان هذا هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية، لكان هناك مليوني لاجئ أميركي، إلى جانب ثلاثة ملايين من الأشخاص المهجرين داخليًا.

التهجير، الأمن، وحسن الضيافة أولًا، يواجه
 
اللاجئون والأشخاص المهجرين داخليًا والمجتمعات المضيفة تحديات هائلة فيما يتعلق في الوفاء باحتياجات المساعدات الإنسانية والتنموية. في مواقف عديدة، يعجز الأشخاص المهجرين عن الحصول على التعليم أو العناية الصحية أو سوق العمل مما يكون له بالغ الأثر على الأفراد والأسر المعنية، لكن ذلك يؤثر أيضًا على مبادرات التنمية الأوسع نطاقًا.

بالنسبة للاجئين، فإن أسباب العيش ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالوضع القانوني. بالرغم من أن 37 من إجمالي 60 دولة من بلدان العالم الإسلامي في أنحاء أفريقيا، هي أطراف في اتفاقية 1951 و/أو بروتوكول 1967، إلا أن هناك فجوات هائلة في العالم الإسلامي. من بين الدول التي ليست أطرافًا في الاتفاقية البحرين، بنجلادش، بروني-دار السلام، جزر القمر، إريتريا، جوانا، إندونيسيا، العراق، الأردن، الكويت، لبنان، ليبيا، ماليزيا، جر المالديف، عمان، باكستان، قطر، السعودية، سوريا، الإمارات العربية المتحدة، وأوزبكستان. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن العديد من هذه البلدان مثل باكستان والأردن وسوريا، تأوي أعدادًا هائلة من اللاجئين، خاصة من فلسطين والعراق، وهيأت أسباب الضيافة الكريمة لإقامتهم بصرف النظر عن حالة اللاجئين.

بالإضافة إلى التوقيع على اتفاقية 1951، فإن العديد من الدول بما فيها العراق وتركيا وأوغندا قد أدخلت المبادئ الموجّهة بشأن التهجير الداخلي في القوانين والسياسات الداخلية لديها. بطبيعة الحال، وبالرغم من إدراك هذه الأطر العامة، كثيرًا ما تكون هناك تناقضات فيما يتعلق بأسلوب دعم وتأييد حقوق اللاجئين والمهجرين داخليًا على أرض الواقع.

بينما توفر الاتفاقية والبروتوكول والمبادئ الموجّهة إطار العمل العام لحماية الأشخاص المهجرين، فإن الدين الإسلامي – كما يفسره كثير من الباحثين- يمكن أن يقدم أيضًا إطار عمل قوي وحلولاً مبتكرة للأشخاص المهجرين. على سبيل المثال، يفسر العديد من الباحثين حق اللجوء بأنه معترف به في الدين الإسلامي؛ بالإضافة إلى تشجيع المبادئ ووجهات النظر الإنسانية التي تمنح حق اللجوء على أنها من واجب القادة السياسيين داخل المجتمع الإسلامي. [4]

وفي العالم الإسلامي، هناك “فجوة في الثراء” في الاستجابة للاجئين. وفي العديد من الحالات، نجد أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل – كالأردن وسوريا – هي التي قبلت معظم اللاجئين ووفرت لهم أكبر الحقوق القانونية، في حين أن اللاجئين الذين سمحت لهم أكثر دول منظمة المؤتمر الإسلامي ثراءً بدخولها لم تقم حتى بتسجيلهم في البحوث الشاملة، وحالتهم القانونية تبدو ملتبسة في أفضل الحالات.

منذ عام 2001، تنظر الولايات المتحدة وغيرها إلى اللاجئين والمهجرين داخليًا في العالم الإسلامي بعين الحرب العالمية على الإرهاب. وعلاوة على ذلك، هناك أزمتان إنسانيتان هما الأكبر حاليًا في العالم الإسلامي جاءتا إلى حد كبير نتيجة لقيادة الولايات المتحدة للحرب في أفغانستان والعراق.

التنمية البشرية والأمن

في الوقت الحالي، وفي مواجهة ارتفاع أسعار الغذاء والأزمة المالية العالمية، أصبح موقف اللاجئين والمهجرين داخليًا أكثر بعثًا على اليأس. فهناك حاجة ملحة إلى زيادة المساعدات الإنسانية قصيرة الأجل، ولكن الأكثر إلحاحًا الحاجة إلى التركيز على إيجاد حلول دائمة لمن شردهم العنف والكوارث. فالفلسطينيون والسودانيون والأفغان المشردون منذ فترة طويلة يصرخون من أجل تلقي استجابة دولية وتطوير حلول جديدة ومبتكرة.


المؤلفون

[1] انظر صفحة UNRWA الرئيسية الرسمية: http://www.un.org/unrwa/english.html

[2] UNHCR، الاتجاهات العامة لعام 2007: اللاجئون، وطالبو حق اللجوء السياسي، والعائدون، والأشخاص المهجرون داخليًا ومن لا وطن لهم (يونيو/ حزيران 2008)، ص 8 (يعتمد ذلك على العدد الإجمالي للأفغان المهجرين داخليًا، الذين لا يمكن تحديد هوية بعضهم أو تسجيلهم كلاجئين.)
[3] UNHCR، الاتجاهات العامة لعام 2007: اللاجئون، وطالبو حق اللجوء السياسي، والعائدون، والأشخاص المهجرون داخليًا ومن لا وطن لهم (يونيو/ حزيران 2008)، ص 8.

[4] إليزابيث ج. فيريس، خارج نطاق الحدود: اللاجئون والمهاجرون وحقوق الإنسان في عصر ما بعد الحرب الباردة. جينيف: المجلس العالمي للكنائس، 1993، ص 64 و 65. للحصول على المزيد بشأن وجهات النظر الإسلامية حول التشرد وحق اللجوء السياسي، انظر الدراسة ربع السنوية للاجئين الإصدار 27، رقم 2 (2008) “الإسلام وحق اللجوء السياسي”.

Get daily updates from Brookings