Skip to main content
European Union (R) and Turkish flags fly at the business and financial district of Levent in Istanbul, Turkey September 4, 2017.
مقال

العلاقات التركية – الأوروبية: إطار مختلّ، ووضعٌ قلق

ملاحظة المحرر:

تم نشر هذا المقال باللغة الإنكليزية في موقع جيرمن مارشال فاند.

لا يكاد يمرُّ يوم دون أن تصدر مقالة إخبارية أو تعليق عام يتحدَّث عن ضعف العلاقات التركية – الأوروبية. وقد وصلت النقاشات حول هذا الموضوع إلى وضع حرجٍ للغاية أصبح للمشاعر فيه حيّز كبير، وغابَ عنه المنطق. لقد بتنا بحاجةٍ الآن إلى تحديد الأسباب الجذرية وراء هذه الأزمة، مع الأخذ بالاعتبار وجهتيّ النظر المحوريتين لكلٍ من أوروبا وتركيا، في محاولة لتفسير تدهور هذه العلاقات. إنَّ دراسة القصتين واعتماد رؤية أوسع للعلاقات تكشف اختلالاً وظيفياً في إطار العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، ناهيك عن التشابك في علاقة تركيا بالغرب ككل.

في العواصم الأوروبية، تمَّ إضفاء الشرعية على المواقف السلبية أو العدائية تجاه تركيا، على أساس تراجع مستوى الديمقراطية التركية وتدهور سجلِّها في مجال حقوق الإنسان. إنَّ هذا الرأي لا يقتصر على تأزيم التطورات في السياق السياسي الداخلي لتركيا فحسب، بل يعرقل مسار سياستها الخارجية أيضاً. فأفضليات وقرارات السياسة الخارجية التركية لم تُحلل ضمن السياق الجغرافي السياسي للبلد أو ضمن أولويات سياستها الواقعية، بل هناك ميلٌ إلى المبالغة في التأكيد على دور الهوية – الإسلامية – في تسيير السياسة الخارجية التركية. وقد تمَّ تصوير معظم قرارات السياسة الخارجية في تركيا، التي يُزعم أنَّها اتُخذت بدافع عوامل أخرى، غير عامل الهوية، على أنَّها نتيجة بحث تركيا عن هوية جديدة وموقع جغرافي سياسي جديد، وهو ما يُفهم منه، ضمناً أو صراحة، أنَّ تركيا تدير ظهرها لتوجُّهاتها الأوروبية – الغربية التي استمرت قروناً طويلة. في قراءة كهذه، يتمُّ ببساطة تأطير الطبيعة المتعددة الأقطاب للسياسة الخارجية التركية، وكأنَّها تحوُّل في موقف البلد. وهذا التحوّل يعني تحوّلاً في هوية تركيا وابتعادها عن أوروبا والغرب. علماً بأنَّ هذا النهج ينطوي على إشكالية واختزال.

من ناحية أخرى، إذا وضعنا المبرِّرات والأحقاد التاريخية والأيديولوجية جانباً، نجد أنّ المشاعر المعادية للغرب التي تكوَّنت في تركيا خلال السنوات الأخيرة، إنّما استندت إلى فكرة قيام الغرب بعمليات مستمرَّة ضد تركيا. يعتقد معظم الأتراك أنَّ الغرب (أي الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي) كان له يد في محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016. وهذا التصوّر يتقاطع مع الخطوط الاجتماعية والسياسية على المستوى المجتمعي. وترى دوائر الحكومة التركية الغرب وأوروبا مجرَّدين من التعاطف معها عندما يتعلق الأمر بالتحدِّيات الأمنية والتهديدات التي تواجهها في سوريا والعراق المجاورَين، وفي مواجهة المجموعات الإرهابية المتعددة داخل حدودها وخارجها. وقد أدّى فتور الغرب تجاه تركيا أو عدم قدرته على إظهار التضامن مع الشعب التركي في أعقاب محاولة الانقلاب، إلى تعميق الشك العام بالغرب. وقلَّل ذلك من قدرة أوروبا على الالتزام بالمبادئ الأخلاقية والمصداقية، لانتقاد تركيا بسبب سياساتها وحملات التطهير التي قامت بها بعد الانقلاب – لا سيما ردود الفعل تجاه حالة الطوارئ المستمرة.

على الرغم من أنَّ هذين النهجين ينضويان على بعض الحقيقة، إلا أنَّهما يموّهان المشكلة الأساسية التي جعلت هذه العلاقات في غاية التوتر، وهي إطار العلاقات. من هذا المنظور نجد أنَّ كلا القراءتين هما نتاج وجهات نظر اختزالية. لقد كانت الديمقراطية والعلمانية غراءً مهمّاً للعلاقات بين تركيا والغرب، وجزءاً لا يتجزأ من تطوُّر هذه العلاقات. وقد ساعد هذان العاملان على إيجاد أرضية سياسية مشتركة مرتكزة على القيم. كذلك أدّى العاملان دوراً مهماً في تطوير مجموعات مفاهيمية متآلفة وتشكيل نقاط مرجعية مشتركة.

لكن مع هذا، لا يمكن للعلاقات التركية الغربية أن تقتصر على النقاش أو النزاع حول نوعية الديمقراطية والعلمانية التركية وصحتهما. صحيح أنَّهما المكوِّن الأساسي لعلاقات تركيا مع الغرب، لا سيَّما مع أوروبا، لكن من الواضح أنَّهما ليستا عاملين كافيين لحلِّ التوترات المضطربة الكامنة تحت سطح هذه العلاقات. إنَّ حقيقة فشل تركيا الواضح في تحقيق هذين الشرطين الضروريين في السنوات الأخيرة، يجعل النقاش بشأن العوامل والظروف الكافية لمعالجة السبب الأساسي لهذا التوتر يبدو تافهاً. والأهمّ هو أنَّ الصورة السياسية التي ظهرت مؤخراً قد حجبت فكرة العوامل الأساسية التي أثقلت حالة العلاقات التركية الأوروبية.

وهذا لا يعفي تركيا من مسؤوليتها عن تدهور العلاقات التركية – الأوروبية. فمن الواضح أنَّ تركيا قد تراجعت في جميع قضايا إرساء الديمقراطية والإصلاح والحوكمة الرشيدة والشفافية والصياغة المؤسسية. بالنسبة للغرب، فإنَّ الموقف الجيوسياسي لتركيا كان يحمل نفس القدْر من الأهمية، إن لم يكن أهم، من طابعها العلماني والديمقراطي. وفي الكثير من الحالات، فإنَّ قيمة العقارات في تركيا عزَّزت التزامها بالديمقراطية والحريَّات الأساسية. ويمكن لبعض الزخم الإيجابي في هذا المجال أن يقلِّل من حدّة التوترات، ولكنه لن يحلَّ المشكلة الهيكلية.

وإذا عُكست الآية، أي إذا كان تراجع مستوى الديموقراطية هو السبب في تدهور العلاقات التركية – الأوروبية، فما هو السبب الذي أدّى إلى فشل حصول تركيا على عضوية الاتحاد الأوروبي ما بين عاميّ 2005 و2007، . يميل النقّاد والمحلِّلون المهتمون بالعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي إلى تصوير الفترة بين العامين 2002 و2007 على أنَّها الفترة الذهبية لهذه العلاقات، في حين يُقال إنَّ السنوات الأخيرة قد شهدت انسداداً في آفاق التقارب الأوروبي التركي إلى حد ما. الجزء الأول من هذا التصوير صحيح إلى حدٍّ كبير، إلا أنَّ الجزء الثاني هو إشكالي في أفضل أحواله.

يمكن بسهولة اعتبار الولاية الأولى التي أمضاها حزب العدالة والتنمية في السلطة، أي الفترة من 2002-2007، من أفضل الفترات الإصلاحية في تاريخ الجمهورية التركية. وقد كافأ الاتحاد الأوروبي هذا الإصلاح بإطلاقه مفاوضات العضوية مع تركيا في العام 2005. ولكن الأمل بإطلاق مرحلة جديدة في العلاقات سرعان ما تلاشى بعد وصول المستشارة الألمانية ميركل ثم الرئيس الفرنسي ساركوزي إلى السلطة. فبدل الاستناد إلى العجز الديمقراطي في تركيا، رفضَ الزعيمان احتمال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من منظورٍ ركَّز على الهوية. لذلك، فإنَّ إعادة الديمقراطية في تركيا إلى مسارها الصحيح من شأنه أن يقلِّل من حدة التوتر، لكن من غير المرجَّح أن يكون له أي تأثير حقيقي في زيادة حظوظ تركيا في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي.

كذلك ترتبط قضية الإطار ارتباطاً وثيقاً بقلق تركيا من وضعها في تعاملها مع أوروبا، مما يؤدي باستمرار إلى نشوء أزمات في العلاقات. ابتداءً من الأيام الأخيرة للإمبراطورية العثمانية، أي منذ ما يقارب 200 عام، تنظر تركيا إلى الغرب كنقطة مرجعية. بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت هذه العلاقات تأخذ شكلاً مؤسَّساتياً قوياً أيضاً. فقد حاولت تركيا دائماً إيجاد مكان لها في المؤسَّسات الحكومية الدولية والمؤسَّسات التي تتخطّى الحدود الدولية أيضاً. ولم تكن هذه مجرد محاولة تقوم على اعتبارات معيارية، بل كانت هناك أسباب اقتصادية وأمنية وسياسية حقيقية. لكن مع ذلك، وخلال هذه العملية كانت هناك نوعية جيدة جداً من العلاقات، اتخذت شكل علاقة المعلم (الغرب) بالطالب (تركيا). وكانت الطبيعة المنهجية والتسلسل الهرمي لـ “المحاكي” والقدوة “الذي ينبغي محاكاته” واضحة دائماً. وكان من الجليِّ أنَّ هذا الوضع خلق تسلسلاً هرمياً في العلاقات التركية الغربية. وقد قبلت تركيا هذا الوضع لفترة طويلة، ضمناً أو صراحة لعدة أسباب، أوَّلها، شعور تركيا (أو الإمبراطورية العثمانية في أيامها الأخيرة) بالضعف في مواجهة الغرب. ثانياً، في خلال هذه الفترة، رأت تركيا أنَّ العالم يكاد يتمحور حصرياً حول الغرب. ثالثاً، نظرت تركيا إلى الغرب على أنَّه وجهة معيارية ومادية. رابعاً، كان قبول علاقة التسلسل الهرمي من قبل تركيا سبباً في حصولها على مجموعة من المزايا تضمَّنت عدداً من الفوائد الأمنية والاقتصادية. خامساً، كان القبول والامتثال يعنيان الحصول على المزيد من المكافآت التي بدت ذات مصداقية في ذلك الوقت، كما كان الحال بالنسبة لعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي.

وقد تغيَّر هذا الوضع في العقود الأخيرة. أولاً، تظن تركيا الآن أنَّ الفجوة الناشئة عن عدم توازن القوى قد تراجعت نسبياً بين الجانبين. ثانياً، لم تعد النخب السياسية التركية، سواء أكانت على حقٍّ في هذا أم على خطأ، تعتبر الغرب مركز القوة، بل باتت تعتبره واحداً من بين مراكز قوى أخرى كثيرة. وتعتقد الدائرة الحكومية التركية أنَّ هذا يزيد من فرص استقلالية الحكم الذاتي لتركيا في الشؤون الدولية، وبشكل خاص في علاقاتها مع الغرب. ثالثاً، إنَّ قدرة الغرب على وضع القواعد تتناقص. وكان للمعايير المزدوجة الغربية داخلياً وخارجياً دور كبير في إضعاف الترتيب المعياري العالمي للغرب. رابعاً، إنَّ المزيد من الخضوع لقرارات الاتحاد الأوروبي لا يضمن الفوز بالجائزة النهائية الكبرى أي العضوية (كما كان الحال بالنسبة لعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي). هذا الافتقار إلى المصداقية يقلل من تأثير الاتحاد الأوروبي على تركيا.

والنتيجة الطبيعية لذلك كانت سعي تركيا إلى تحقيق التكافؤ مع القوى الأوروبية الكبرى (ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة) في السنوات الأخيرة، إن لم يكن في العقود الأخيرة. ولا يبدو أنَّ الإطار الحالي للعلاقات سوف يفضي إلى معالجة قلق تركيا من الوضع في أوروبا أو إزاء القوى الأوروبية الكبرى.

لا يزال التحالف الغربي هو أهمُّ وأقوى نظم التحالف بالنسبة لتركيا. ولا يمكن استبدال هذا التحالف بأي شبكة علاقات لتركيا مع الدول الأخرى. لكن ومن أجل إعادة هذه العلاقات إلى مسارها الصحيح، يجب حلُّ مشكلة وضع تركيا ضمن إطار عمل مناسب. على الرغم من أنَّ الإجراءات الدارجة الأخيرة – خاصةً تلك التي تشير بوضوح إلى خفض أهمية الجوانب السياسية والديمقراطية المطلوبة لإقامة العلاقات – ليست مناسبة لحلّ أزمة الإطار في العلاقات التركية – الأوروبية. وإلى جانب جدواه وفائدته الملموسة، ينبغي لأي إطارٍ جديد أن يكون هادفاً وشاملاً، وأن يتضمن عنصراً سياسياً وديمقراطياً قوياً. لكن لا يبدو أنَّ هناك إمكانية لوضع مثل هذا الإطار العملي قريباً، إطارٌ يهدئ من قلق تركيا إزاء وضعها الحالي.

Get daily updates from Brookings