Skip to main content
مقال

الانتخابات الرئاسية الإيرانية: أمور نترقب حدوثها

سوف يذهب الإيرانيون في 12 يونيو/ حزيران للإدلاء بأصواتهم في انتخابات هي الأكثر تنافسًا خلال السنوات الثلاثين الماضية، منذ الإطاحة بعرش الملك بهلوي وإقامة أول حكومة دينية في العالم في العصر الحديث. وستحدد الانتخابات المصير السياسي للرئيس الإيراني المستفز محمود أحمدي نجاد، كما أنها ستضع بشكل أعم علامة على مستقبل المسار السياسي المتفجر في البلاد، علاوة على إمكانيات تحسين العلاقات مع واشنطن التي شهدت مشكلات على مدى طويل.

لقد أصبحت السياسة الإيرانية سياسة شخصية بشكل كبير، وصارت تركز على ما هو أفضل وما هو أسوأ حول أحمدي نجادي، الأمر الذي يُعد تطورًا كبيرًا مع الوضع في الاعتبار انعدام خبرته السابقة في السياسات الوطنية والسلطات المحدودة نسبيًا للرئاسة الإيرانية. ومن خلال إقحام نفسه في جميع المناظرات الإيرانية حامية الوطيد ، وعن طريق تأكيد ظهوره على الساحتين الداخلية والدولية، فقد ظهر أحمدي نجاد كنقطة تركيز أساسية للمشهد السياسي الإيراني المعاصر. ونتيجة لذلك، سوف يمثل التصويت في الانتخابات استفتاءً حول شخصية أحمدي نجاد وسياساته سيئة السمعة – حقيقة أكدتها اللقاءات الإعلامية اللاذعة التي أجراها خلال الأسابيع الأخيرة.

وحيث إنها تأتي في أعقاب تغيير الإدارة الأميركية وتحول في سياسة الولايات المتحدة، فإن الحملة الرئاسية الإيرانية تميزت أيضًا بالحديث الصريح عن مسألة الارتباط. وبالرغم من أن نتائج الانتخابات لن تؤدي بمفردها إلى حدوث تحول في العلاقات الإيرانية مع واشنطن – يرجع جزء من السبب في ذلك إلى أن الرئاسة الإيرانية ليست سلطة مطلقة بأي حال – فإن نتائج الاقتراع الذي سيجري هذا الأسبوع ستشكل وجهة النظر الدبلوماسية بشأن الطرق التي من غير المحتمل أن تكون صريحة ومباشرة. والتغيير في القيادة من شأنه أن يقوي خيار إدارة الرئيس أوباما المتعلق بالارتباط، لكنه يمكن أن يجدد أيضًا الشقاق والنزاع الذي أصاب طهران بالشلل خلال أوج عصر الإصلاحيين. وعلى العكس من ذلك، فإن فوز أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية قد يدعم تمرد طهران، لكنه يقوي أيضًا من إلحاح المجتمع الدولي في التعامل مع إيران.

حالة التلاعب في إيران

تعتبر الانتخابات سمة روتينية من سمات الحياة السياسية في الجمهورية الإسلامية، وهي إرث لنظام السلطة المؤلف من جزأين بشكل فريد والذي يشمل الشرعية الديمقراطية والدينية على حد سواء. وحيث تبدأ العملية بالاستفتاء المبدئي حول مستقبل نظام الحكم الثوري، فقد ذهب الإيرانيون 30 مرة على الأقل خلال سنوات عديدة للإدلاء بأصواتهم في استفتاءات الحملات الوطنية لانتخابات الرئاسة، والبرلمان، والمؤسسات النيابية الأخرى. والنظام الانتخابي مقيد إلى حد كبير، ويدقق النظام الحاكم بمنتهى الصرامة في المرشحين المحتملين للسماح فقط لمن يتعهدون بالحفاظ على النظام الثوري بالترشح للانتخابات الرئاسية.

وبالرغم من هذه القيود، فقد أثبتت الانتخابات الإيرانية أنها تنافسية وشديدة التقلب بشكل غير متوقع هذه المرة أيضًا. وليس ثمة أحد، حتى وإن كان من المؤيدين، استطاع أن يتوقع أن الترشيح الرمزي للحزب الوطني التقدمي سوف يصعد بالرئيس محمد خاتمي إلى الرئاسة في عام 1997 الذي بدأ بعدها في دعوة قصيرة الأجل للإصلاح. وبعد ذلك بثماني سنوات، وضعت إيران نفسها في المأزق مجددًا، بانتخاب شخصية غير معروفة متمثلة في أحمدي نجاد، وهو شخص شعبي راديكالي الذي استطاعت إداناته القاسية لفساد سماسرة السلطة في البلاد أن تتغلب على المزايا الهائلة والحملة البارعة للعراب السياسي الإيراني أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي تولى منصب الرئاسة لفترتين متتاليتين. وبفضل هذا الميل إلى المفاجآت الانتخابية، فقد تولى الإيرانيون على المستويين الشعبي والنخبة على السواء إدارة حمالاتهم بمنتهى الجدية.

ومن الصعوبة بمكان عرقلة الاقتراع القادم بشكل خاص. وخلال السنوات الأربع التي قضاها في منصبه، استطاع أحمدي نجاد استقطاب الإيرانيين وكذلك أجزاء كثيرة من العالم من خلال نشر خطب عنيفة معادية لإسرائيل وإقناع الرأي العام القومي بالقضية النووية. كما كان ازدراءه لمؤيدي التكنوقراطية وعادات الإنفاق المسرف قد دعمتا تضخم سجله وبددتا ملحمة أسعار النفط المرتفعة في السنوات الأخيرة. وساعد صدامه مع المنهج السياسي الدولي على تقويض علاقات إيران بكافة شركائها التاريخيين ونتج عنها فرض العقوبات الاقتصادية الأميركية.

والخصم الرئيسي لأحمدي نجاد هو مير حسين موسوي، محارب ثوري محنك تم تكريمه لقاء جهوده في إدارة البلاد باعتباره رئيس الوزراء طوال الحرب الطويلة التي خاضتها إيران مع العراق. وبعد أن انسحب نائيًا بنفسه عن الحياة السياسية، عاد موسوي بقوة إلى الساحة مرتديًا عباءة الإصلاح، مع الاعتماد القوي على الرئيس السابق خاتمي. وعلى الرغم من أنه شخصية غير معروفة جيدًا بالنسبة لقاعدة الشباب الإيراني الضخمة، فقد شن موسوي حملة رنانة بدت وكأنها زودت بالطاقة والقوة العديد من الإيرانيين الذين نأوا بأنفسهم عن السياسة خلال السنوات الأخيرة. وفي مناظرة حدثت وقائعها مؤخرًا مع أحمدي نجاد، كشف موسوي عن سجل الرئيس متهمًا إياه بدفع البلاد نحو طريق الديكتاتورية.

ومع ذلك، لا يزال موسوي يواجه عددًا من التحديات، ليس أقلها سابقة الخلاف مع القائد الأعظم آية الله على خامئني، والمنافسة من جانب مرشح إصلاحي آخر، هو المتحدث السابق باسم البرلمان مهدي كروبي. وربما كان ترشح كروبي هو الدعوة الأكثر خيالية في سباق الرئاسة. فهذا الشيخ المتدين الذي يبلغ من العمر سبعين عامًا هو الشخص الثوري الشجاع الذي ظهر كأحد ألد خصوم أحمدي نجاد منذ الثلث الأخير من عام 2005 الذي جرت فيه الانتخابات. وفي أعقاب هذه الخسارة، أنشأ كروبي حزبًا سياسيًا، وأسس صحيفة، وحصل على الدعم من العديد من النشطاء السياسيين الإصلاحيين الذين ساعدوه على بدء حركته الإصلاحية منذ بدايتها. وهو يعتبر ثالث أهم المرشحين للانتخابات، ولكن الانتخابات تعتبر علمًا غير دقيق في إيران وكروبي يمثل لاعبًا سياسيًا ماكرًا.

ويواجه أحمدي نجاد أيضًا مشكلات مقلقة من جانب مؤيدي النظام الإسلامي الأشد تقليدية، والذين أثيروا بسبب جرأة الرئيس وبلاغته في الخطابة وسياساته المسببة لعدم الاستقرار. وقد دق العديد ناقوس خطر العزلة الدولية والضغوط الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية. ورغم ذلك، يعتبر خامئني مؤيدًا متماسكًا لكنه أكثر هدوءًا بشكل مدهش لأحمدي نجاد، الأمر الذي كان يعني أن شيوخ إيران كارهين لإعادة انتخاب الرئيس.

لم يكن من السهل تهدئة الجيل الأصغر من السياسيين المحافظين، وقام رئيس الحرس الثوري الأسبق محسن رزاي ببدء حملة صارمة استعدادًا لخوض معركة الرئاسة. ومن غير المحتمل أن يحرز رزاي أغلبية في صناديق الاقتراع أو حتى بين مؤيديه من المحافظين، ولكن مشاركته تراهن على المطالبة بقيادة مستقبلية تزيد من حدة المنافسات بين أعضاء النخبة في إيران ومن المحتمل أن تنثر بذور منافسة سياسية أوسع نطاقًا في المستقبل.

وبالرغم من قوة منافسيه وانخفاض شعبيته الواضح بين العديد من قطاعات المجتمع الإيراني، لا ينبغي أن يحكم أحد بخروج أحمدي نجاد من اللعبة. فهو بارع للغاية في استخدام مميزاته القوية التي اكتسبها من منصبه – لم يخسر أي رئيس إيراني من قبل جولة انتخابية لفترة رئاسية ثانية – وقدرة النظام على التلاعب بعدد بسيط من الأصوات على أقل تقدير. وعلاوة على ذلك، رغم أنه يتعرض للهجوم والسب في البلدان الغربية، فإن أحمدي نجاد يفخر بمهاراته السياسية الضخمة، وقد صاغ دفاعًا قوميًا متحديًا منذ توليه مهام منصبه من شأنه أن يلقى قبولاً أوسع نطاقًا.

ولو نظرنا إلى الانتصارات التي حققتها الانقلابات ومرونة البيئة السياسية الحالية، لن يجرؤ أي مراقب ناضج للمشهد السياسي الإيراني على التنبؤ بنتائج الانتخابات الإيرانية التنافسية الساخنة. والحقيقة الوحيدة المؤكدة مقدمًا قبل الانتخابات هي أن المشهد السياسي الإيراني عرضة للتحول مرة أخرى، ومن المحتمل أن يمثل ذلك مستقبل علاقة إيران بواشنطن.

أمور نترقب حدوثها
الإضراب: يشارك الإيرانيون بالفعل في العملية الانتخابية بأعداد أكبر بكثير مما تقبله المعايير الأميركية، مع إقبال ثلثي الناخبين المؤهلين على الأقل على التصويت في معظم عمليات الاقتراع الماضية. ومن الناحية التاريخية، فإن المعارضة الإيرانية البدائية لم تكن قادرةً على منافسة المقاطعات الجماهيرية المحيطة، بل إنها كانت تمثل بعض الناخبين الساخطين الذين ابتعدوا عن صناديق الاقتراع. والورقة الرابحة بالفعل هي الإضراب في المدن الكبرى، التي يبسط الإصلاحيون نفوذهم عليها.

مستقبل الإصلاح: إن الإصلاحيين الإيرانيين سواء فازوا أم خسروا أمامهم الكثير ليبرهنوا عليه والكثير ليحصدوه في هذا الاقتراع. وقد بدا أن تهميشهم في انتخابات 2005 قد أغلق الباب تمامًا على الإستراتيجية الإصلاحية الخاصة بالإصلاحيين، والتي حاولت إعادة تأهيل الجمهورية الإسلامية من خلال تقوية مواقفها وضماناتها التمثيلية. وفي الوقت الحالي، يرى الإصلاحيون الإيرانيون في هذه الانتخابات فرصة ذهبية لاسترداد دور سياسي محوري وإحياء تفويضهم العام للضغط مباشرةً بشكل أكبر من أجل فتح ثغرات متزايدة في النظام. ومع ذلك، حتى لو فاز موسوي أو كروبي، فمن الواضح مدى توقعهم للتقدم بأهدافهم بطريقة أكثر نجاحًا مما فعل خاتمي.

الرد الأميركي: إن معايرة رد أميركي مناسب يتطلب السير على الفاصل الدقيق بين انتقاد القيود الكثيرة المفروضة على المنافسة السياسية بداخل الدولة والاعتراف بالإنجازات السياسية الأصيلة التي تمثلها الانتخابات – والأهم من ذلك المشاركة الشعبية فيها. وهذا التحدي يصبح أكثر قوة حاليًا، مع سعي إدارة الرئيس أوباما إلى البدء في مفاوضات مباشرة مع طهران. وفي عام 2005، أفسدت الإدارة الأميركية دعواها إلى التحلي بالرقي الأخلاقي عن طريق الاتهام بتزوير الانتخابات قبل حدوثها، ويمكن أن تكون البيانات الأميركية الرسمية قد فجرت بالفعل عملية المشاركة الشعبية. ورغم ذلك، من المثير للمشكلات بنفس الدرجة، الرد العاطفي المفرط، خاصة إذا خسر أحمدي نجاد؛ سوف يعانق الفائز أحد السياسيين الإيرانيين الذي كان يلعنه فيدعي بأنه سيدخل غرفته من أجل المناورة. وقد أظهر التواصل المخطط له لإدارة الرئيس كلينتون بعد انتصار المرشحين الإصلاحيين للبرلمان في مارس/ آذار 2000، انتكاسة المحافظين وساعد على تقويض هذه الحركة. وسوف تكون إدارة الرئيس أوباما أكثر حكمة في الاحتفاظ بالصمت الإستراتيجي في حين تقوم بمراقبة السقوط داخل إيران بحثًا عن مداخل للواجهة الدبلوماسية.

Get daily updates from Brookings