Skip to main content
A demonstrator holding stones in his hands makes the V for victory. After the deadly blast of August 4 that devastated the capital, thousands of demonstrators gathered in Martyrs Square to shout their revolt and demand the resignation of the government. Violent clashes took place between the demonstrators and the riot police. Beirut, Saturday, August 8, 2020. Karine Pierre / Hans Lucas.Un manifestant tenant des pierres dans ses mains, fait le V de la victoire. Apres l'explosion meurtriere du 4 aout qui a devaste la capitale, des milliers de manifestants se sont rassembles place des Martyrs pour crier leur revolte et demander la demission du gouvernement. De violents affrontements ont eu lieu entre les manifestants et la police anti emeute. Beyrouth, samedi 8 aout 2020. Karine Pierre / Hans Lucas.NO USE FRANCE
مقال

الإبداع في العدالة الانتقالية: تجارب من المنطقة العربية

مقدّمة

تمّت أرشفة محتوى مركز بروكنجز الدوحة. بعد شراكة فعّالة ومثمرة استمرّت نحو 14 عاماً، تنتهي شراكة معهد بروكنجز ومركز بروكنجز الدوحة. حيث سينطلق المركز بشكله الجديد كمؤسسة منفصلة ومستقلة، تُعنى بالسياسة العامة في الشرق الأوسط وتأخذ من قطر مقرّاً لها. سيواصل المركز عمله المهم تحت مسمى مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية بحلول نهاية عام 2021.

لقد مرّ عقدٌ من الزمن منذ أن شهدت عدّة دول عربية انتفاضات شعبية مُناهضة للحكومة تطالب بالعدالة والحرّية وسقوط الأنظمة القمعية. وقد مرّت المنطقة منذ تلك الآونة بتحوّلات تتّسم بالسلطوية المتجدّدة والصراعات المسلّحة والإصلاح الدستوري والتغيير في القيادات والمزيد من الانتفاضات وتغيّرات في التحالفات الجيوسياسية. وفي خلال تلك الأحداث كلّها، بقي السعي إلى العدالة بأشكالها كافّة طاغياً، حتّى مع استمرار الحكومات بقمع أولئك المطالبين بالمساءلة بعنف. ونظراً إلى السياق السياسي الاستثنائي الذي ظهرت فيه هذه الجهود الساعية إلى العدالة، ساهمت تجارب المنطقة العربية بكمٍّ هائل من الموادّ الملائمة للبحوث حول العدالة الانتقالية ولسياساتها وممارستها.

في مارس 2020، أقام مركز بروكنجز الدوحة ورشةَ عمل امتدّت على يومين للغوص في التجارب التي شهدتها المنطقة العربية والتي أفضت إلى إبداعات في ممارسة العدالة الانتقالية. فقد تشاطر ثلاثون محامياً وممارساً وخبراء من المجتمع المدني وفنّاناً وأكاديمياً تجاربهم الأليمة والمفعمة بالأمل في آن. وكان عددٌ كبير من المشاركين في ورشة العمل من الناجين من انتهاكات مروّعة لحقوق الإنسان في بلادهم تابعوا جهودهم الآيلة إلى الوصول إلى العدالة من الخارج. وجرى التناقش في أسئلة تتناول توسيع معايير العدالة الانتقالية “التقليدية”: كيفية خوض ما كان بالإجمال عمليةً تقودها الدولة عندما تستمرّ الدولة بتأدية دور الجاني؟ كيفية تصوّر مفهوم “الانتقال” عندما لا يتماشى جيداً مع النموذج الليبرالي للعمليات الانتقالية الديمقراطية؟

وبالفعل، غالباً ما أخذت العدالة الانتقالية في المنطقة العربية شكل معارك متناحرة لـ(انعدام) العدالة تستعمل فيها الأنظمة السياسية أدوات العدالة الانتقالية لتصفية حسابات فترة الانتفاضات الشعبية المؤقّتةَ عوضاً عن تصفية حساب تاريخ أطول بكثير من الفظائع. فكما يلحظ فرانك هالديمان، علينا أن نخفّف “التشدّد التصوّري جداً الذي لطالما ضَيّق الخناق على التفكير الجدّي حول السياسية الحقيقية للعدالة الانتقالية”، وذلك عبر طرْح الأسئلة الصعبة بشأن “دور القوّة والتعاملات السياسية القذرة في رسم معالم العمليات الانتقالية”. وهذا بالضبط ما فعلته النقاشات في ورشة العمل، مع تسليط الضوء أيضاً على الإبداعات القائمة في السعي إلى المساءلة وغيرها من الأهداف المرتبطة بالعدالة الانتقالية، ولا سيّما ضمن سياقات الصراعات والسلطوية القائمة في المنطقة العربية.

ومع أنّ تعريف العدالة الانتقالية ما زال موضع جدل، يمكن اعتبارها أساساً عمليّة معالجة ماضٍ أليم من أجل معالجة الحاضر والمستقبل بشكل أفضل. وتبادل المشاركون في ورشة العمل الوافدون من الجزائر ومصر ولبنان وليبيا وتونس واليمن وجنوب أفريقيا والسودان وسوريا تبصّراتهم حول عملهم بشأن الذاكرة الجماعية والنسيان الجماعي ودور الفنّ ولجان تقصّي الحقائق والتوثيق في السير قدماً بالعدالة الاجتماعية والسعي إلى المساءلة الجنائية من خلال الولاية القضائية العالمية. وانخرط الأكاديميون من بلدان الشمال في ورشة العمل من خلال نقاشات صريحة ومجموعات عمل عالجت مواقع “التجربة” التي تزداد مرونة في بلدان الجنوب ومواقع “الخبرة” في بلدان الشمال. وطُرحت أسئلة بسيطة وقويّة: لمَ لا نستجوب الجناة؟ هل السعي إلى العدالة الانتقالية بدون الدولة أمرٌ واقعي؟ ما نفْع مصطلح “الانتقال” في العدالة الانتقالية، ولا سيّما أنّ الاضطراب السياسي ما زال مستعراً في عدة نواحٍ في المنطقة العربية؟

وتتطلّب طرقُ تفكير جديدة حول السعي إلى العدالة الانتقالية توسيعاً لمعايير هذا المصطلح من الناحية الأكاديمية والتطبيقية والسياساتية. وفيما لا تتطابق التجارب الأخيرة كلّها مع الانتقال النموذجي من حكم سلطوي عنيف إلى حكم ديمقراطي ليبرالي، لا تزال تشكّل لحظة استثنائية مذهلة. ومثلماً لفت شين غيي هوانغ: “من المستحيل الادّعاء بأنّه لم يحدث شيء”. وتوسيعُ حدود ما تمّ فهمه بالإجمال على أنّه “انتقال” مهمٌّ أيضاً في سياق الولايات المتّحدة مثلاً التي شهدت عودة للدعوات المنادية بالعدالة الانتقالية للتعامل مع تاريخ العنصرية وعدم المساواة والإجحاف الاجتماعي في البلاد. لكن ما لم يشهد الكثير من النقاشات هو كيف باستطاعة ما يُسمّى الديمقراطيات المترسّخة استقاء الدروس من تجارب دول مثل تونس وجنوب أفريقيا، بغضّ النظر عن مدى صعوبة هذه التجارب. ويشكّل هذا جزءاً من مشكلة أوسع يُعتبر فيها إنتاج المعرفة في مجال العدالة الانتقالية غير تمثيلي. فهو يستثني مثلاً التبصّرات الفكرية والتطبيقية للاختصاصيين في السياسات والمفكّرين والناشطين العرب الذين تنبع تجاربهم من تعقيدات سياسة المنطقة. ولَهو من المهمّ تغيير ذلك.

تشكّل هذه السلسلة التي تحمل عنوان “الإبداع في العدالة الانتقالية: تجارب من المنطقة العربية” جهداً لتعقيد الاختلاف بين “مواقع الخبرة” في بلدان الشمال و”مواقع التجربة” في جزء من بلدان الجنوب، أي المنطقة العربية. وببساطة، ليست بلدان الجنوب مجرّد موقع تجربة بل موقع خبرة أيضاً، مثلما بيّن مؤلّفو هذه السلسلة بوضوح. وتعرض هذه السلسلة أيضاً الأسئلة الملحّة التي ينبغي علينا طرحها لمعالجة عمليات الانتقال السياسي في العالم العربي بشكل أفضل عبر استعراض تجارب أولئك المنخرطين بشكل مباشر في هذه العمليات لكن غالباً ما يتمّ استثناء صوتهم من أوساط السياسات والعلوم السائدة: فكيف في وسع خبرة العدالة الانتقالية في المنطقة العربية تأدية دور أبرز في رسم معالم سياسات العدالة الانتقالية وعلومها؟ وما هو تأثير سياسات العدالة الانتقالية على حياة الناس اليومية في المناطق المتضرّرة؟ وما هو دور الجهات الفاعلة في الشتات العربي المنخرطة في العملية الانتقالية في السعي إلى العدالة والمساءلة؟ وما هو مسار السعي إلى قضايا الولاية العالمية في أوروبا لمساءلة جناة مزعومين في عدّة دول عربية؟ وما هو تأثير النسيان الجماعي وتصفية الحسابات الاختيارية مع الماضي في بناء السلام والمصالحة؟ وما هي فرص التضامن عبر الوطني ضمن المنطقة العربية وما بعدها للسعي إلى العدالة الانتقالية؟ وكيف تؤثّر هذه المسائل في وضع السياسات بشأن العدالة الانتقالية؟

يعرض القسم الأوّل من هذه السلسلة بعض الإنجازات التي حقّقتها مجتمعات الشتات في السعي إلى المساءلة الجنائية ونشر الوعي حول محنة المفقودين في سوريا، فضلاً عن الجهد الطويل الأمد المبذول لوضع الأسس للعدالة الانتقالية في مصر. ويفسّر أحمد مفرح أنّ مجتمع الشتات المصري يسعى بشكل مضطرد إلى المساءلة من الخارج حيال الجرائم المُرتكَبة في مصر، ولا سيّما نظراً إلى المساحة المدنية المتضائلة في البلاد. ويجري ذلك بالإجمال عبر توثيق الانتهاكات والجرائم، وهي معلومات يقول إنّها “يمكن أن تشكّل يوماً ما الأساس لتحرّكٍ باتّجاه المساءلة في مصر”. ويشدّد أنور البنّي أنّ المحاكمات التي تستهدف النظام السوري في ألمانيا ودول أوروبية أخرى “لما كان من الممكن تحقيق[ها] لولا الشتات السوري وجهوده”. ويضيف قائلاً إنّه فيما حدّدت الدول في السابق “مسارات العدالة الانتقالية ونتائجها وحدودها”، تخطّت إنجازات الشتات السوري وحلفائه في سوريا أيّ حدود أو قيود تفرضها الدولة”، وكان ذلك ممكنا بفضل اللجوء إلى الولاية القضائية العالمية. ويستعرض فضل عبد الغني الدور الذي أدّاه الفنّ في السعي إلى الحقيقية وتخليد الذكرى للضحايا السوريين الذين تمّ إخفاؤهم قسراً. ويَعتبر دور الفنّ دوراً “مُعزِّزاً لآليات العدالة الأخرى” وليس عاملاً حاسماً في السعي إلى العدالة الانتقالية في سوريا.

وفي القسم الثاني من السلسلة، تُبيّن التجارب التونسية والسودانية والجزائرية تنوّعَ العمليات الانتقالية، بالإضافة إلى أوجه التشابه في الاستراتيجيات المعتمدة لجذب الانتباه إلى المناطق الضحية وليس الأفراد الضحايا فحسب. ويناقش مسعود الرمضاني ملفّ القصرَين المُبدع في هيئة الحقيقة والكرامة التونسية، التي تُبيّن أهمّية العدالة الانتقالية كمجال لدعوى جماعية عوضاً عن أن تكون آلية تعالج شكاوى الأفراد فحسب. ويقول إنّ مفهوم العدالة الإجمالي “ينبغي أن يتجاوز مفهوم الضحايا كأفراد من أجل معالجة عذاب مجموعة وطنية بأسرها عانت الإساءة الاجتماعية لعقود بسبب سياسات غير مناسبة”. ويطرح الباقر العفيف مختار ملاحظات مشابهة في السياق السوداني: “لا ينبغي أن تأخذ أدوات العدالة بعين الاعتبار نطاق الجرائم المُرتكبة بحقّ الناس في منطقة معيّنة وأثرها فحسب، بل عليها أيضاً أن تعالج الأذى الذي لحق بمجتمعات بأسرها”. ويناقش إسماعيل الغرزول السعي الصعب إلى العدالة الانتقالية للمخفيّين قسراً في الجزائر، حيث ما زالت العدالة الانتقالية في حالة تغيّر. ويقول إنّه على الرغم من غياب عملية انتقالية تفضي إلى جهود ساعية للعدالة، “يدرك المجتمع المدني والمحامون والضحايا وعائلاتهم في الجزائر خير إدراك قيمةَ البحث عن الحقيقة، مع دولة أو بدونها”.

ويعرض القسم الثالث والأخير من السلسلة الأفكار النابعة من مجالَي السياسات والبحوث بشأن العدالة الانتقالية. وتتحدّث صوفيا براي من موقع شخص انخرط بشكل كبير في عملية الوصول إلى السياسة العامة للعدالة الانتقالية التي اعتمدها الاتّحاد الأفريقي. وتشدّد على أنّ عملية للسياسات يمكنها أن تتيح الفرص لوضع أساس للعدالة الانتقالية، بغض النظر ما إذا انتهت الصراعات أم لا. وتقول إنّه مع أنّ “الوقت المناسب” للبدء بتطوير السياسات قد لا يحين، لا وقت غير مناسب لهذا الأمر. وتغوص كاثرين تيرنر في تفكير صريح حول موقعها في ورشة العمل، فتشرح قائلة: “رحت أفكّر في سبب وجودي هناك، وواجهني بوضوح أكبر موقعي وسْط هذه التراتبية الإشكالية بين “الباحث” في بلدان الشمال و”موضوع البحث” في بلدان الجنوب. لقد كان مكاناً غير مريح لي”. وشدّدت أيضاً على “الخطر الجسدي الحقيقي” الذي تحمله في طيّاتها مناصرةُ العدالة الانتقالية في المنطقة العربية، وعلى أنّه “للذين يستخفّون بالأمن الجسدي بيننا، هذه ناحية من نواحي مناصرة العدالة الانتقالية ينبغي علينا التنبّه لها ومعرفة المزيد عنها”. أخيراً، طرح نديم حوري عدّة أسئلة حول نطاق العدالة الانتقالية في سياق المنطقة العربية ودعا إلى أجندة بحوث جديدة تجمع بين فظائع الماضي والفظائع الجارية. ويقول إنّ ممارسي العدالة الانتقالية قد يحتاجون إلى الانخراط أكثر مع المبادرات بقيادة “مجموعات جديدة من الشتات وكيانات من غير الدولة”، مع الحرص على “إجراء معاينة نقدية لمقاربات العدالة الانتقالية الراهنة” في المنطقة العربية.

يأتي مؤلّفو هذه السلسلة من خلفيّات مهنية ووطنية مختلفة. وفيما يقدّر ممارسو العدالة الانتقالية دور البحوث في تأمين المعلومات للسياسات، نادراً ما تظهر التجارب الفعلية التي يعيشها الممارسون والناشطون والناجون والمحامون والفنّانون على الأرض في عمليات صناعة السياسات هذه. وهذه التجارب هي التي تؤدّي إلى طرح الأسئلة الصعبة التي تنبغي معالجتها، مع تقديم التبصّرات أيضاً حول الاستراتيجيات الإبداعية للسعي للعدالة والمساءلة والمصالحة والحقيقة في السياقات المتقلّبة. ستلقى هذه السلسلة اهتمام أولئك الذين يقدّرون دور هذه التجارب المتجذّرة في الماضي الأليم والحاضر المتقلقل والمستقبل الغامض للدول في أرجاء المنطقة العربية.

* أتقدّم بالشكر للمُحكّمين وقسم الاتصالات في مركز بروكنجز الدوحة ولكلّ من جيهان بن عمار وإيمّا كاثرين سميث وديالا جندالي وثيودوسيا روسي للمستوى الممتاز الذي أبداه الجميع في تحرير المقالات في هذه السلسلة ونشرها. وشكر كبير أيضاً للممارسين والمحامين وناشطي المجتمع المدني والفنانين والناجين والاختصاصيين في السياسات والأكاديميين الذين شاركوا في ورشة العمل والذين قدّموا مساهمات سخية وثمينة لهذه السلسلة.

Get daily updates from Brookings