Skip to main content
مقال

خطوة أردوغان التالية: حملة القمع مستمرّة

ما إن وصل حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان إلى السلطة في العام 2002 حتى اعتُبِر “النموذج التركي” المحتمل لتتبعه منطقة الشرق الأوسط الأوسع وتسير على خطاه. فمن لا يقدّر النجاح الكبير الذي حققه هذا الحزب في تحويل الدولة التي كانت الانقلابات تعصف بها وتعاني ركوداً اقتصادياً إلى مركز اقتصادي إقليمي حيث جرت انتخابات متتالية وسلمية؟ معوّلاً على نجاح سياساته الاقتصادية، فاز أردوغان مراراً وتكراراً في الانتخابات. سمح اعتبار حزب العدالة والتنمية نفسه محافظاً وليس إسلامياً له الامتثال للمتطلبات الدستورية التركية، إلا أنه كان واضحاً أنّ الإسلاميين قد أصبحوا بنجاح قوةً سياسيةً من خلال عملية ديمقراطية تنافسية.

رغم أسلمة حزب العدالة والتنمية المتزايدة للسياسات التركية وتعاظم نفوذ المؤسسة الدينية، استمر العديد من الأتراك في دعم الحزب بسبب ما قدمته الحكومة من نمو إقتصادي، ووظائف واستثمارات واضحة في البنية التحتية. تحوّلت مدن تركية في مختلف أنحاء البلاد من مدنٍ هادئة إلى مراكز حضرية عصرية تضم بنية تحتية تحاكي البنى الأوروبية من طرقات ممتازة وشبكات نقل متقدمة، ومراكز تسوق عصرية، ومنازل أفضل ومطارات أكبر. وفي ذروة النجاح الاقتصادي التركي، كان حتى على أوروبا الكارهة للغرباء أن تتآلف مع فكرة إمكانية انضمام تركيا إلى مجموعتها الاقتصادية المرغوبة من دول عديدة. لم ينكر أحدٌ أنّ تركيا قد تحوّلت إلى عملاق اقتصادي في المنطقة الأوسع. أعتبرت المنظمات المالية الدولية البلاد منطقة اقتصادية متنامية نظراً للنجاحات التي حققتها، فضلاً عن إدارتها السياسية المالية والنقدية القوية. واستحق حزب العدالة والتنمية الإشادة لمساعدته تركيا على تخطي التضخم الهائل والركود والانتقال إلى الحقبة العصرية؛ ومع كلّ فوز إنتخابي، ازدادت ثقة أردوغان أكثر فأكثر وأصبح ميله إلى العدوانية أكثر مدعاةً للقلق.

وأثار تحول تركيا الديني الواضح حفيظة الكثير من العلمانيين الأتراك الذين كان الشكّ يساورهم إزاء ميول حزب العدالة والتنمية الإسلامية. كرسوا مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، مثالاً أعلى ومجدوا مبدأه المطمع بإنشاء تركيا علمانية تكون أقرب إلى الغرب وأبعد عن الإسلام أو الشرق. في النهاية، يُعزى سقوط الإمبراطورية العثمانية وإرثها الإسلامي نهائياً إلى أتاتورك وإعادة تأسيسه للحياة التركية بشكلٍ كامل. بدءاً من منع استخدام الأبجدية العربية في اللغة التركية، وصولاَ إلى إلغاء مختلف المظاهر الإسلامية العلنية، تجلى إرث أتاتورك في منع تطور أي مؤسسة دينية واحتواء الملتزمين بالتعاليم الدينية. ولعلّ الجيش كان المؤسسة الأكثر التزاماً بمبادئ أتاتورك. في النهاية، كان الجيش وراء حلّ سلف حزب العدالة والتنمية لاستخدام الإسلام في برنامجه السياسي. ومع تعاظم نفوذ أردوغان الاقتصادي والسياسي، كان من الواضح قيام صراع بين مناصري رؤية أتاتورك للدولة والإسلاميين الذين استمروا في تعزيز قبضته على الحكم أكثر فأكثر.

اتهم أردوغان الجيش بمحاولة الانقلاب، انقلاب بدأ التخطيط له منذ الأيام الأولى بعد توليه منصب الرئاسة. بالتعاون مع فتح الله غولن الذي تحالف معه مرة واحدة وشبكة من الموالين من أصحاب المناصب والرتب العالية في السلك القضائي والشرطة، تمكّن أردوغان من طرد كبار القادة وعزلهم. ولكن سرعان ما تحوّل تركيز الرئيس إلى غولن نفسه، بعد أن تعاظمت قوة أتباعه وبات من الصعب النيل منهم حتى أطلق عليهم أردوغان إسم “الدولة الموازية”. سيتفاجأ كثيرون، ولكن حين تمّ تسريب أشرطة لأردوغان وأولاده ومقربيه كإثبات على فساد حزب العدالة والتنمية، عادى أردوغان مجدداً أنصار غولن وجرى الحديث مجدداً عن محاولة إنقلاب. وهكذا تحوّل الحلفاء إلى أعداء. وباتت مهمة أردوغان سحق شبكة غولن القوية بمن تضمهم من خبراء وتكنوقراط، والتي يُعتقد أنها منتشرة عبر البلاد. كان انتقام أردوغان الشخصي من غولن، الذي اختار الولايات المتحدة منفاه الاختياري، أمراً واضحاً؛ واتسعت دائرة الطرد، والاعتقالات وإنزال الرتب والمناصب لكل من اعتبره أردوغان عدواً له في الجيش والقضاء والإعلام والخدمة المدنية. بدا أن ما من أحد استطاع إيقاف أردوغان ومع كلّ حملة قمعيّة ضد “الدولة الموازية”، كان يظهر أعداء جدد، سواء أكانوا حقيقيين ويُظن أنهم كذلك على حدّ قوله.

ومع تأثر تركيا بالتباطؤ الاقتصادي العالمي وبحالة انعدام الاستقرار الإقليمي، خسر أردوغان بعضاً من بريقه. ومع تزايد شكّ الحكومة بمواطينها، استمر قمع المعارضين السياسين واضطهادهم في النمو. وبدت لائحة أعداء أردوغان طويلة جداً؛ علماً أنه كان يخلق بعضاً منهم بدءاً من الناشطين البيئيين المترفين والأتراك الشباب الراغبين في التمتع بعالم التواصل الاجتماعي المترابط، وصولاً إلى الأعضاء السياسيين داخل حزبه. إلا أنه في كلّ مرة كان أردوغان يترشح للانتخابات، كان يحظى بدعم الأتراك الريفيين والمحافظين بمن فيهم النخبة الجديدة في مجال الأعمال التي استفادت من سياساته الاقتصادية. ولما كان أردوغان يفوز بوسائل ديمقراطية، ويثير نفور الـ48 بالمئة الذين لم يصوتوا له ويتبنى سياسات استبدادية أكثر فأكثر، بدا رئيساً لا يُقهر ولا يمكن إيقافه. تمكن أردوغان من تقوية سلطته بنجاح، وأزاح المنافسين المحتملين ضمن حزبه ونصّب نفسه سلطان تركيا الجديد.

من المرجح أن التهديد الذي يطرحه أردوغان، لا سيما اقتراحاته بإجراء تغييرات دستورية من شأنها أن تسلب الجيش المزيد من سلطته، كان السبب وراء محاولة الانقلاب الأخيرة. كانت الفصائل العسكرية تخشى أن هذه المحاولة قد تكون فرصتهم الأخيرة لإيقاف أردوغان. من المحتمل أن هذه المجموعة العسكرية رأت وفقاً لحساباتها أن الرئيس قد خسر الكثير من شعبيته بسبب مشاكل البلاد الاقتصادية، و التصور الواسع بأن سياسته بشأن سوريا كانت السبب الضمني وراء صعود خطر داعش ضمن تركيا والإحساس بأنه قد خلق أعداء سياسيين جدد قد يرحّبون بالانقلاب. علاوة على ذلك، كانت عقيدة الجيش وتدريباته القومية المتطرفة تعني أنه كان خائفاً من جنون أردوغان في التعامل مع الأزمة السورية، ومغازلة حكومته لمجموعات متمرّدة سورية وترحيبه العام لدخول أكثر من مليوني سوري إلى تركيا. خافت المؤسسة العسكرية أكثر من فشل أردوغان بإقناع الحلفاء الأمريكيين وحلف الناتو بمخاطر دعم المتمردين الأتراك في سوريا والعراق. ومن وجهة نظر مدبري الانقلاب العسكري، لقد أصبح أردوغان يشكّل خطراً أمنياً لدولة أتاتورك من الداخل والخارج.

فشل الانقلاب لأن الفصيل العسكري لم يحسب حساب رضوخ الناس لدعوات أردوغان للنزول إلى الشوارع دفاعاً عن الديمقراطية، وهي خطوة انتقدها الكثيرون نظراً لقمع أردوغان مظاهرات في السابق.

لم يتوقع الجيش ثورة شعبية من أجل الديمقراطية، ولم يتوقع أيضاً غياب الإرادة بين صفوف الجنود للقتال ضد شعبه. في النهاية، كانت لائحة أعداء أردوغان طويلة ولا شكّ أن الناس كانوا سيدعمون الجيش في محاولته لإنقاذ الدولة. إلا أن أولئك الذين رفضوا العودة في الزمن إلى الثمانييات لم يكونوا إلا الشعب، بما في ذلك قادة المعارضة الذين كرهوا أردوغان بسبب سياساته القمعية. ومن اليمين إلى اليسار السياسي، ندد القادة بالانقلاب. وما يثير السخرية هو أن أردوغان استخدم وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا لدعوة الناس لوقف الانقلاب؛ علماً أنه قمع منذ سنوات قليلة وسائل الاتصال نفسها. وفي حين سيستسيغ أردوغان في فكرة أن من رفض الانقلاب هم معجبوه؛ تشير الحقيقة إلى أن الأتراك يكرهون فكرة العودة إلى النظام القديم القائم على الحكم العسكري الذي لا يتوافق مع الزمن المعاصر. إنّ الطرق الاستبدادية التي يعتمدها أردوغان هي أبعد ما يكون عن المثالية في نظر معظم الأتراك، وبالتالي فإنّ التصادم بين التوقعات المجتمعية ورغبته المتهوّرة لتعزيز حكمه أصبح قريباً .

لا شكّ أن أردوغان سيلاحق من يعتبرهم أعداءه، أو كما يسميهم أنصار غولن، لدعم رغبته بالتمتع بالسلطة المطلقة؛ وسيظلّ المجتمع الدولي يشاهده يقوم بذلك. لن ينسى أردوغان أيضاً أن حلفاءه الدوليين، الأمريكيين والأوروبيين، تريثوا إلى أن فشل الإنقلاب قبل الإدلاء بأي تصريحات داعمة. يدرك أردوغان أنه كان بإمكانه أن يكون التالي بعد محمد مرسي، الإسلامي المصري الذي سقط ولم يذرف الدمع على سقوطه إلا القليل من القادة في العالم.

يشعر أردوغان حالياً كأنه يملك ترخيصاً لملاحقة ما تبقى من عناصر “الدولة الموازية”. وخلال الساعات التي تلت الانقلاب الفاشل، كان أردوغان قد ضيّق على الجهازين العسكري والقضائي. ويُعتبر الجهاز القضائي ما تبقى من عناصر الدولة التي تتحدى إصلاحاته الدستورية التي من شأنها أن تقوّي قبضته أكثر فأكثر على الحكم. هؤلاء العناصر هم الهدف التالي لعملية القنص التي يتولاها أردوغان شخصياً. ولكن مع متوسط عمر الشعب التركي الذي يبلغ 28 عاماً، لا ينبغي أن يفترض أردوغان أنه محبوب الجماهير. لم يعد النموذج التركي ما كان عليه. بفضل أردوغان، ورغم نظامه الديمقراطي، تبدو تركيا أشبه بعدد كبير من الحكومات العربية قبل الربيع العربي؛ استبدادية، رأسمالية تعتمد على المحسوبيات وبعيدة عن شبابها ومجتمعها الحديث. غالباً ما تُعتبر الانقلابات خطوة إلى الوراء بعيداً عن الديمقراطية، إلا أن أردوغان يستمر أيضاً في إعادة بلاده إلى الوراء كلما مرّ يوم جديد عليه وهو في السلطة. 

المؤلف

Get daily updates from Brookings