Skip to main content
egypt_coup001
مقال

انتكاسة الديمقراطية في مصر

عندما أصبح محمد مرسي أول رئيس منتخب ديمقراطياً العام الماضي، كان هذا الحدث انتصاراً حلواً للإخوان المسلمين، وهي الحركة الإسلامية الأقدم والأكثر ثأثيراً في المنطقة. وبعد تاريخ طويل من القمع، ذاق الإخوان أخيراً طعم النصر. غير أنّ هذا النصر لم يدم طويلاً، فقد انتهى حكم الإخوان يوم الأربعاء الماضي، حين عزل الجيش المصري الرئيس مرسي.

ستكون هناك آثار عميقة لسقوط الإخوان على مستقبل الإسلام السياسي، يدوي صداه في المنطقة بطرق قد تكون خطيرة. يُعتبر قرار الأحزاب الإسلامية بالتصالح مع الديمقراطية والالتزام بقواعد اللعبة السياسية واحداً من أهم التطورات السياسية في العقود الأخيرة. فقد نصح القادة الإسلاميون أتباعهم بالتحلي بالصبر، إذ قيل لهم أنّ ذلك الوقت سيأتي.

والآن، سؤال واحد يتبادر إلى ذهن مؤيّدي الإخوان لسبب وجيه، وهو ما إذا كان هناك ما تقدّمه الديمقراطية لهم. إن عزل مرسي سيعيد إلى الحياة مطالب المتطرفين الإيديولوجية. فقد ناقش تنظيم القاعدة وأتباعه طويلاً أنّه لا يمكن للتغيير أن يتحقق من خلال ديمقراطية “الكفار”؛ العنف هو السبيل الوحيد. وبحسب ما قال زعيم القاعدة أيمن الظواهري في إحدى المناسبات: “المؤسف في الأمر حقاً هو حشد آلاف الشباب المسلمين المغرر بهم في طوابير للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات بدلاً من تحضيرهم على القتال في سبيل الله”.

ظهر فكر تنظيم القاعدة في خمسينات وستينات القرن الماضي، والذي ساهم في تشكيله أحداث تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي شهدناها هذا الأسبوع. ففي العام 1954، تحرّك الجيش المصري المدعوم من الشعب ضد الإخوان المسلمين، فاعتُقل الآلاف وتم حلّ الجماعة. وكان للسجن تأثير راديكالي على المنظر الإسلامي البارز سيد قطب، الذي عانى ما عاناه من تعذيب على يد خاطفيه قبل إعدامه في العام 1966. في وقت لاحق، غادر الكثير من أتباع قطب أحضان الجماعة وأنشئوا جماعات مسلحة بدأت بارتكاب أعمال إرهابية.

في العام 1954، لم يخطر ببال أحد أنّ القمع الوحشي ضد الإخوان كان من شأنه أن يخلّف سلسلة من الأحداث كانت عواقبها وخيمة على المنطقة والولايات المتحدة.

قد يكون للأحداث التي شهدناها في خلال هذا الأسبوع آثارٌ عميقة تشبه تلك. ففي الساعات التي تلت عزل مرسي، قامت القيادة العسكرية الجديدة بتعليق الدستور وبإغلاق ما لا يقلّ عن ثلاث محطات تلفزيونية إسلامية، والأسوأ من ذلك قيام القيادة أيضاً بإصدار مذكرات توقيف ضد 300 عضو من الإخوان المسلمين على الأقل. تنادي شخصيات ليبرالية بارزة “بحلّ” الجماعة وإقامة ما يمكن أن يصل إلى حد محاكمات صورية.

تجد الولايات المتحدة نفسها في مأزق. في حين أعرب الرئيس أوباما عن “قلقه العميق” إزاء الانقلاب، إلا أنّه بقي بعيداً عن توجيه أية إدانة صريحة. أما الأمر الأكثر إرباكاً، أنه دعا لإعادة السلطة إلى حكومة منتخبة ديمقراطياً ; وليس الحكومة المنتخبة ديمقراطياً وهذا التمييز لن يغفل عنه الإخوان.

عندما تحدّثت إلى أحد كبار مستشاري مرسي في ليلة 30 يونيو، كان قد بدأ بإلقاء اللوم على الولايات المتحدة على نحو استباقي. قال لي: “إذا حصل انقلاب، فهذا يعني أن أمريكا تدعمه أو هي على استعداد لغض النظر”.

وهذا أيضاً يعيدنا إلى حدث من الماضي غير البعيد. ففي العام 1992، كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر على وشك إحراز فوز تاريخي في انتخابات حرة ونزيهة. فما كان من الجيش الجزائري إلا أن تدخّل وألغى النتائج وجمّع الآلاف من الإسلاميين، الذين انتهى المطاف بالكثير منهم في سجون في الصحراء. وقبل أيام من بدء حملة القمع، حذر عبدالقادر حشاني -أحد زعماء الجبهة الإسلامية للإنقاذ- أنصاره مما قد يحصل، قائلاً: “الفوز أكثر خطورة من الهزيمة”.

في مئات المقابلات التي أجريتها مع قادة من الإخوان المسلمين وناشطين في مصر والأردن في خلال السنوات العشر الماضية، تحدّث الكثير منهم عن الجزائر وما وصفوه “بالفيتو الأمريكي” وهذا مفهوم يقوم على أن الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى لن تسمح بكل بساطة للإسلاميين بتولي السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية.

لم تحظى أخبار تخريب الديمقراطية في العام 1992 في الجزائر بانتباهٍ واسع النطاق في الغرب، كما وأنه لم ينظر إليها على أنها ذات أهمية خاصة. بيد أنّ هذه المرة، حدث ما حدث في مصر تحت أعين العالم أجمع.

وعلى غرار سنة 1954 و1992، ستشكّل سنة 2013 لحظة فارقة في تاريخ الإسلاميين، وستعدّ الأجيال القادمة من الناشطين الإسلاميين وتؤكّد على روايتهم عن الاضطهاد والقمع والندم. تُلام الولايات المتحدة بما فيه الكفاية على العديد من القضايا، ولا حاجة لإضافة شكوى أخرى إلى القائمة.

قد يكون من الحكمة أن تبقى إدارة أوباما بعيدة عما يقوم به الجيش وأن تستخدم نفوذها، لاسيما الوعد بمساعدة مالية، لتضغط على الجيش من أجل احترام حقوق الإسلاميين.

ومن أجل الحد من تداعيات أحداث هذا الأسبوع، يتوجّب على الحكومة المصرية الجديدة أن تضمن إعادة دمج جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة في العملية السياسية وحريتهما لدخول الانتخابات البرلمانية والرئاسية وإمكانية الفوز فيها. وإلا، سيكون إيمان الأحزاب الإسلامية بالديمقراطية قد تضرر بطريقة غير قابلة للتصليح.

Get daily updates from Brookings