Skip to main content
The Gulf Cooperation Council (GCC) logo is seen during a meeting in Manama, Bahrain April 7, 2016. To match GULF-HEZBOLLAH/LEBANON REUTERS/Jonathan Ernst -
مقال

كيف باستطاعة دول مجلس التعاون الخليجي مواجهة التحديات المالية التي تلوح في الأفق؟

ملاحظة المحرر:

 يقول نادر قبّاني إنّه يجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تبدأ التخلّي عن المشاريع الضخمة التي يُرجَّح أن تصبح مشاريعَ جوفاء مستنزِفة للموارد أكثر ممّا ستحثّ على تحقيق نموّ حقيقي في القطاع الخاص وعلى توليد الإيرادات. نُشرت هذه المقالة بدايةً علىCOVID Project by Georgetown University Qatar، وهذه ترجمة للنسخة الأصلية.

الدول الخليجية تواجه بيئة مالية صعبة

تواجه دول مجلس التعاون الخليجي الستّة تحدياتٍ اقتصاديةً على صعيدَين. فعلى غرار الدول الأخرى، تمحورت أولى أولوياتها حول إدارة الآثار المباشرة لجائحة فيروس كورونا المستجدّ العالمية على الصحّة العامة والاقتصاد. وقد أتت استجابتها على قدر التحدّي، فقد اعتمدت إجراءات صارمةً للفحص والتعقّب والحجر وأغلقت الأعمال غير الأساسية وقيّدت السفر وقدّمت العناية اللازمة للمصابين. وقد أعلنت كذلك عن حزم تحفيز اقتصادي بقيمة 97 مليار دولار. وعلى الرغم من بروز بعض الفجوات في الدعم الذي قدّمته دول مجلس التعاون الخليجي للعمال الوافدين، برهنت بالإجمال على أنّها تتحلّى بقدرة مؤسساتية عالية للتعامل مع تحديات الجائحة القصيرة الأمد.

وتحوّل دول مجلس التعاون الخليجي انتباهها الآن إلى التحدّي الثاني، ألا وهو إدارة التداعيات المالية الطويلة المدى لانخفاض أسعار النفط والغاز الطبيعي. فنتيجة للتباطؤ العالمي في الإنتاج والاستهلاك بسبب الجائحة، تراجَعَ متوسّط سعر النفط من 64 دولاراً أمريكياً في العام 2019 إلى 40 دولاراً في أوائل يونيو 2020. ومن المتوقّع أن تبقى أسعار النفط ما دون 60 دولاراً للبرميل طوال عام 2021. وهذه الأسعار أدنى بكثير من سعر التعادل المالي للنفط، أي السعر التي تتمكّن الحكومات عنده من تحقيق توازن في موازناتها، للدول الخليجية كافة، باستثناء قطر. وسيؤثّر ذلك بشكل كبير في الإيرادات الحكومية في الدول الخليجية التي تعتمد على النفط وسيختبر قدرتها على إدارة ماليّاتها.

وتعني أسعار النفط المنخفضة أنّه، علاوة على انكماش اقتصادي متوقَّع نسبته 2,7 في المئة للعام 2020، تواجه الدول الخليجية العربية احتمال الوقوع في عجوزات مالية كبيرة في العام 2020. ومن المتوقّع أن تبقى هذه العجوزات في العام 2021، حتّى لو تحسّنت الظروف الاقتصادية. ويتوقّع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسّط العجز المالي في الدول الخليجية كافّة نسبة 12 في المئة في العام 2020. ومن المتوقّع أن تعاني البحرين وعُمان العجزَين الأكبرَين اللذَين سيصلان إلى 20 و17 في المئة على التوالي. وسيضع هذا الأمر عبئاً كبيراً على ماليّتَيها العامتَين. ومن المتوقّع أن تعاني الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة أيضاً عجوزات مالية تتخطّى نسبة 10 في المئة في العام 2020. وقطر هي الدولة الخليجية الوحيدة التي يُتوقّع أن تحظى بفائض في موازنتها في العام 2020، على افتراض أنّها قادرة على إقامة توازن بين تكاليف الجائحة الاقتصادية والتخفيضات الموافِقة في النفقات العامة.

لقد تعاملت الدول الخليجية العربية مع انخفاضات كبيرة في أسعار النفط في الماضي. ففي وقت سابق من هذا العقد، انخفض متوسّط سعر النفط من 110 دولارات للبرميل في العام 2013 إلى 44 دولاراً في العام 2016. فعانت الدول الخليجية كافة، باستثناء الكويت، عجوزات وصلت إلى 22 في المئة في عمان و17 في المئة في المملكة العربية المتحدة و14 في المئة في البحرين. واستجابت الدول الخليجية لهذا الأمر عبر الحدّ من إنفاقها العام وتنويع قاعدة إيراداتها. ففي العام 2017 مثلاً، اتّفقت دول مجلس التعاون الخليجي الستّة على اعتماد الضريبة على القيمة المضافة. فكانت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة السبّاقتَين في الموضوع، عبر فرض ضريبة على القيمة المضافة نسبتها 5 في المئة في يناير 2018، وتبعتهما البحرين بعد سنة. في المقابل، وسّعت بعض الدول نطاق ضرائب الشركات. وبحلول العام 2019، ساعدت هذه السياسات، بالترافق مع ارتفاع في أسعار النفط ليصل سعر البرميل إلى 64 دولاراً، الدولَ الخليجية كافّة على الحدّ بشكل كبير من هذه العجوزات المالية.

الوضع مختلف هذه المرّة

استجابت الدول الخليجية لانخفاض أسعار النفط في العام 2020 بالطريقة نفسها بالإجمال. فهي تُخفِّف الإنفاق، وذلك بشكل أساسي عبر التقليل من عدد العمّال الوافدين ومن التعويضات المقدّمة لهم في القطاع العام. وهي تحاول أيضاً أن تزيد إيراداتها عبر كسب حصّة أكبر في قطاع النفط والغاز أو عبر المحافظة على حصّتها الراهنة. وبدأت بعض الدول بزيادة ضرائبها، فرفعت المملكة السعودية مثلاً نسبة الضريبة على القيمة المُضافة من 5 في المئة إلى 15 في المئة. وتخطّط الكويت وعمان لاعتماد الضريبة على القيمة المضافة في العام 2021. بيد أنّ الوضع هذه المرّة يختلف عن السابق في عدّة نواحٍ، وهذا يفرض على دول مجلس التعاون الخليجي التفكير في مجموعة مختلفة من السياسات.

أولاً، ليس المجال المالي للدول الخليجية بالمرونة التي كان عليها في السابق. فهذه الدول تقلّل من أعداد عمّالها الوافدين منذ العام 2015، فبات المواطنون يشكّلون نسبة 85 إلى 90 في المئة من اليد العاملة في القطاع العام في البحرين وعمان والمملكة العربية السعودية وقرابة 75 في المئة في الكويت. بالتالي، ما عاد المجال متاحاً جداً لإجراء المزيد من التخفيضات. وقطر هي البلد الوحيد الذي يتحلّى بالمجال المالي الكافي لتخفيض أعداد العمّال في القطاع العام، لأنّ المواطنين يشكّلون أقلّ من 50 في المئة من اليد العاملة في القطاع العام. بيد أنّ الإمعان في التخفيض فيه خطر التخلّي عن خبرات لازمة. كذلك، بدأت بعض الدول الخليجية بالحدّ من المخصّصات التي يكسبها المواطنون، لكنّها لا تستطيع إجراء تخفيضات كبيرة. ففي العام 2017، اضطرّت المملكة العربية السعودية إلى إلغاء قرارٍ بتخفيض مخصّصات القطاع العام بعدما علت الأصوات الشعبية.

ثانياً، على مدى السنوات الستّة الأخيرة، سلكت الدول الخليجية مسارات متغايرة لتطوير قطاعاتها الخاصة. ويشير تقرير ممارسة أنشطة الأعمال التابع للبنك الدولي إلى أنّ البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة كلّها حسّنت مناخ الأعمال لديها، بينما لم تفعل قطر وعمان والمملكة العربية السعودية ذلك، علماً أنّ قطر تبدو أنّها غيّرت مسارها، فقد كانت من ضمن قائمة البلدان العشرين الأفضل تحسيناً لمناخ الأعمال في العالم في العام 2020. عوضاً عن ذلك، ما زالت الدول الخليجية تعتمد على شركات القطاع العام والمشاريع الضخمة التي تقودها الحكومات كمحرّكات أساسية لتطوير القطاع الخاص. وأفضت هذه الاستراتيجية إلى مستويات منخفضة من الاستثمار الأجنبي المباشر والصادرات غير النفطية، فضلاً عن مصادر غير مستدامة للإيرادات. فيشكّل تطوير القطاع الخاص، ولا سيّما المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة، عنصراً أساسياً لتوسيع قاعدة الإيرادات وتنويعها.

ثالثاً، مقارنة بالعام 2015، دول مجلس التعاون الخليجي منشغلة أكثر في الصراعات الإقليمية. ففي العام 2017، فرضت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين حصاراً اقتصادياً على قطر المجاورة لها من أجل جعل سياسة قطر الخارجية متماشية مع سياستها. بيد أنّ الحصار لم يضعِف قطر بل جعل اقتصادها أكثر استجابة للتغيّرات ودفعها إلى زيادة الإنتاج المحلّي وتنويع سلاسل التوريد لديها. غير أنّ الحصار وألعاباً جيوسياسية منخفضة القيمة تُجريها الدول الخليجية في الخليج العربي والقرن الأفريقي وليبيا وأماكن أخرى حوّلت الانتباه عن الإصلاحات الاقتصادية وأبعدت الموارد عن أولويات التنمية المحلّية. وتتطلّب معالجة التحديات المالية الراهنة حلَّ الصراعات الجارية وزيادة التكامل الاقتصادي الإقليمي.

أخيراً، ينبغي على دول مجلس التعاون الخليجي أن تجد توازناً بين جهودها القصيرة الأمد لتحفيز اقتصاداتها وجهودها الطويلة الأمد لضبط أوضاع المالية العامة. وقال البعض إنّه ينبغي منح الأولوية لتحفيز الاقتصاد ثمّ تلجأ الدول إلى سياسات تعمل على تحقيق توازن في موازناتها في وقت لاحق. بيد أنّ هذا الأمر لا يأخذ بعين الاعتبار أنّ أكثرية السكّان في دول مجلس التعاون الخليجي من الوافدين ودعمهم الاقتصادي الطويل الأمد ليس قيداً مُلزماً. بالتالي ينبغي أن تحرص حكومات دول مجلس التعاون الخليجي على أن تُخصّص رزم التحفيز التي تقدّمها لدعم الشركات والقطاعات الاقتصادية الأكثر ضرورة لتنميتها الاقتصادية ولخطط التنويع لديها. ويتطلّب ذلك اعتماد طريقة جديدة في وضع الموازنات للإدارة الاقتصادية تلك. وتكون هذه الطريقة مرتبطة بأهداف تنمية واضحة وليس مجرّد تجميع للنشاطات الجارية.

الخطوات المستقبلية

على مدى السنوات الخمسة الماضية، حقّقت دول مجلس التعاون الخليجي تقدماً ملفتاً في تعديل موازناتها تبعاً للوقائع التي تفرضها أسعار النفط الأدنى، وذلك بالإجمال عبر تقليص النفقات العامة وتنويع مصادر الإيرادات. ومع تراجع أسعار النفط أكثر فأكثر، تواجه دول مجلس التعاون الخليجي المزيد من القيود المالية. ولمواجهة هذا التحدّي، ينبغي عليها التصرّف بأسلوب مختلف. فعليها أولاً التخلّي عن المشاريع الضخمة التي يُرجَّح أن تصبح مشاريعَ جوفاء مستنزِفة للموارد أكثر ممّا ستحثّ على تحقيق نموّ حقيقي في القطاع الخاص وعلى توليد الإيرادات. عوضاً عن ذلك، ينبغي عليها أن تسمح للمؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة بالنمو لتصبح شركات تنافسية على مستوى عالمي. وينبغي على دول مجلس التعاون الخليجي التخلّي عن الصراعات في الخارج التي أبعدت الموارد عن الأولويات الداخلية، وعليها بدلاً من ذلك أن تزيد التعاون والتكامل الاقتصادي الإقليمي. أخيراً، ينبغي على هذه الدول أن تلجأ إلى أدواتِ وضعِ موازنات تسمح لها باستهداف الموارد الشحيحة والتمويل التحفيزي للقطاعات التي تحظى بأعلى الإمكانات للمساهمة في التنمية والتنويع الاقتصاديَّين الطويلَي الأمد.

Get daily updates from Brookings